الخميس 16 أغسطس 2018 م - ٥ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الشرق الأوسط بين النفوذ الإيراني والهيمنة التركية

مستقبل الشرق الأوسط بين النفوذ الإيراني والهيمنة التركية

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. من الواضح ان كل من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا تدركان تمام الإدراك تلك المساحة المكتسبة من القوة والسلطة والنفوذ التي تملكهما كل من تركيا وايران في منطقة الشرق الأوسط , بالرغم مما يبرز بين الحين والآخر من سلوكيات وتصرفات سياسية. يغلب عليها حالات الصدام وما يشاهد من سيناريوهات الضغط والعقوبات ومحاولات احتواء الولايات المتحدة للجمهورية الإيرانية عبر تضييق الخناق عليها.”
ــــــــــــــــــــ
ادى استمرار تراجع النفوذ الاميركي “أحادي القطب” في منطقة الشرق الاوسط في الفترة (2001م – 2018م ) من جهة. وانشغال الروس بحماية ما تبقى لهم من مناطق النفوذ والسلطة والمصالح الاستراتيجية الرئيسية في هذه البقعة من العالم من جهة اخرى. خصوصا في سوريا (2013- 2018). إلى اتساع مساحة الفراغ الجيوسياسي المركزي. الأمر الذي مهد بدوره, إلى محاولات واضحة وصريحة للعديد من القوى القارية وتلك الإقليمية بمختلف احجامها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية للنفاذ عبر تلك الفراغات والقنوات المتكونة للقوة والسلطة والهيمنة. من خلال اشكال ووسائل مختلفة بهدف ملء ذلك الفراغ. سواء كان ذلك عبر تحرك احادي , او عبر تفاهمات او تحالفات سياسية او عسكرية اقليمية او دولية.
وفي العادة تحصل هذه التطورات (حينما تحدث تغيرات كبيرة في خارطة القوى على الساحة الدولية, وعلى الأغلب عندما تنهار امبراطورية كبيرة – او يبدأ نفوذها بالتراجع – فتجلب معها موجة من الفوضى وعدم الاستقرار إلى المناطق المحيطة بها – بنفوذها- وتستمر هذه الاضطرابات لسنين عديدة )( ). وهو ما حدث ويحدث بالفعل مع تراجع مساحات نفوذ وهيمنة الولايات المتحدة الاميركية على رقعة الشطرنج العالمية. الأمر نفسه الذي حدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وادى إلى بروز الولايات المتحدة الاميركية كقوة مركزية حينها. حيث يؤكد بريجنسكي قائلا: (صير انهيار الاتحاد السوفيتي قلب ارض اوراسيا فراغا سياسيا )( ).
على ضوء ذلك برزت بعض من القوى القارية والاقليمية التي استغلت ذلك الوضع أو التراجع أو الضعف في مناطق نفوذ تلك القوى الدولية الكبرى. كان على رأسها كل من ايران وتركيا. صحيح ان كل منهما كان له نفوذ وحضور جيوسياسي لا يستهان به في هذه المنطقة الجغرافية من العالم منذ عقود طويلة. الا ان ذلك لم يكن بهذا الاتساع والقوة والتدخل المباشر والصريح وفي مناطق كانت تدور ولسنوات طويلة في فلك كل من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا كما هو الحال في العراق وسوريا وبعض دول شبه الجزيرة العربية وشمال افريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى.
بناء على ذلك، يتضح ان هناك العديد من العوامل الحاضرة بكل بقوة في استراتيجيات وعقائد الصراع بين القوى المتنافسة على ملء الفراغ الجيوسياسي سالف الذكر, والتي رفعت من سقف اهمية هذه البقعة الجغرافية من العالم, وبدورها ستدفع حقوق التنافس إلى مرحلة من الخطورة والتأزيم بينها خلال الفترة الزمنية القادمة – العقد الثالث من القرن 21- يقع على رأس تلك العوامل منابع النفط, والموقع الجغرافي للشرق الأوسط في قلب العالم القديم والذي يعتبر قلب الهيمنة الجيواستراتيجية والنفوذ الاقتصادي الدولي , وهو في ذات الوقت بات البطن الرخو في النظام العالمي المتشكل . نظام التعددية القطبية الفضفاضة .
يضاف إلى ذلك ان كلا من تركيا وايران تدركان تمام الإدراك ان استمرار سيطرة تلك القوى الكبرى على الشرق الأوسط خلال العقد الثالث من القرن 21 , خصوصا انه عقد يتجه اكثر فأكثر نحو نظام حكم الكثرة أو التعددية القطبية الفضفاضة. سيؤثر في مساحات النفوذ والمصالح الجيوسياسية الخاصة بهما في الشرق الأوسط تحديدا. في وقت اصبح فيه التحرك نحو الأمام ضرورة حتمية لا بد منها للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية من جهة, ولخلق مناطق يمكن ان تشكل لها بعض الأمان الاستراتيجي ولو بشكل مؤقت من جهة اخرى. حتى وان كان ذلك يعني تعاونهما المباشر والصريح في قضايا الشرق الأوسط. وبالطبع فإن ذلك لا يعني غياب الخلافات بين الجارين اللدودين، وآخر دليل اندلاع معارك بين أنصار الجانبين من الأكراد في سنجار على الحدود السورية-العراقية. لكن مسارات النزاع وأبعادها الدولية تدفع الطرفين إلى الحذر حتى لا يتحول التجاذب على صفيح الشرق الأوسط إلى ما لا يخدم مصالحهما). ( )
