الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : انتخابات الغرفة وفروعها .. رؤية من وحي استحقاقاتها الجديدة

العين .. الثالثة : انتخابات الغرفة وفروعها .. رؤية من وحي استحقاقاتها الجديدة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ما هو مستقبل غرفة تجارة وصناعة عمان وفروعها المنتشرة في كل محافظات البلاد؟ نطرح هذا التساؤل في ضوء التعديلات الجديدة التي أدخلت على نظام وآليات انتخاباتها، وفي ضوء الرؤية المستقبلية لدورها الاقتصادي والاجتماعي على الصعيدين الوطني والإقليمي، وفي ضوء الحراك الجديد الذي يفترض استيعابه مناطقيا؟ صحيح الغرفة وفروعها تشكل بمثابة نواد للأغنياء للدفاع عن مصالح التجار وتنظيمهم في بيئة تنافسية يغلب عليها الأنانية والفردانية وحب النفوذ والقوة مما يستوجب هذا التنظيم المؤسساتي حتى لا تتحول ساحاتهم إلى صراع بين الأقوياء، لا مكان فيه للضعفاء، لكنها ورغم ذلك، فقد اصبح يقع على كاهلها مسئولية اجتماعية تجاه البيئة التي تعمل بها التي منها تتكاثر ثرواتهم، من هنا لم تعد هذه النوادي منغلقة على اصحابها وإنما هي وليدة العلاقة مع بيئاتها الاجتماعية، وسوف تتعاظم هذه العلاقة سلبا أو ايجابا خلال المرحلة المقبلة، وهذا يحتم على بلادنا أن تمد جسور التواصل بين هذه النوادي وبين السلطة والمجتمع.
كما ينبغي أن نخضع التساؤل السالف الذكر كذلك إلى اعتبارات الظروف المكانية وفق اطاراتها الزمنية المتجددة التي تستوجب إحداث نقلة مناطقية كبرى توازي التحديات التي تواجه دولتنا الوطنية في إطار جغرافيتها الإقليمية التي اصبحت تشكل احد الإكراهات القوية التي تفرض نفسها ليس على دولتنا فقط، وإنما على دول الإقليم كلها، وهذا يرجعنا إلى القضية التي تناولناها في عدة مقالات قديمة، وهي أن مجتمعنا العماني ككيان معنوي وحدوي جامع وشامل يتكون من جماعات محلية داخل مناطق، لكل واحدة منها خصوصيات عن الأخرى، وقد أصبح بعض هذه الجماعات تشعر بحالة مرتفعة من الخنق الجغرافي الإقليمي، بسبب المركزية الجامدة، وحتى المرنة لم تعد الحل الآن، وكذلك حالة الغلق المناطقية على الخارج، مما يجد المكون البشري في الحالتين بأنه اسير جبال من خلفه، وبحار من أمامه، وسماوات منغلقة من فوقه، فماذا سيفعل؟ وهذا يرجعنا مرة أخرى إلى تساؤلنا السابق، فعن طريق الغرفة وفروعها يمكننا أن نلبي طموحات الجغرافيا ونحتوي جنونها، كيف؟ سبق لنا أن اشرنا في مقالنا السابق ،، التحولات في المفاهيم السياسية .. انتخابات الغرف ،،انموذجا،، اننا نرى ـ أو ينبغي أن نرى ـ في التحول الديموقراطي من تعيين إلى انتخاب رئيس الغرفة وكذلك كل اعضاء فروع الغرف في المحافظات بواسطة الانتخابات الحرة، واختيار رئيس الغرفة ورؤساء الفروع عن طريق الاقتراع السري، خطوة جديدة لن يقف التطور عندها فقط، وإنما هي مؤشر على تحول أكبر مقبل، لكن ما هو طبيعته؟ ليس عندنا هذه المرة قوة استنتاج لماهية التحول التالي، وإنما قراءة لما ينبغي أن يكون عليه التطور في ضوء المعطيات التي اوردناها سابقا خاصة تلك التي تتطلبها المحافظات الآن، وهي استقلالية الفروع وتحويلها إلى غرف تجارية وصناعية قائمة بذاتها على ان تضيف إلى تسميتها كذلك الزراعة والثروة السمكية (مقترح سابق) بحيث تكون الغرق بثلاثية التسمية وهي التجارة والصناعة والثروة السمكية، لتعبر عن تمثيل فعلي للشركاء داخل نادي الأغنياء، كما أن ذلك سوف يكسر حدية المفهوم الثنائي بصفته الفوقية ،، الغنى ،، ويعطيه تمثيلا قطاعيا أكثر من مسماه الذي تعبر عن مفردتي،، التجارة والصناعة ،، على ان تحتوي الغرف اتحادا عاما يجمع كل الغرف تحت لوائه، ويربط الغرف بمظلة من السياسات والاستراتيجيات الوطنية التي تجعل من كل الغرف تعمل في إطار وحدة القانون ووحدة السلطة ووحدة الأهداف الوطنية رغم حريتها النسبية في إقامة علاقات خارجية بما ينعكس على كل المحافظة خاصة والوطن عامة بفوائد تنافسية متعددة حسب الأهمية الاقتصادية النسبية بما فيها السياحية لكل محافظة، فكل محافظة لها بعد جغرافي اقليمي ما ينبغي أن تنفتح عليه مباشرة، استغلالا للميزات الاقتصادية لهذا البعد الإقليمي، بدلا من المركزية الإدارية والجغرافية اللتان تحتكران الوقت والمساحة الثقيلة، وهذان العاملان الأخيران هما أساس نجاح الاقتصاد الخاص والعام في آن واحد، فمثلا، هل المركزية والتبعية يخدمان الاقتصادات المحلية لمحافظتي ظفار ومسندم؟ هما تبعية ومركزية جامدتين جدا ولم تعدان في مستوى الاستحقاقات الوطنية ببناها الفوقية (الوعي) والتحتية (مصالح المحافظات) فكيف سوف تقبل تلك البنى مثلا بإرسال عوائد الفروع الغرفة السنوية إلى الغرفة ،، الام ،، مقابل ان يعاد لها من اموالها أقل من النصف بكثير؟ و(يقال) إن فرع غرفة تجارة وصناعة عمان في صلالة يرسل سنويًّا (400) ويعاد له (60) الفا، كيف ذلك؟ هذه الوضعية لم تعد مقبولة، والاستمرار فيها كمن يحرص على قتل التطور المأمول، وهو الاستقلالية التي تناسب تلك البني الفوقية والتحتية، وهذا سيعطي لانتخابات الغرف في كل محافظة ولانتخابات الاتحاد العام اقبالا كبيرا من قبل النخب الاقتصادية والمالية المرموقة لوجود الاستقلالية والامكانية المتاحة للعمل الوطني والإقليمي الحر، وهو ليس حرا بالمعنى التقني للمفردة، وإنما هو مقيد بأطر وقوانين الدولة الوطنية، ومن هذا التحول سوف تبرز للسطح نخب اقتصادية عديدة، وسيكون أمامنا عدة خيارات للاختيار منه الأفضل قدرة وكفاءة ومرونة للعمل الوطني العام بعد أن يكون قد صنعتهم مطابخ الغرف والاتحاد العام، وبعد أن يكون قد كسب صدقيته ومصداقيته على ترابه المحلي أولا ومن ثم الوطني ثانيا، بدلا من أن نترك لعمليات،، شراء الأصوات،، تبعد النخب الاقتصادية عن الانتخابات، ويظل تطور مجتمعاتنا المأمول معطلا في مرحلة استثنائية لا تزال تمر بها المنطقة، وبالتالي تتطلب أي مجتمعاتنا تطورات تكون في مستواها حتى يكون هناك نسبة وتناسب بين الفعل الخارجي مع الفعل الداخلي.
ومن تلكم الحيثيات الاستثنائية، الداخلية والإقليمية، فإننا نرى من الأهمية أن تتقدم تجربة نوادي الأغنياء في بلادنا إلى تلك الخطوات المهمة، وهي الانتقال إلى تجربة الغرف المستقلة تحت مظلة الاتحاد العام، ليس هذا فقط، وإنما كذلك أن يكون لكل رئيس غرفة وضع سياسي محلي معتبرا، كأن يكون الرجل الثاني بروتوكوليا في كل محافظة بعد الوزير مباشرة على عكس وضعه حاليًّا الذي نجد وضعه مفقودا في التهميش والتجاهل على عكس سابقا، والهدف من هذه التحولات هي تفعيل ادوار الفاعلين الاقتصاديين داخل مجتمعاتهم المحلية أولا ومن ثم انطلاقهم للوطنية ثانيا من رحم ما يكتسبوه من صدقية ومصداقية اقتصادية واجتماعية محلية، كما أن هذه الخطوات الجديدة سوف تحفز اصحاب الشركات الوطنية،، الحقيقية،، على دخول معترك الانتخابات لوجود محفزات ودوافع عامة وخاصة تجذبهم وتفجر غرورهم في المال والسلطة.

إلى الأعلى