الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفنان التشكيلي السوري موفق مخول: لا أهتم بجمالية العمل قدر اهتمامي بذكاء اللوحة وقدرتها على الإدهاش

الفنان التشكيلي السوري موفق مخول: لا أهتم بجمالية العمل قدر اهتمامي بذكاء اللوحة وقدرتها على الإدهاش

يرى أن الإحساس الصادق مقياس للتمييز بين الفنان المبدع والحرفي الماهر

الألوان القاتمة والفاتحة تكون مفرحة عندما تتحاور في اللوحة

التقسيم الحاد بين المدارس الفنية تجاوزه الزمن

أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا :
استضافت صالة ” ألف نون للفنون والروحانيات” في دمشق مؤخرا معرضا متميزا للفنان التشكيلي موفق مخول. وضم المعرض 23 لوحة، منها سبعة عشر عملاً جديداً بتقنية الاكريليك وبقياسات متنوعة وبأسلوب تجريدي. ورافق افتتاح المعرض توقيع كتاب بعنوان ” مخوليات” ضم منشورات إلكترونية للفنان نشرها على موقع الفيس بوك خلال السنوات الخمس الأخيرة. ويذكر ان الفنان مخول من مواليد دمشق عام 1958 يحمل إجازة من كلية الفنون الجميلة قسم التصوير عام 1982، تغرب في اميركا لفترة طويلة ثم عاد الى بلاده حيث يعمل حاليا موجها اختصاصيا لمادة التربية الفنية بمديرية تربية دمشق، وهو مشرف على فريق إيقاع الحياة الذي نفذ عدة أعمال جدارية وطرقية في دمشق، ودخل أحد أعماله عام 2014 موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأضخم جدارية مصنوعة من مواد مدورة من مخلفات البيئة. وأقام عدة معارض فردية وجماعية . تتميز لوحته بشفافية وضبابية تجعلها اقرب الى أجواء ألف ليلة وليلة ..

• حملت الأعمال التي تضمنها معرضك الأخير تغيرا ملحوظا على صعيد اللون والتشكيل …؟
الفنان يحب دائما التجديد والتغيير لكن مع الحفاظ على شخصيته الفنية. لان التغيير يجدد الروح عند الفنان ويبعده عن الملل وعن التكرار. وغالبا ما يرتبط التغيير بالثقافة البصرية للعصر أو الزمن.

* ما هو الحلم الذي تسعى إلى تجسيده في لوحاتك…؟
الحلم الذي أحب ان أجسده في اعمالي هو خلق حوار مع المشاهد، وقد تستغرب إذا اخبرتك انه لا اهتم بجمالية العمل بقدر اهتمامي بذكاء اللوحة وقدرتها على الادهاش واثارة تساؤلات لدى المتلقي، وبالتالي قدرتها على خلق حوار فني راق بينها وبين المشاهد.

* لوحظ استخدامك للألوان المفرحة في معرضك الأخيرة ..فيما كانت تغلب على لوحاتك الألوان القاتمة. ؟
الالوان تكون مفرحة عندما تتحاور مع بعضها في اللوحة. وليس بالضرورة ان يكون اللون الابيض او الاصفر او الأزرق مفرحين إذا لم ينسجما مع بعضهما في اللوحة. لذلك أقول ان الفرح هو الحب في العمل. والالوان القاتمة هي التي تستوعب الالوان الفاتحة، ومعروف ان أساس نجاح اللوحة التجريدية هو الحوار اللوني.

* في لوحاتك اكتظاظ معماري ولوني، فهل تخشى مناطق الفراغ في اعمالك بشكل او بآخر…؟
صحيح يوجد اكتظاظ لكن من السبب لا اعرف اتوقع هو ثقافة الشرق المكتظة بالهموم والحزن والتاريخ وهذا ينعكس على حياة اللوحة.. تشعر أنك تريد أن تقول كل شيء في لوحتك.. والجميع يرسم معك .. الفراغ صعب ان نرسمه لأنه ممنوع في حياتنا .

* هناك اهتمام واضح بالتفاصيل حتى ابعد نقطة في اللوحة ..هل هو تأثر بالزخرفة العربية…؟
أحب التركيز على التفاصيل في بعض الاشياء وخاصة الاشياء المزخرفة، ادخل في لمسات انسانية جذع الشجرة جميل من بعيد لكن أجمل إذا لمسته بيدك وقبلته ورأيت التفاصيل في خلقه. أحب أن أرى الأشياء من قريب ومن بعيد وادخل في روحها وأعيش وامتزج بها، وهذا له معنى فلسفي وإنساني في حياتنا أن نؤمن في كل الأشياء الجميلة وندافع عنها لكن ليس في هذا الزمن. الزخرفة هي البصمة الوحيدة التي تركها العرب في حياتهم لتعبر عن حبهم للجمال وعن إيمانهم به لذلك أنا أحبها واحترمها وموجودة في كل أعمالي. لكن ليس بالطريقة المدرسية المعروفة، زخرفتي عفوية وغير مدروسة.

* تتميز اعمالك بشفافيتها العالية والجو الضبابي الذي يلفها والتي يجعلها أقرب الى أجواء ألف ليلة وليلة…؟
الشفافية هي مجرد تكتيك خاص لشخصيتي في اللوحة وانعكاس الحالة الانسانية التي تنتاب الفنان اثناء عمله والضبابية تلعب دور ربط الأشياء ببعضها في نفس الجو، لتخلق روحا ورمانسا للوحة. ولا أخفي ان الأجواء الشرقية تسيطر علي من الداخل وخاصة أجواء المرأة ولباسها وحركاتها، الغرب سحروا بأجواء الشرق، ودليل على ذلك هو الفنانين المستشرقين الذين أبدعوا في الشرق وتأثروا به وعاشوا تفاصيل جماله. الجمال مرتبط بروح الإنسان من الداخل له مدلول فلسفي وديني وتاريخي. قصص ألف ليلة وليلة أذهلت الغرب في كل شيء في قصصها ورموزها والوان الحب الموجودة فيها، عندما ارسم احلم انني اعيش في تلك الفترة لأبحث عن قصة حب ضائعة وعن ألوان القماش المخططة بالذهب والفضة وعن خصر امرأة مزين بأوراق الشجر وعن اللون الفيروزي من اعماق البحار والموجود على رؤوس النساء واحلم بأصابع النساء المزينة بالخواتم لترسم فرح قادم من التاريخ المنسي وارسم الحزن الموجود داخل التاريخ. ابحث عن الضوء المتسلل الى داخل الاشياء ليضع بقع نور قادمة من المجهول، ارسم الاساور الذهبية والفضية التي تزين أرجل النساء تشاهد كل شيء جميل في المرأة كل شيء مزين.
نحن في الشرق نحب ان نزين حياتنا بالجمال والحب ويجب ان نحترم انوثة المرأة ونحترم العصفور والزهرة ونستمتع بصوت الريح ونلون بشرتنا بلون الشمس ونصنع الوسادة من رمال الصحراء ونصنع قرابينا من حياة الوطر كل هذه الطقوس هي حب الوطن والانسان. الأسطورة هي احلامنا هي البحث عن المجهول.الزخرفة هي خطوط مصنوعة من نسيج حب الجمال تشعر ان الجدران تكمل جمال المرأة في البيت ..وتشعر بدفء وحب وصوت موسيقا قادم من الجدران لذلك عندما اتذكر قصص ألف ليلة وليلة افرح لأنني من الشرق وأشكر الله.

* وماذا عن الجو الصوفي الذي يغلف بعض اعمالك؟
لو اعتبرنا التوحد مع اللوحة مظهرا من مظاهر الصوفية. يمكن القول ان الصوفية هي من الاشياء المهمة في حياة الفنان.. ففي داخل كل انسان خشوع نحو ما يحب. وهذه العلاقة المتبادلة بين الانسان(الفنان) وبين ما يحب تشكل المحرض الرئيسي في بناء اللوحة، وربطه الاشكال فيها مع الالوان. لتنتج جوا خاصا. ينبئ عن تلك الحالة وذلك التوحد بين الفنان وموضوعه.

