الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. وعي الرحمة!

رحاب .. وعي الرحمة!

ماذا يمكننا أن نستفيد من شهر الصيام على صعيد الرحمة؟ إلى أي درجة نحن رحماء فيما بيننا؟ إلى أي درجة نحن رحماء فيما بيننا وبين الآخر؟ وإذا كنا فعلا مسلمين ونُجسدّ رسالة الرحمة التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم للعالمين؛ فلماذا صار بعض المسلمين يبارزون مخالفيهم من المسلمين ومن غير المسلمين بالحقد والكراهية التي قد تتطرف إلى التصفية الجسدية؟ لماذا ندعو على المخالفين بالهلاك والدمار والويل والثبور؟
كان هذا موضوع خاطرة قصيرة ألقاها أحد الوعاظ خلال فترة الاستراحة بين ركعات صلاة القيام منذ يومين. طرح جديد غير مألوف بين أئمة المساجد الذين اعتاد بعضهم أن يسفهوا آراء المخالفين ويغلبوا روح التشدد وإصدار الأحكام على الآخرين وتصنيف الناس بين مؤمن وملحد، وبين تقي وفاسق، وبين سني ومبتدع، وفي خضم هذا التصنيف تتوارى قيمة الرحمة التي من أجلها أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين.
لقد استرسل ذلك الشاب وبلغة سهلة يحث المصلين أن يدربوا أنفسهم خلال هذا الموسم على التخلق بالرحمة والانشغال بتربية الذات وتهذيب النفس واستكمال فضائلها بدلا من الانشغال بسفاسف الأمور التي جرت على العالم مصائب وآلام ووضعت الإسلام والمسلمين في قفص الاتهام.
تمنيت أن يكون هذا الوعي شائعا بين المتحمسين من أبنائنا الشباب الذين استبدلوا جوهر الدين بمظاهر التشدد ومحاكاة بعض المتعصبين الذين يتبنون الوعيد والتهديد والتحذير كما لو كانت مفاتيح الجنة في أيديهم، وكأنهم يمتلكون تأشيرة السماح لبعض الناس بدخول الجنة وحرمان البعض الآخر.
إن المسلمين أحوج ما يكونون في هذه الأيام إلى تعظيم خلق الرحمة والمحبة والرأفة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتحرى أسباب التوافق بينه وبين الآخرين سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين. إن ترك المساجد والمنابر للوعاظ غير المؤهلين الذين يعتمدون على استظهار النصوص المستوردة والفتاوي المعلبة التي تتعارض مع روح العصر ومع مقاصد الإسلام ويبحثون عن نصوص التكفير ويظهرون الغرور الديني يمكن أن يجر على المجتمع طاقات سلبية كالكراهية والحقد وسوء الظن بالآخرين.
هنا تذكرت سؤالا طرحه ذات يوم أستاذ على طلابه في كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس في عام 2001، حيث سألهم سؤالا جريئا قائلا: من منكم يتمنى أن يدخل بوش (الرئيس الأمريكي السابق) الجنة؟، فما كان من أغلب طلابه إلا أن أجابوا بالنفي! فعلق على إجابتهم بالنفي قائلا: ألا تعلمون أن الله بعث محمدا رحمة للعالمين؟ ألا تتذكرون أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عفى عن حبشي قاتل حمزة وسامح هند بنت عتبة التي مضغت كبد أحب الناس إليه وقبل منها إسلامها؟! صمت الطلاب ولم يعلقوا.
إن مدرسة التشدد التي فرخّت كتائب القتل والدمار والتكفير تتطلب من الدعاة والوعاظ المستنيرين أن يظهروا الدين بصورته المشرقة ليس من خلال الأقوال فحسب؛ ولكن من خلال المعاملة والتراحم والمحبة والتسامح، وتجنب إصدار صكوك التكفير أو صكوك الغفران على المخالفين.
أتمنى أن يصمم القائمون على المساجد والجوامع ومجالات الوعظ والإرشاد بالسلطنة برامج تدريبية تركز على تأهيل الوعاظ وتعزيز الوعي الديني لديهم وترتقي بقيم الرحمة وتقبل الآخر وحسن الظن بالناس والانشغال تطوير وعي الرحمة؛ حتى ينعكس ذلك في وعظهم القولي والفعلي.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى