الأحد 24 يونيو 2018 م - ١٠ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من وحي “بان مونجوم”.. آلام وذكريات وتمنيات

من وحي “بان مونجوم”.. آلام وذكريات وتمنيات

علي عقلة عرسان

إنهما عقيدتان متصارعتان تلتقيان في ذاك الجزء من العالم، لن يغيرهما إلا صراع دام، ووعي يصب في كلمات مصبوغة بالدم، معطرة بحب الحياة، بأريج الغابات، ونعومة شميم الصنوبر والزهور البرية، ووعي يحمل التجربة ودروس التاريخ، مع رقة مشاعر وعواطف إنسانية صادقة، تصون الوجود الحر، لكائن ذاق مرارات العصور عبر حروب مدى التاريخ، ويجمعه بالآخر تراث إنساني يجري في العروق كما الدم، ويشكل القيم التي تحكم الأرواح والعقول والقلوب والضمائر، وتقودها إلى حيث حلم الأمن والوحدة..

كان اعتزاز الكوريين بنصرهم على اليابانيين كبيرا، وكان تشبث الشماليين منهم، بأحلام الوحدة، بعد حرب الكوريتين، وانفصال كوريا إلى دولتين عام ١٩٤٨، أكبر.. وقد أسس كيم أيل سونج كل مشاريعه على أساس وحدة الشطرين.. وربما كان يأمل بعمق، ويؤمن بثقة، أن كل الكوريين، في الجنوب والشمال والمهاجر، وخاصة في اليابان، حيث تقيم جالية تقدَّر بـ(700000) كوري في وقته.. أن يكونوا كلهم تحت جناحه، ويتمنون اللحظة التي يكون هو فيها سيدهم المطلق!؟ هناك رجال كثيرون يعيشون على أوهام كبيرة، وهناك أوهام أكبر تتحكم ببعض الكبار، ومن ثم تحكم الشعوب، أو تجبرها على الانصياع لكل ما يمكن أن يحققها.. وربما ورث كيم جونج أون هذا الحلُم “الإرث” عن كيم إيل سونج، ويتابعه بعزم وحزم، ويريد للكوريين جميعا أن يتوحدوا تحت إمرته، وضمن النظام الذي يختاره لهم، ولذا يسعى لامتلاك القوة، ويواجه العدو الأول لتطلعاته “الولايات المتحدة الأميركية”، ومن يدور في فلكها من الكوريين.. ويبدو ذلك مفهوما لولا.. ولولا.. لكن.. أيا كانت طموحات القادة والحكام، وحتى أحلامهم وأهامهم.. أولئك الذين يخوضون كفاحا نظيفا من أجل التحرير، والتخلص من الاستعمار، ومن نفوذ الدول الأخرى وأطماعها، لا سيما الإمبريالية منها، والدول ذات النزوع العنصري ـ العدواني ـ الاستعماري.. مهما كانت تطلعاتهم وأحلامهم وحتى أوهامهم.. فإنها تدخل في حيز المفهوم.. لكن، شرط أن تبقى في خدمة الوطن والشعب والحرية والتحرير، ولا تصبح طغيانية وإلغائية وقهرية، تلخص الشعب والوطن والإرادة والرؤية في شخص.
أقول هذا، في خضم “مناطَحة” كيم جونج أون، لدونالد ترامب، “من خلال لوحة مفاتيح الأزرار النووية”، تلك المناطحة الموروثة أيضا بين الدولتين، مع الموروثات الأخرى من حرب المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، في سنواتها الساخنة والباردة. وقد أعادني لقاء وفدي الكوريتين، الشمالية والجنوبية، في “بان مونجوم”، إلى تمنيات، وأيام ماضيات. أمَّا التمنيات فهي خاصة ـ عامة، خاصة بالكوريتين، وعامة، يقاس عليها ما هو في حكمها ووضعهما، وهو في بلداننا العربية والإسلامية كثير ومثير.. ويتخلص ذاك التمني في تَوق عارم، إلى أن يتخلَّص الواقعون تحت تأثير القوى العظمى والدول القوية، والمرتبطون بها بولاءات وعلاقات تجعل تلك الدول تابعة، ومستَلَبة، وتخوض صراعات وحروبا بالوكالة عن تلك الدول، أو بتحريض منها.. أن يتخلصوا من ذلك النير، ويكونوا لأنفسهم ومع أنفسهم.. حيث يختارون مستقبلهم ولمستقبلهم، بإرادة حرة، وبموضوعية وعقلانية واحترام وتفاهم. أمَّا الأيام الماضيات، فتعود إلى واحد وثلاثين سنة مضت، وقد أضاءت في ذاكرتي، يوم رأيت وفد الكوريتين في “بان مونجوم”، متقابلين.. ولم يكن ذلك كذلك، يوم أسست تلك القاعة للتفاوض واللقاءات الضرورية.
