الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الرهان الثقافي بين الوَحدة والتنوّع

الرهان الثقافي بين الوَحدة والتنوّع

نعيش اليوم في أغلب الدول العربية مشهدية ثقافية متأرجحة بين ما هو محلي خاص وما هو وافد ومستورد، جدلية تعتمل بعنف في كل المظاهر الثقافية المحيطة بنا كنتيجة لما يسمى بالعولمة، حيث تحول العالم إلى قرية صغيرة في ظل ما اتاحته الثورات التقنية والتطورات التكنولوجية وخاصة الوسائل السمعية والبصرية وثورة مواقع التواصل الاجتماعي، فشهد العالم حراكا تواصليا مبالغا فيه ان صح توصيف الحالة، فقدت من خلاله العديد من الشعوب الكثير من خصوصياتها فيما يخص العادات والتقاليد اليومية من طريقة تعامل ولبس وأكل، وأيضا من خلال الفنون والآداب والتعمير… الي غير ذلك من خصوصيات لتذوب وتنصهر في ما هو كلي وكوني. فتعالت أصوات من هنا وهناك تنادي بضرورة الاعتزاز بالانتماء إلى هوية ثقافية خاصة لإظهار مواطن الفرادة والتميز ورفض كل ما هو مسقط ودخيل، في حين برزت اصوات اخرى لتدعم وتنادي بضرورة لقاء الثقافات لقاء يتم فيه تجاوز وهم الخصوصية نحو الكونية. وقبل الدخول في صلب هذه الاشكالية ما الثقافة؟
نعني بالثقافة كل ما أضافه الانسان للطبيعة من وسائل الانتاج من اساليب عمل ومن عمارة ومن لباس وآداب وفنون، والثقافة هنا هي نقيض للطبيعة التي هي الحالة الاصلية البدائية الخام للوجود، أي قبل ان يضع الانسان بصمته في هذا الوجود وقبل ان يغيره وفق ما يستجيب لحاجياته، هذا التعريف يجعل من جميع الأفراد ومن جميع الشوب كائنات ثقافية وفي ذلك استبعاد لبعض المواقف التي تحصر الثقافة في نخبة المجتمع – الأدباء، العلماء، الفنانون، الفلاسفة…- وللموقف الذي يقر بان الثقافة حكر على بعض الشعوب في حين تعيش الشعوب الاخرى حالة همجية أي حالة اقرب إلى المنزلة الحيوانية والمنزلة الطبيعية. وبالتالي تختلف الثقافة من شعب إلى أخر فالبشر لم يعيشوا مجتمعين باختلاف الظروف الطبيعية والمناخية والجغرافية، فقرب شعب او بعده عن الشعوب الاخرى يؤدي إلى اختلاف الانماط الثقافية، كما أن كل فرد هو وحدة لكن هذه الوحدة هي عالم متشابك من عناصر غير متجانسة من رغبات، أفكار، قيم، معتقدات، كما نجد هذه الكثرة داخل نفس الهوية الثقافية اذ نجد في ثقافة واحدة جذورا ثقافية متعددة، كالثقافة الهندية التي تحمل في طياتها عناصر ثقافية هندوسية وبوذية واسلامية…
ومن هذا المنطلق نفهم ان العالم هو مجموعة من الثقافات المختلفة بما هي نمط عام لحياة مجتمع معين وكل مجتمع له نمط حياة، حيث يعرف لنتون الثقافة قائلا – هي الشكل الذي تبدو عليه أنواع السلوك المحتسبة بحيث تكون العناصر المؤلفة قسمة متداولة في المجتمع بين افراده هذه القولة رد على من يقول بنخبوية الثقافة فجميع الافراد مثقفين وجميع الشعوب مثقفة، والاختلاف في التفاصيل الثقافية لا يبرر المفاضلة بين الثقافات، كما سعى غارودي أيضا إلى دحض فكرة المركزية الثقافية مؤكدا ان لا مبرر للمفاضلة فجميع الثقافات مبدعة وجميعها حيّة وفاعلة وان اختلفت مجالات فعلها وابداعها، فالبعض ابدع في الادب، والبعض في الفن، والبعض في العلم او الفلاحة او التقنية…كما يرفض غارودي فكرة انغلاق الثقافات على ذاتها واكتفائها بمنتجاتها فكل ثقافة بحاجة إلى اسهامات الاخرين وهو ما يقتضي الحوار والتثاقف بدل الانغلاق.