تميل الى تغييب الانسان في اعمالك ..وإن حضر غالبا ما تكون امرأة…؟
الانسان حاضر في لوحاتي بشكل دائم ولكنه وجود حسي وليس وجودا ماديا بمعنى انك تشعر بوجوده ولا تراه فانا لا احب ان ارسم الانسان كشخص وانما ارسم آثاره في الحياة ومخلفاته من الاشياء المستعملة لأن كل شيء من هذه الاشياء له معناه الانساني والروحي والاسطوري.اما بالنسبة للمرأة فهي التي تلون الحياة بألوان قوس قزح .. المرأة هي سر الله في الكون. احياناً ارسمها بلوحتي ..وأحيانا لا ارسمها لكن روحها ورائحتها موجودة في كل جزء من اللوحة. وبطبيعة الحال هناك خصوصية لي في اختيار المرأة. أحب المرأة الموجودة في داخلي.. ابحث عنها بين رموز الحب المحفورة على الشجر والجدران وبين اجنحة العصافير الدافئة بين الغيوم المسافرة. المرأة التي تؤمن بأن أنوثتها هبة من عند الله سبحانه وتعالى .. أحب المرأة التي تنزع الحقد داخلنا وتزرع مكانه الحب والجمال، وتجعلنا نشــــكر الله لأننا موجودون على هذا الكون.

* تهتم كثيرا بدراسة انكسار الضوء وتوزيعه في اللوحة…؟
الضوء هو مصدر الحياة في اللوحة، ولولا الضوء لما وجدت ظلال على الارض. والضوء هو الذي يشكل مصدر الانعكاسات على الاشكال الموجودة في الحياة .. وهو الذي يوازي الاشكال مع البصر. فترى كم هو جميل اللون البني اذ كان معه لون مضيء .. والكحلي كذلك. اللوحة يا صديقي مثل حياة البشر وقصصهم .. جميلة في افراحها ومتعبة في احزانها، لكن الحزن والفرح صديقان في تكوين الانسان من الداخل .. وكذلك الالوان المعتمة جميلة بالضوء الموجود فيها. الضوء هو الذي يجعلك تدخل الى اللوحة وتبحث من خلالها عن اشياء مفقودة في داخلك هو الذي يضع دفء في العمل الفني. ويمكن القول ان الضوء من اهم عناصر اللوحة الشرقية .. وهو الذي يعطيها خصوصيتها وهويتها الشرقية. واختلافها عن اللوحة الغربية.

. عشت فترة طويلة في اميركا، فكيف انعكست هذه الغربة على اعمالك…؟
تجربتي في اميركا اثرت كثيرا في مسار حياتي الفنية، فقد جعلتني اهتم أكثر فأكثر بتراث وطني وجعلتني اشعر وأحس بأهمية الاشياء البسيطة التي نراها، بدأت ارى القرى الموجدة في حلب والمصنوعة من الطين بنظرة أخرى، فهذه الاشياء لا تقل اهمية عن اي متحف عالمي. في غربتي بدأت افهم الصدق في العمل الفني الموجود في بلادنا والمفارقة ان لوحتي بعد الغربة اصبحت شرقية أكثر من ذي قبل. وربما كان هذا نوعا من اثبات الذات والتحدي. ولا أخفي على الصعيد الآخر مدى الاستفادة التي حققتها من متابعة التقنيات الفنية والمتنوعة هناك، فقد استفدت تقنيا الى حد كبير.

* على ذكر التقنيات. ماهي المواد التي ترتاح اليها أكثر من غيرها…؟
المواد المائية هي الأهم في عملي الفني، فهي تساعدني جدا على رسم تلك الاجواء الحالمة الرومانسية والشفافة، ولكن هذا لا يعني انني لا أحب المواد الأخرى. فالمواد هي من الاشياء المهمة في لوحتي والتي تميزها عن غيرها، فانا ابحث دائماً عن ألوان خاصة بي، أحب ان اكتشف الواني بنفسي. أحب ألوان التراب والوان الطين وألوان جذوع الشجر ولون التاريخ ولون الصحراء ولون العشب اليابس ولون الخريف. تقنيتي هي البحث في الألوان امزج أكثر من مادة مع مادة اخرى لا يوجد عندي قانون لذلك. أحب الحرية في الألوان. لكنني اعشق الألوان الترابية، البودرة اشعر بحنان عندما استخدمها، وأخاف من الألوان الكيميائية والصناعية المركبة.