في القطار المتجه إلى كيسونج، الذي انطلق بنا من بيونج يانج، في الحادية عشرة ليلا من يوم 3/10/1986، قضيت ليلتي مع كاتب فنلندي وآخر كوري، في الحجرة الرابعة من العربة الخامسة على السرير رقم /13/، ولم أستيقظ إلا في السادسة صباحا. كان السفر بالقطار إلى كيسونغ يستغرق أربع ساعات فقط، ولكن القطار توقف على مسافة ساعة من كيسونج، لكي نتمكن من متابعة النوم حتى الصباح. في السادسة كان الجو مشبعا بالضباب، والرؤية شبه معدومة، وفيما عدا بعض الأشجار والنباتات والتلال والبيوت الريفية القريبة، لم أكن أرى شيئا، ومع مرور الوقت أخذت الرؤية تتحسن، وبدأ الشفق يشق طريقه في السماء، والنور يستلقي على مزارع الأرز المحصودة. أكوام القش وحدها كانت تتربع هناك، والأرض مسترخية، بعضها يغرق في الماء، تربة سوداء موحلة، جعلتني أتصور ظروف الحرب الكورية ومآسيها، شيء رهيب ذلك الذي يفعله الإنسان بالإنسان، ولا يمكن أن تصل الكلمات إلى غوره.
مع شروق الشمس كنا في كيسونج، وكان في استقبالنا ثلاثة من مسؤولي المحافظة. بعد تناول طعام الإفطار اتجهت بنا الحافلات إلى (بان مونجوم PAN Moundgeum) حيث المنطقة العسكرية الفاصلة بين الكوريتين. على بعد (70كم) من العاصمة السابقة لعموم كوريا، سيؤول، يوجد مخفر الأمن الكوري، نزلنا إلى قاعة، حيث تولى ضابط شرح الموقع على خريطة مجسَّمة.. المنطقة الفاصلة منزوعة السلاح، عرضها (10كم)، والانتشار فيها بأسلحة محددة (4كم). في ذلك المركز كنا على بعد (15كم) من البحر الغربي، ويقع في المنطقة الفاصلة نهر (سانشن) الذي يحدد جزءٌ منه الحدودَ الفاصلة. بعد أن تجاوزنا هذا المخفر، سرنا بين سياجين من الشريط الشائك، وعلى طرفي الطريق كانت تنتشر المزارع. لأول مرة تقع عيني على مزرعة (انسم) كانت عرائش القش تنتشر، وفي ظلالها تلوح بعض الأوراق الصغيرة، سألت مرافقي السيد (ليم) عن هذا الجَذْر الذي يتكلمون عنه كثيرا، قال: (انسم) جَذر لا ينبت في أي بلد سوى بلدنا، وفي هذه المنطقة، منطقة كيسونج، هو الأفضل والأكثر فائدة، ولذلك يدخل في المستحضرات الطبية. والأنسم هو الجذر الذي يُستَنبت من قبل الإنسان، أما (سنسم) فهو الجذر الجبلي البري الذي نجده في الأرض، وهو أكثر فائدة، ولا يوجد إلا في الجبال. والاسم (انسم) مركب في لغتنا: فـ: (إن) تعني إنسان و(سم) تعني الجذر أو اسم الجذر، وكلمة (سن) تعني (جبل)، وهكذا تصبح الكلمة في تركيبها واضحة (سنسم) الجذر الجبلي. وانسم الجذر المستنبت بيد الإنسان، وهذا يختلف عن الجذر الآخر الذي ينبت في بلادنا، وهو (جذر الحياة)، فذاك جذر مختلف، ولا يُزرَع من قبل الإنسان، وينبت في الطبيعة، ويختلف في قيمته ومفعوله عن الـ(انسم).
كنت قد شاهدت ذلك الجذر الذي يتكلم عنه ليم، جذر الحياة، وكان معروضا للبيع في الصيدليات والمخازن المخصصة للمشترين الأجانب، وكان معروضا بأثمان مرتفعة تصل إلى (900) تسعمئة دولار أميركي للجذر الواحد، وأدهشني ذاك الثمن، بالنسبة لمثل هذه البلاد ومداخيل الناس فيها، إذ قد يضطر البعض لاستخدام هذا النبات في حالات صحية معينة، فكيف يمكن أن يسدد خُمس ذلك الثمن وليس كله؟!
كان الجذر المشار إليه لا يزيد عن مئة أو مئتين من الغرامات، أسمر ضارب في السمرة، وحدثوني عن مفعوله الكبير في تجديد الخلايا، والتأثير في الهرمونات والأعصاب، وعرفت أن الكوريين يعتمدون اعتمادا كليا، على الأدوية المستحضرة محليا من النباتات والجذور والأعشاب والعظام، وما إلى ذلك من المواد المتوافرة في الطبيعة، ولا يعتمدون على المستحضرات الطبية الكيميائية.. شيء جيد إذا كان ذلك يؤدي إلى نتائج طيبة في العلاج، وهذا الشعب الذي يقاوم، ويعتمد على النفس، ويعايش الظروف القاسية، لا بد من أن يبحث عن مصادر شتى، تؤمن له الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على الذات. وصلنا إلى القاعة حيث جرت المباحثات، وتم التوقيع على اتفاقية الهُدنة، كان الموقع المعروف باسم (بان مونجوم) عبارة عن دُكَّانة ذات باب خشبي، ومنه اشتق الاسم (بان: خشب: من بان جوم: دكان).. والمكان أشبه بقرية قديمة صغيرة. القاعة المبنيّة للمباحثات، التي تم فيها التوقيع أصبحت متحفا، والمنضدة التي تحتوي على عشر مقاعد، خمسة في كل جانب، تحمل غطاءها الأخضر القديم، وعلى جانبيها منضدتان كل منهما تتسع لستة كراسي مغطاة بالأبيض، شهدت مفاوضات جديدة.. أما القاعة حيث تم التوقيع فاشتملت على ثلاث مناضد، المنضدة الوسطى توضع عليها الوثيقة ليتناولها الجانب الآخر، من دون أن يعطي أحد الجانبين للآخر ورقة أو يأخذ منه ورقة باليد.
إن الفيلم الذي عُرِض علينا، والصور الموجودة، والمقاعد، والوثائق.. كل ذلك وضعنا في مناخ الحرب والدمار والسلاح والدّم، وأعاد البؤس الإنساني مجسدا.. وحدها العصافير التي كانت تغرد على أغصان خضراء، في بهجة الشمس وصفاء الطبيعة، أعادتنا إلى جو الحياة، بعد أن خرجنا من القاعات. إن الشمس والخُضرة وهذه العصافير وزرقة السماء، تشد الإنسان إلى عمق السلام والأمان والاستقرار في الأرض، وتدعوه إلى أن يقدر عاليا معنى أن يعيش بأمان، وأن يتمتع بالحياة.. ولكن هل يدرك الناس ذلك، ويستفيدون من الدروس؟؟!
في الساعة العاشرة من صباح يوم 27/7/1953 وقعت الهدنة بين الكوريتين، أو بين (كوريا) أميركا وكوريا (روسيا ـ السوفييت)، ولكن هل توقفت الحرب؟ هل مات روح الحرب؟! إن الاستنزاف ما زال مستمرا بأشكال مختلفة، وكل تجار الحروب ينشطون ليبيعوا أسلحة وسلعا ومواقف، في جميع الساحات والمعسكرات.. وسواء أشاء المرء أم أبى، فإنه يغرق في هذه الدَّوامة، ويصبح جزءا منها. رهيب الصراع من أجل البقاء، وقد يستحق الصراع من أجل بقاء النوع والجنس، هو وحده، تضحيات ونضالا مُرّا.. لكن الصراع من أجل الربح والسيطرة على الآخرين وابتزاز الثروة، ما الذي يجعله حاكما، وسلاحا مصلتا على رؤوس الناس من المهد إلى اللحد؟ ألن يموت الإنسان؟ ألا يموت فيه حبُّ الحياة في كل دقيقة، إذ يعيش في تلك البيئة المحكومة بالرعب والقهر والقتل؟! أفلا يقدم ذلك أي نوع من العِبَر؟ لقد احتل الأميركيون كوريا في شهر سبتمبر ـ أيلول 1945 بعد انهزام اليابانيين، وبعد ذلك بسنوات بدأت الحرب الكورية الأميركية، أو الروسية السوفيتية ـ الأميركية. في كوريا، وفي تلك الحرب التي ابتدأت يوم 25/6/1950 وانتهت في 27/7/1953 واستمرت حوالي ثلاث سنوات، توقفت بمعنى، وبقيت مستمرة بمعنى آخر.. وهكذا كل الحروب، فمتى يرتاح الإنسان؟! متى يشعر أن هناك نهاية لسفك الدم وللابتزاز من أجل سفك الدم؟! متى تقف الطموحات البشرية المريضة، عند حد يجعل الإنسان قادرا على احترام حق الآخر في العيش والعمل والحرية والحوار، من دون قهر أو إذلال أو سيطرة؟ متى يصبح للحياة، حياة الأفراد والشعوب، حُرمة وقدسية، في أعماق الضمير وفي صلب التكوين القيمي للإنسان؟
في موقع آخر، واجهنا التقسيمَ والمعسكرين المتقابلين.. دخلنا من باب مبنى تقليدي أنيق ونظيف، وخرجنا إلى شرفته، وإذا بنا أمام (6) ستة أبنية بعضها مطلي باللون الأبيض وبعضها بالأزرق، وهي أماكن وجود وتقابل الجنود والضباط، (الحرس) الكوري الجنوبي والكوري الشمالي والأميركيين ضمنا، في قاعة مشتركة، يقسمها في المنتصف تماما، شريط لاقط الصوت (الميكروفون)، وتم استكمال شرح الوضع لنا. ومنذ أطللنا من الساحة حتى خرجنا منها، والمصورون (الأميركيون ـ الكوريون) يلتقطون لنا الصور من برج خاص يقع بمواجهتنا. إنها المعسكرات المتحاربة، والقوى المتناحرة، وأجهزة الأمن التي تلف حياة الشعوب بحزام من المتفجرات والرعب والبؤس، وتؤرق الإنسان حتى في لحظات النوم، وتجعله مُتّهما ومُلاحقا.. إنها تلك المُعسكرات التي تُحكِم قبضتها على الشعوب، وتفتتها، وتحيلها إلى شعوب متناحرة متقاتلة، مستهلكة تماما ومستعمَرة من الأعماق، وشقيَّة بلا آفاق فرج.. إنها قوى الاستنزاف والاستلاب العصرية التي تمد سُلاميَّات الاستشعار وأصابع الفتك، في كل مكان من عالم اليوم، عالم دمار القيم، وسيطرة القوة الفاشية والعنصرية، المعتمِدة على العلم والتقانة، والمستغلة لهما أبشع استغلال.. إنها هي التي تتجسد هنا أمامنا في هذا المكان.
في مكان آخر من منطقة كيسونج ـ قصدناه بالحافلات، ثم صعدنا إليه في طريق جبلية متقنة الحماية، متعرجة كأنها خندق قتال ـ ومن شرفة مبنى بسيط، أشرفنا على الحدود بين الكوريتين.. وبالمناظير المجهزة، رأينا تلا مرتفعا، تربَّعت عليه أجهزة التنصُّت، أنه تل (رمدن) يرتبط بسلسلة من التلال، ويمر قربه نهر (رمدن) ويقع في أحضان جبل ـ سول ـ الذي يلوح من بعيد، تغطيه زرقة ضبابية. من ذلك الموقع رأينا السور الذي يمتد (155) ميلا بارتفاع 7 أمتار وعرض 3 أمتار، الذي بُني من الإسمنت المسلح، وكلف بحدود (4) مليارات ين ياباني تقريبا في ذلك الوقت.. وهو يشبه سور الصين، أقامه الأميركيون والكوريون الجنوبيون كحد فاصل بين شطري كوريا.. ويمكن للمتأمل أن يلاحق امتداد ذلك السور عبر التلال التي يفصلها وادٍ أخضر، عن سلسلة تلال وجبال أخرى في كوريا الشمالية. عدت مرة أخرى، بعد نظرة عامة بالمنظار، لأتأمل مجموعة تلال (رمدن) وخاصة التل الذي يحمل أجهزة رادار ومراقبة عالية القدرة، وفي سفحه كُتِبَت عبارة: كوريا الجنوبية، بوضوح.. إنه يشبه “تل أبي الندى” في القنيطرة السورية الذي تحتله العنصرية “إسرائيل” المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.. والقنيطرة و(بان مونجوم)، تقدمان صورة مأساوية متشابهة، ووصفا نضاليا متقدما للتنصت وللكشف الراداري بالنسبة لمنطقتنا، يقابله هذا الموقع وسواه من المواقع، لتقوم بالغرض نفسه في شرق آسيا. وشعب كوريا الممزق يشبه شعبنا العربي الممزق، والخنادق المتقابلة عندنا قريبة الوضع من الخنادق المتقابلة هناك، مع فارق غاية في الأهمية” هناك عدو محتل لجزئ من شعبنا في فلسطين، يحكم بالإرهاب، وبدعم دولة لا تكف عن الاستثمار في الإرهاب، وتتهم الآخرين به؟! الوضع ذاته والوظيفة ذاتها، وربما الإطار العام ذاته، مع فارق الاستقرار المرتكز على الهدنة التي يزيد عمرها على ثلاثين عاما في منطقة (بان مونجوم) والتوتر الصدامي في القنيطرة ذلك الذي يتحول إلى قتال دموي في كل دورة زمنية (من 13 سنة ـ إلى 10 سنوات)، واستقراره يترجح على ألسنة الحراب.