ويدحض لفي ستروس أيضا فكرة المركزية الثقافية ونقصد بالمركزية الثقافية الاعتقاد في وجود ثقافة مركز تتفوق على باقي الثقافات بحيث يمكن اعتبارها نموذجا ومعيارا يستند اليه للحكم بمدى تحضر وتثقف الشعوب الاخرى وهو موقف عنصري يعلي من حساب ثقافة على حساب الثقافات الاخرى. فلكل ثقافة خصوصيتها التي تجعلها مميزة، وما تتفرد به ثقافة ما هي مجموعة المميزات التي لا يشترك فيها أي طرف اخر، الخصوصية اذا هي الانتماء إلى تاريخ مشترك كما جملة من الطقوس والعادات والآداب والسلوك والمظاهر الاحتفالية… مما يؤسس هوية ثقافية خاصة. فكيف يجب ان تكون العلاقة بين هذه الثقافة الخاصة بغيرها من الثقافات؟
ضمن أي شروط يكون التواصل بين الثقافات إيجابيا؟ يمكن أن نتحدث عن إيتيقا التواصل بين الشعوب كالتي تحدث عنها هابرماس بين الأفراد والتي اشترط لها الوضوح والجدية والصدق. ومن خلالها يمكن ان نؤسس لإيتيقا أساسها نبذ التعصب والاقصاء وتجاوز اوهام المركزية الثقافية والوعي بأننا جميعا نلتقي فيها، في وحدة الكوني والكلي الذي يمثله الجوهر الانساني فنحن جميعا كائنات عاقلة، نحن مختلفون في الالسن لكننا نلتقي في وحدة اللغة ونحن نختلف في المعتقدات لكننا نلتقي في الدين ونحن نختلف في الاخلاق لكننا نلتقي في القيم…ولا مجال للانغلاق والتقوقع في زمن العولمة.
كيف يتنزل مفهوم العولمة ضمن هذا السياق؟ هل بوصفها فضاء للقاء والتفاعل الايجابي بين الثقافات لقاء اساسه الندية والاحترام، لقاء يسمح للجميع بالتعبير عن ذواتهم وهويتهم الثقافية ويسمح للجميع بالمساهمة في الابداع والتحاور، أم ان هذه العولمة هي مناسبة للهيمنة وفرض النموذج (النمذجة)؟ والسؤال الاهم هل احترمت العولمة خصوصية الهويات الثقافية والمحلية؟
حققت العولمة الكثير من أهدافها ولعل اهمها جعل العالم قرية صغيرة منفتحة لا حدود من خلالها بين الشعوب والثقافات، وفتح سبل التواصل على مصراعيها لتبادل الخبرات والاحتفاء بالاختلاف، لكن في المقابل توجه لها العديد من الاتهامات باعتبارها تخدم مصالح الانظمة الرأسمالية الجشعة وتسوق لثقافة النموذج الواحد الذي يسوق بدوره لصورتها كمثال يحتذى به سياسيا وإعلاميا واقتصاديا وفنيا…وانخرطت المنظومة الاعلامية بدورها في هذا النهج التسويقي فألغت التعدد والاختلاف والتنوع واصبحت تمارس سلطانا قمعيا هائلا على الافراد سواء على فكرهم او على ذوقهم وهو سلطان يصل إلى حد غسل الادمغة والتلاعب بالعقول وتخدير الشعوب، وجعل الافراد كائنات متجانسة ومتشابهة، من خلال تشابه البرامج الثقافية واستنساخها، والتحكم في عقول المثقفين،…فتطبعت شعوبنا بطبائع وسلوكات يومية جديدة بعيدة كل البعد عن عاداتنا ولبسنا قشور هذه الثقافات وتركنا اللب واصبحنا صورا مستنسخة، وهذه الظاهرة تفشت ايضا في ميدان الفنون فاصبحنا ننتج على طريقتهم، فنونا لا روح ولا صدق ولا عمق فيها لأنها تقليد بدون دراية او معرفة، هو فقط مجرد استسلام للتيار لتفادي الاتهامات بالرجعية والانغلاق، ولمجرد مواكبة لما يعرض في العالم الاخر طمعا في الاعتراف…والغينا كل بحث في الخصوصيات للخروج من خلالها بخطاب كوني للعالم.
وأصبحت تدريجيا تلك الثقافات الافريقية والعربية والامازيغية… التي الهمت بيكاسو وبول كلي وماكا وماتيس وغيرهم كثر منسية ومتروكة من أبنائها بدل التمسك بأبرز خصوصياتها والتجديد الابداعي من خلالها.
وبعد ان كان الفنانون يزورون الشرق ليسحروا بخصوصياته وينتشون برسمه هل نحن اليوم بصدد ابداع وخلق ما يثير تلك الحفيظة الجمالية لدى الاخر من جديد ؟
ما يبدعه المجتمع العربي اليوم في نسيجه الثقافي المعاصر اغلبه مستنسخ من قشور الثقافات الأخرى ولهذا هو يعجز عن خلق ما حققته ثقافاتنا المكتسبة، هو خليط هجين لا يعقل نفسه ولا يعترف حتى بها، متسترا بغطاء العولمة التي نستطيع اليوم ان نجزم انها وبرغم ما حققته من ايجابيات خانت وعود الحداثة، هذه الاخيرة التي تنبأت بعصر ذهبي للإنسانية عصر تصنعه العلوم والتقنيات وتتحقق فيه سيادة الانسان عن الطبيعة، عصر تتحقق فيه نبوءات فلاسفة الانوار كالحرية والعدالة والاخوة من خلال اقتراب الشعوب من بعضها بشكل سلمي ولكن ما حصل هو العكس تماما فطعنت هذه الانتظارات في الصميم بفعل العولمة الناتجة عن الانظمة الرأسمالية التي خلقت شكلا بشعا لها، حمل في طياته انانية وجشعا ولا اخلاقية راس المال، فتفاقم التفاوت الطبقي وانتشر الفقر الشديد والتفاوت بين الرهيب بيد الدول وهددت البيئة بتغليب المصالح الاقتصادية وشنت الحروب وهجرت الشعوب واصبح الانسان يعيش اغترابا ثقافيا فعليا فالفرد يعاني فراغا روحيا يجعله يتبع النمط السائد بدون وعي بفعل الثقافة المادية الاستهلاكية بفعل وسائل الاعلان والتواصل والاتصال…وتحول الكائن من مفكر إلى استهلاكي وكنتيجة لذلك اصبحت الثقافة الغربية مهمينة وهو ما يهدد وجود باقي الهويات الثقافية كالعربية الاسلامية والهندية واليابانية والمسيحية…ليصبح الكائن نتيجة لذلك متنصلا كليا من من أي خصوصية ومحروما من فضائلها وما تحققه من استقرار وتوازن كنتيجة لهذا الغزو الثقافي الممنهج، والذي يعمل على زعزعته ثقته بهويته الثقافية فيفقد الياته في الفهم والحكم والتقييم. وهذا اخطر ما يمكن ان يصل اليه الفرد لأنه سيفقد تفرده وخصوصيته وسيواجه الاخر أعزلا لتتحول الوحدة إلى أضداد ونقائص بدلا من ان تكون جدلية تكاملية، تقبل فيها الوحدة الانقسام إلى الكثرة والتنوع ويقبل فيها التنوع الانخراط ضمن كيان الوحدة.