*لجأت الى التجريد في معظم أعمال معرضك الأخير …؟
هذا صحيح، ولكنه لا يعني اني انتمي الى المدرسة التجريدية او غيرها .. وباعتقادي ان الزمن قد تجاوز الى غير رجعة ذلك التقسيم الحاد بين المدارس والمذاهب الفنية الواقعية والسريالية والتجريدية الخ…فأنا اعتبر نفسي منتميا الى المدرسة الانسانية في هذا العالم. ولست متعصبا لأي مدرسة فنية او مذهب فني سوى مذهب الحب والانسانية والجمال.

*ما الذي يعنيه الرسم بالنسبة للفنان موفق مخول ..ومتى تشعر بحاجة للرسم …؟
هذا السؤال المحير فعلا والذي لا اعرف له جواب أبدا. لكن أحب أن أقول أن داخل كل إنسان توجد طاقة يبحث من خلالها عن ذاته .. من هو ..ولماذا جاء إلى هذا الكون ..وماذا يريد والى أين يذهب. كل هذه الأشياء خوف وفرح وحزن تشكل حالة إبداع تساعد بالبحث عن إجابات لهذا السؤال.. بمعنى لا يوجد جواب لكن يوجد إحساس وشعور وفكر. المهم أنني ارسم عندما أكون حزين حتى ألون حزني بألوان الفرح وعندما أكون فرحا ألون فرحي بألوان الخوف من المستقبل. ارسم عندما اريد ان اقول شيئا في داخلي ولا اعرف ما هو لكنه موجود. ارسم عندما اريد ان امارس جنوني واقول كلمة لا لأشياء ممنوعة في حياتي.

.. وبالتالي متى تشعر ان اللوحة انتهت..؟
متى تنتهي اللوحة فهذا إشكال آخر .. فأنا فعلا لا أعرف .. اللوحة تعرف أكثر مني لأنها هي التي ترفضني وتمل مني…بعد فترة تقول لي تعال اشتقت لك اين انت. ودائماً ماتكون اللوحة الناقصة هي الدافع والمحفز للاستمرار في البحث عن غيرها. لذلك لا استطيع ان انهي لوحة ابداً ولا اعرف كيف انهيها، كل عمل فني في العالم ناقص وانا احياناً اضطر ان انهي عملي حتى ابحث عن آخر. لو أنني اعرف ان اللوحة انتهت لما رسمت غيرها لأنني أكون قد وصلت الى غايتي.

* هل يمكن للوحة المنفذة بالكمبيوتر ان تحمل نفس الحس الانساني الذي هو اساس اللوحة الفنية ؟
اللوحة التي تتشارك معها اي تكنولوجيا في تكوينها ممكن ان تكون مبهرة. لكن غير صادقة.. أجمل شيء في اللوحة هو روحها وانسانيتها اي شيء يتدخل بها غير روح الإنسان تتحول الى سلعة…انا أحب بساطة العمل في التعبير.

وكيف نستطيع التميز بين لوحة الفنان المبدع ولوحة الفنان الحرفي؟
الاحساس الصادق هو المقياس الذي نستطيع به التمييز بين الفنان المبدع. والحرفي الماهر. فلوحة الفنان من صنع حسه الانساني يعبر بها عن الأشياء وعن الحالات والانفعالات التي يعيشها.. عن القلق والخوف والفرح والحب كل هذه الاحاسيس الممزوجة بالألوان تخلق اللوحة الابداعية لهذا الانسان. أما الحرفي الماهر فإن لوحته مهما كانت جميلة إلا انها غالبا ما تكون فاقدة الاحساس والحياة، فهو مجرد آلة تعمل لا أكثر ولا يمكن للآلة انتاج فن حي يحرك الأحاسيس.

إلى الأعلى