جلست هناك على الأعشاب، وسط طبيعة كثيرة الخضرة والجمال.. تحتي سفحٌ شديد الانحدار للجبل الذي تسلقناه، وأمامي من بعيد الوادي الفاصل بين شطري البلد المقسم، والتلال، والسور الممتد طويلا.. من بعيد تلوح مبان فوق سفوح خضراء، إنها قرية أنموذجية في كوريا الجنوبية، بنيت لتقدم صورة من الحياة في القسم الآخر من البلاد، حيث النظام والحياة ونمط التعامل مختلف. ويزعم الشماليون، أن هذه القرية خالية من السكان، وإنما بنيت فقط لإظهار نمط إغرائي لهم، (إنها قرى للخداع)، هكذا قال لهم الزعيم كيم إيل سونج، وهكذا يقولون. في المدى يدوي صوت ينبعث من مكبرات خاصة، إنه غناء، تبيَّنت بعد السؤال أنه غناء كوري قديم، أغنية ذات اتصال بالحب والحياة، عميقة التأثير في نفوس الكوريين، وذات معان (مُرخية للأعصاب) كما يحب الكوريون الشماليون أن يقولوا، إنها الدعوة إلى المتعة، وربما إلى الانحلال، موجهة من بلد رأسمالي، بأسلوب رأسمالي، إلى سكان بلد يعيش التجربة الشيوعية على طريقة كيم إيل سونج، ويعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم، ويأكل الأرز المسلوق والكَمخي، ذلك المخلل الذي يشكل المؤونة السنوية لأكثر من 90% من أفراد الشعب في الشمال، ويعمل ليحقق ما يتطلع إليه القائد “الشمس”..
إنهما عقيدتان متصارعتان تلتقيان في ذاك الجزء من العالم، لن يغيرهما إلا صراع دام، ووعي يصب في كلمات مصبوغة بالدم، معطرة بحب الحياة، بأريج الغابات، ونعومة شميم الصنوبر والزهور البرية، ووعي يحمل التجربة ودروس التاريخ، مع رقة مشاعر وعواطف إنسانية صادقة، تصون الوجود الحر، لكائن ذاق مرارات العصور عبر حروب مدى التاريخ، ويجمعه بالآخر تراث إنساني يجري في العروق كما الدم، ويشكل القيم التي تحكم الأرواح والعقول والقلوب والضمائر، وتقودها إلى حيث حلم الأمن والوحدة.. إنه وضع يذكرك بألمانيا المقسَّمة بين المعسكرين، وبحدود التماس بين أوروبا الاشتراكية والرأسمالية، ويذكرك باليمن المقسَّم إلى جنوب وشمال، وبقبرص، وربما ببعض التجارب المرة في أميركا اللاتينية وإفريقيا.. يذكرك باللعبة الحزينة، حيث عالم الكبار يحكم عالم الصغار ويتحكم به، ويحدد له هامش الحرية والطموح ونوع الألعاب التي يلعبها، ما يجوز وما لا يجوز، ومجال التحرك والخصوصية، وكيف يموت ومتى.. في مدى لا يخرجه عن حدود السيطرة والخضوع للابتزاز والاستغلال والاستلاب.
وكما تنتصب تلك الشجرة المعمرة المزدهرة في وسط سكة الحديد، لتفصل الجنوب الكوري عن الشمال، وترخي أغصانها بِدِعَة.. كذلك تنتصب قوة الظلال العائدة لكل من القوتين الكبريين، لترسم حدود العالم وتقيمها أسافيين بين الأرواح والقلوب.

إلى الأعلى