وتعتبر تركيا وايران محاور جيوبوليتيكية مهمة في منطقة الشرق الاوسط, حيث تملك تركيا القوة العسكرية والبشرية والتقدم التكنولوجي والقوة الاقتصادية والرغبة الواضحة في النفاذ القاري إلى مساحات النفوذ والسلطة والقوة في اوقات الفراغ الجيوسياسي. في المقابل تمتلك ايران القوة العسكرية والبشرية والمساحة الجغرافية رغم الضعف الاقتصادي. وهي بالفعل حاضرة بكل قوة في كل من العراق وسوريا ومنطقة الخليج العربي على سبيل المثال لا الحصر. بحيث يمكن التأكيد على ان كلا منهما سيناضل من اجل المحافظة على ما حققه من اوراق رابحة سواء كان ذلك على المستوى السياسي أو الأمني أو عبر توسع دائرة المصالح الجيوسياسية والتحالفات الجيواستراتيجية في الشرق الأوسط. وستندفعان اكثر فأكثر نحو شراكات ثنائية مع بعضهما البعض أو ثلاثية مع روسيا. مع مراعاة اتفاقيات الشراكة والتعاون مع العديد من الدول في مناطق التأثير السياسي والاستراتيجي “الدول المحورية”.
ومن الواضح ان كلا من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا تدركان تمام الإدراك تلك المساحة المكتسبة من القوة والسلطة والنفوذ التي تملكهما كل من تركيا وايران في منطقة الشرق الأوسط, بالرغم مما يبرز بين الحين والآخر من سلوكيات وتصرفات سياسية. يغلب عليها حالات الصدام وما يشاهد من سيناريوهات الضغط والعقوبات ومحاولات احتواء الولايات المتحدة للجمهورية الإيرانية عبر تضييق الخناق عليها. وكذلك بالنسبة لتركيا في اوربا او في بعض مناطق نفوذها من خلال نفس السياق والضغوط ومساعي الاستبعاد.
الا ان ذلك لا يمكن ان يخفي مساحات الالتقاء والتفاهمات سواء ما كان منها مرئيا للجميع. أو خفيا في قضايا ومصالح اخرى بين كل من الولايات المتحدة الاميركية من جهة , وتركيا وايران من جهة اخرى. لذلك يقول بريجنسكي من انه ولأجل (تنمية الاستقرار والاستقلال جنوب القفقاس واسيا الوسطى – وفي الشرق الأوسط على وجه التحديد – ينبغي على اميركا , ان تحذر استبعاد تركيا , كما ان عليها ان تستطلع امكانيات تحسين العلاقة الاميركية الايرانية ). ( )
اما بالنسبة لروسيا فيلاحظ اختلاف واضح في نظرية التعامل والاحتواء لكل من تركيا وايران, فهي فضلت التعاون المباشر وتقاسم الهيمنة كبديل للصدام والتفرد المركزي, وهي بذلك ستكسب من جهة حلفاء لهم من القوة النفوذ الكثير في منطقة الشرق الأوسط, وشركاء في نظرية احتواء القوة الاميركية وحلفائها في ذات المنطقة من جهة اخرى. على اعتبار ان ذلك هو الاختيار الجيواستراتيجي الأنسب امامها في ظل الظروف والمتغيرات الدولية الراهنة . وهو ما حصل بالفعل في سوريا والعراق على سبيل المثال لا الحصر. حيث وجدت في التعاون الثلاثي بديلا للصدام والمنافسة رغم وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر حيال بعض القضايا السياسية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك.
ونستنتج مما تقدم (ان روسيا في سعيها نحو المنطقة العربية – ولا سيما منطقة الخليج- قد ابتعدت عن الاسلوب الايديولوجي الذي كان الاتحاد السوفيتي السابق ملتزم به, وهو ما يعني ان تغيرا واضحا وبدرجة كبيرة طرا على السياسة الروسية منذ انتهاء الحرب الباردة يقوم على معيار المصلحة … فروسيا تحاول خلق علاقات متوازنة مع جميع الاطراف في منطقة الخليج سواء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية او العراق او ايران )( )وكذلك الحال مع القوة التركية التي لا شك ان الروس يدركون تمام الادراك مكانتها الاستراتيجية ومدى نفوذها وقوتها على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية. وقد شهد العام 2017 تقاربا كبيرا بين تركيا ورسيا نتج عنه اكثر من 5 لقاءات على مستوى الرؤساء, والتوقيع على اتفاق لتوريد منظومة إس 400 الصاروخية الروسية لتركيا وتأسيس صندوق استثماري مشترك واتفاقية مع تركيا بشأن خط أنابيب الغاز “التيار التركي”، وكذلك تم مباشرة أعمال بناء محطة الطاقة النووية في منطقة أكويو بولاية مرسين الواقعة على البحر الأبيض المتوسط.
على ضوء ذلك وكما يؤكد زبغينيو بريجنسكي من ان مستقبل الشرق الاوسط واسيا الوسطى (يمكن ان يصاغ في نهاية المطاف نتيجة لظروف اكثر تعقيدا. وسيتوقف فيها مصير دولها – وكذلك مستقبل الاستقرار والأمن – على التفاعل المركب للمصالح الروسية والتركية والايرانية والاميركية )( ). وهو ما يؤكده في نفس السياق دافيد بتاشفيلي المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الجورجي. ففي مقال نشرته صحيفة جيروزاليم بوست قال: (بأنه ما لم ينته الأمر بإيران بحرب كارثية مع الولايات المتحدة فستبقى إيران وتركيا أبرز قوتين إقليميتين في المستقبل المنظور، وسيحدد الصراع والتنافس بينهما التطورات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط )( ).

إلى الأعلى