ان حقيقة الوحدة الانسانية وحقيقة التنوع الانساني حقيقتان لا امكانية لإنكارهما غير ان وجودهما في الواقع ليس وجودا تنعزل فيه الواحدة عن الاخرى وتقصيها بل هو وجود يكشف عن وجود الوحدة داخل التنوع ووجود التنوع داخل الوحدة. حيث يحذر موران في هذا السياق من ان يحجب التنوع في حده الاقصى الوحدة فما بين البشر من اختلافات لا يجب ان يدفع إلى انكار صفة الانسانية عن البعض واتهامهم بما هو ليس ثقافيا.
كما يحذر في ذات السياق من ان تحجب الوحدة الصماء التنوع فعندما نركز على ما بين البشر من تشابهات وتمثلات لا يجب ان يدفعنا ذلك إلى التغافل عن التنوع والاختلاف والخصوصيات وبالتالي فلا يجب من باب الحرص على الكونية والوحدة الثقافية ان نضحي باختلافنا وتنوعنا ومظاهر تفردنا كما يحصل اليوم بالتدريج وشيئا فشيئا.
وبالتالي لا تخلو الوحدة الثقافية من فائدة، كما لا يخلو التنوع من فائدة فهما حقيقتان ملازمتان للطبيعة، وهكذا فالرغبة في سحق الوحدة والكونية تحت شعار الخصوصية والهوية او سحق الخصوصية والهوية تحت راية الوحدة والعولمة هي رغبة اثمة لأنها تستهدف القضاء على الطبيعة التي صنعت كلّ من الوحدة والتنوع، فيرى موران ان التنوع ليس عدوا للوحدة بل مؤسسا لها ولا معنى للاختلاف ما لم ينخرط ضمن الوحدة، وبالتالي يجب دحض كل النظريات التي تعلي من شأن طرف على حساب الاخر لأنها ستعسر من عملية فهم الانسان بوصفه كائن الوحدة والتنوع في ان واحد، وبوصفه كائنا مركبا يتشابك في تكوينه المحلي والوافد فاغلب الثقافات القائمة هي مزيج وتلاقح حضارات وابداعات شعوب تعاقبت على على بقعة جغرافية بعينها فلا نستطيع ان نجزم اليوم ان هناك ثقافة ما تأسست بمعزل عن ما سبقها او لم تؤثر في ما جاء بعدها، من هذا المنطلق يجب على المثقف العربي اليوم ان يقف باتزان حتى لا ينزلق إلى احدى الجهتين فيحرم من فضائل الاخرى. فلا ينغلق على نفسه فينعزل عن العالم ويحرم من فضائل الانفتاح والتواصل والتحاور كما لا ينزلق إلى متاهة العولمة بماهي شكل من اشكال الهيمنة الجديدة او ما يسمى بخلق نموذج جديد للهمينة، أي قبولها بماهي خيار انساني ينشئه الجميع بنوع من الحوار والتفاعل والاسهام الجماعي ورفضها كخيار للرأسمالية بهدف الغربنة أي جعل كل شي حتى ابسط عاداتنا اليومية وفق الرؤية الغربية والذوق الغربي وبالتالي ترويج بضائعها وتعميم الثقافة الاستهلاكية وتعميم نمط العيش الغربي كما الترويج لديمقراطيتهم كنموذج رغم ما فيها من هينات واختراقات …وادارة السوق الفنية واملاء اليات اشتغالها والتحكم في مساحتها برفض ما لا يتماشى ومخططاتها وتوجيه تعبيرات الفنان الذي ينتمي لثقافة مختلفة وفق نهجها المحدد مسبقا لخدمة النموذج.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى