الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التعاطف مع الإخوان

التعاطف مع الإخوان

” .. رغم ان هناك قاعدة معقولة في الريف المصري ما زالت ترى في الإخوان ضحية لكل القوى الأخرى ـ التي برأيهم لا تريد للدين أن يسود في الحياة والمجتمع ـ فإن تلك القاعدة بدأت في الاهتزاز ولم تعد بالقوة والصلابة السابقة. والغالب بين هؤلاء هو استهلاكهم لشعارات وادعاءات تلفيقية يروجها الإخوان ووسائل الإعلام النافذة المؤيدة لهم،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك ملاحظة أساسية على ما يجري في مصر الآن ربما لا يلتفت إليها كثيرون لأنها تبدو عادية، مع انها ذات دلالة واهمية تتجاوز تحليلات وحسابات السياسة الحالية في مصر خلال الفترة الانتقالية لما بعد حكم الاخوان. ورغم ان هناك تفسيرات وتعليقات جاهزة تقريبا على تلك الملاحظة، إلا ان هناك جانبا مهما لا ينظر إليه بشكل حيادي يبرز اهمية الملاحظة ودلالتها اكثر. اما الملاحظة فهي تراجع التعاطف مع الإخوان في الشارع المصري بشكل ملحوظ ولا يتسق مع النمط التقليدي المعروف بسبب طيبة المصريين وتدينهم ما يجعلهم ينخدعون بسهولة في اي شخص او جماعة ترفع راية الدين.
ورغم ان هناك قاعدة معقولة في الريف المصري ما زالت ترى في الإخوان ضحية لكل القوى الأخرى ـ التي برأيهم لا تريد للدين أن يسود في الحياة والمجتمع ـ فإن تلك القاعدة بدأت في الاهتزاز ولم تعد بالقوة والصلابة السابقة. والغالب بين هؤلاء هو استهلاكهم لشعارات وادعاءات تلفيقية يروجها الإخوان ووسائل الإعلام النافذة المؤيدة لهم، والتي من شدة فجاجة كذبها في الآونة الأخيرة جعلت قطاعات من تلك القاعدة الريفية المتعاطفة تفكر فيما تتلقى وعلى الأقل يفتر تعاطفها مع الإخوان. ثم إن الفترة القصيرة التي قضاها الإخوان في الحكم، ورغم أنهم لم يتمكنوا خلالها من تنفيذ اجندتهم إلا أن بوادر أفعالهم بتسريح الناس من مؤسسات الحكم المحلي في المدن والقرى وإحلال عناصر إخوانية أو انتهازية مرتبطة بالإخوان محلهم جعلت البعض يرون في الإخوان بديلا مماثلا للحزب الحاكم في زمن مبارك ومن قبله.
أما في المدن وبين أوساط المتعلمين وأهل الحضر عموما، فربما يرى البعض أن تراجع التعاطف مع الإخوان يعود إلى ممارساتهم الاقصائية خلال فترة حكمهم إضافة إلى لجوئهم للعنف ما بعد الـ 30 من يونيو العام الماضي. كذلك هناك من يرى في الإخوان أنهم أعداء للديموقراطية بالأساس وانما يستخدمونها فقط للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها. وتلك حسابات السياسة، في الأغلب لمن هم خارج دائرة المنفعة مع الإخوان ـ بما في ذلك حتى فصائل إسلام سياسي أخرى تعامل معها الإخوان بذات النهج الاقصائي. ثم هناك قطاع واسع من المصريين المعروفين بأنهم “منسحبون” من الحياة العامة بشكل أو بآخر، وهؤلاء لا يتعاطفون مع الإخوان الآن لأنهم بمظاهراتهم واحتجاجاتهم ـ حتى على صغر حجمها ـ يعطلون مظاهر الحياة العادية في المدن.
كل ما سبق صحيح بدرجة أو بأخرى، لكن الملاحظة التي قصدنا الحديث عنها منذ البداية هي تراجع تعاطف الناس مع الإخوان (كفصيل سياسي أو حتى كجماعة من الناس في المجتمع) حين يقع عليهم بطش من السلطة وتغول من الأمن. فالشرطة بدأت التعامل بشدة مع مظاهرات واحتجاجات الإخوان وأنصارهم، والمتهمين منهم في قضايا مؤخرا ينالون أحكاما بالسجن لا تلقى إلا تغطية سريعة من الإعلام وشبه لا مبالاة من بقية المصريين غير الإخوان ومواليهم. ولم يكن ذلك ابدا شأن المصريين عامة، إذ إنهم دوما يعتبرون من هم خارج السلطة ضحايا حتى لو كانوا يستحقون العقاب. والأهم في الملاحظة أن كثيرا من المصريين يتعاملون بلا مبالاة مع هذه الشدة من السلطة تجاه الإخوان، وإن لكان لأسباب مختلفة ـ تكاد تتقاطع مع اسباب تراجع التعاطف مع الإخوان عامة.
هناك بالطبع من هم مع السلطة، أيا كانت، باعتبارها تعبيرا عن تماسك الدولة التي اراد الاخوان تفكيكها. وهؤلاء لا يتعاطفون مع أي ضحية للسلطة، إخوانا كانوا أم غيرهم. وهناك من يتخذون من الإخوان موقفا متشددا، بغض النظر عمن كان الطرف الآخر في اي صراع معهم، وبالتالي هم يتعاملون بطريقة تمني أن يقضي الأمن على الإخوان. ثم يأتي من هم في الوسط من كل شيء، وهؤلاء قد لا يتعاطفون مع الإخوان لكنهم لا يقبلون ببطش السلطة وتغول الأمن ـ لكنهم في النهاية لا يعبرون عن مشاعرهم خشية أن تبدو مواقفهم أقرب لدعم الإخوان. ويبقى فصيل، وإن بدا صغيرا لكنه مؤثر، ممن يعارضون الإخوان بوضوح لكنهم يعارضون ايضا بطش السلطة. ورغم التشويش الإعلامي على هؤلاء بأنهم يدعمون الإخوان بالتقاطع، إلا أنهم يصرون على موقفهم والذي يكلفهم أن يقعوا ايضا ضحية لتغول السلطة وربما بطش الأمن. هذا الفصيل وإن لم يتعاطف مع الإخوان كإخوان، إلا أنه بالتأكيد متعاطف مع اي ضحية لقمع السلطة معتبرا أنه سيكون التالي كضحية إن لم يتصد لذلك البطش.
المشكلة الحقيقية أن الإخوان لا يساعدون أيا من تلك الفصائل التي قد تتقاطع معهم في موقفها من بطش السلطة، ذلك لأنهم أولا ما كانوا يبدون أي تعاطف مع هؤلاء يوم كانت السلطة (والإخوان متحالفون أو متقاطعون معها) تبطش بهم. ثانيا، لأن الإخوان في ظل حصارهم الشعبي الحالي لا يأمنون إلا من والأهم تماما، ولو بانتهازية، وذلك الفصيل المشار إليه لا يوالي الإخوان. ثالثا، وهو الأهم، أن مقولات “ركوب الإخوان للثورة” بدأت تلقى قبولا في أذهان كثيرين، ما يجعل كل فصائل وفئات المصريين تتوخى الحذر الشديد حتى في التقاطع معهم. وخلاصة القول إن الإخوان، بإقصائيتهم وعنفهم وانتهازيتهم و(…) و(…) إنما ينفرون حتى من يمكن أن يعتبر موقفه متعاطفا مع محنتهم وإن لم يتفق معهم سياسيا. وهكذا سلط الله عليهم عقولهم ونفسيتهم فساهموا في تراجع التعاطف معهم إلى أمد طويل.

د, أيمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى