السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عبد الناصر بعد قرن من الزمن

عبد الناصر بعد قرن من الزمن

كاظم الموسوي

” لماذا نتذكره اليوم ولماذا نحتفل بميلاده ولماذا نقف أمامه هو بالذات؟، وهل يكفي أن نضع باقة ورد على قبره،؟، وكيف نستخلص منه فعلا ما كتبه عن قصة الثورة؟. أسئلة تتحدث أجوبتها عنه زعيما، أثبت صدقه ودوره ومواقفه واختياره، وهي كافية لتقول لنا اليوم، بعد قرن على ميلاده، وأقل من نصفه على رحيله، الجواب الواضح للحاجة والافتقاد، وفي كل الأحوال، لمثال جمال عبد الناصر حسين.. ”

ولد الرئيس جمال عبد الناصر حسين في 1918/1/15 وتوفي في 1970/9/28 في بلاده مصر. قاد ثورة تموز/ يوليو 1952 وتحول إثرها وبعدها من السنوات إلى رمز عربي لحركة التحرر الوطني، شارك أمثاله في بلدان أخرى، من آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية، وأنجز ما أنجز وأخطأ في ما أخطأ، كما هو غيره. لكن اختلافه كان ومازال أنه بالرغم من كل ما له وعليه بقي في قلوب الناس، وفي عقول المؤيدين وحتى الخصوم، في سجلات التاريخ، ليس كغيره. وهذا هو الفرق بينه ومع غيره.
ولد قبل قرن وعاش أكثر من نصف قرن، وذُكره قائم حتى اليوم. ما ينشر له في السنوات الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي من صور وفيديوهات عن أيامه في الحكم، وخطبه، يسترجع المرء فيها تاريخا معاصرا للعرب، وصورة لأيام كتبت للعرب، بكل ما حصل وحدث وجرى، نتذكرها بحزن ونستعيدها بشوق ونتألم لمرورها كما كانت ودون أن نحقق ما كان عبد الناصر يحلم به وبها، وتحلم الجماهير مثله. في قراراته وتحالفاته، في مواقفه واجتهاداته، في عزمه وإرادته، كان ومازال مثالا ونموذجا عربيا في المشهد السياسي العربي والإسلامي والإنساني. صوته وصورته وإشارات رأسه وحركات ساعده في خطبه ولقاءاته مع الجماهير، الفقراء والجنود والعمال والفلاحين والمثقفين الثوريين. والتي ردت له محبتها في رفض استقالته وفي توديعه الأخير، حيث كانت الجماهير العربية ليست في مصر وحدها، وهذا ما يسجل لاسمه ودوره وتاريخه.
عبّر عن آمال وأحلام وتطلعات وحاول في نهج وتوجهات ومسارات. بقي اسمه وفعله وأثره واندثر خصمه وعدوه وكارهه، في التذكر والاستشهاد والدلالة. المآثر أمجاد والخطايا سجال، في غضب الشارع أو في تظاهر الجماهير أو في صرخة الغلابة أو في دموع الرجال. وفى لعهده وأخلص بجهده رغم كل ما يمكن انتقاده أو تسجيل نقاط على أعماله. الزعماء الخالدون باسمائهم وفي ما حفلت به صفحات تاريخهم وأفعالهم .. ليس عبثا أن اسمه، جمال عبد الناصر، صار عنوانا عربيا للتحرر والثورة، وبات غصة موجعة في خطط الأعداء وسهما مرا في مشاريع الدول الاستعمارية واتباعها المهزومين. لقد عملت هذه القوى الإمبريالية وأذيالها على وأد الأمل فيه، وسعوا إلى قطع الحلم ووقف الشعور بالقدرة العربية والإرادة الشعبية والخيار الوطني القومي والتطلع الإنساني. ورغم كل ذلك أو بسببه تمكن من الإنجاز والبقاء.
مسلسل حروبها، من عدوان إلى آخر، وما سبقه وما لحقه، من التآمر والغدر، من التواطؤ والخديعة، تمكنت في بعضها وحققت بعض ما رغبت وخططت إلا أن جمال عبد الناصر وشعبه وجماهير أمته لم يرضخوا، ولم ييأسوا. نجحت تلك القوى في بعض ما أرادت وفشلت في تغيير المسيرة وصواب الاتجاه.
في سنوات عمره الأخيرة، هو وغيره، اهتدوا إلى صحوة في الخيارات وإلى وجهة في المنهج، وحاولوا استعادة المبادرة والبناء على قوة الشعب ووحدته الوطنية وسلامة التحالفات المحلية والإقليمية والدولية، وأن العدوان لن يمر، والاحتلال لن يبقى، وأن عزيمة الشعب لن تهزم.
قرن مضى على ميلاده، قرن من السنوات، فيه أنجزت ثورات وتواصلت خيارات، واستمرت تطلعات أرادها أن تكون، وفعل ما استطاع أن يتحقق، ويُظهر للناس فيه السبيل والغد .. في الحركات الشعبية التي اجتاحت أقطارا عربية مؤخرا رفعت صورته، وترددت كلمات له فيها، وهذا وحده أحسن دليل على أن جمال عبد الناصر، يظل اسما ومعنى ودلالة وشاهدا وقدوة .. بعد عقود من زمن غيابه وهكذا يستعاد وهجه لدى الأجيال الجديدة التي لم تعش زمنه وتتذكره، شامخا رافعا رأسه العربي إلى سماوات النصر واسترداد الحقوق، باللاءات والهامات التي لم تنحن ولن تتراجع.
من ينكر صرخته للاستقلال والتحرر؟، من يغفل بناء السد العالي، وتأميم قناة السويس؟، ومكانه في حركة عدم الانحياز، والإصلاح الزراعي، المصانع والجامعات والجيش وتمكين المرأة، من وقفته التاريخية في الاعتراف بالمسؤولية عن الهزيمة وما سبّب لها؟، ولا تنسى السجون والمعتقلات، والتعذيب وقمع الحريات!، ولكنها كلها صفحات في سجلات التاريخ، في التوافق والاختلاف، في الحساب والرصيد، في الواقع والممكن، في الظروف والمتغيرات، في عوامل لا تعد ولا تحصى، في القرار والإثار، في العظمة والهفوات، والمجد والانتكاسات، وفي ميزان العدل والغفران … لابد من استعادتها ومراجعتها وقراءتها في إطارها وضمن حسابات التدخلات والخسارات وبعض النجاحات للأعداء في التشويه والتخريب، في زمن تحولات ومنعطفات، نرى نتائجها ونعيش بعض تداعياتها.
جمال عبد الناصر بعد قرن من الزمن، من ميلاده، وبعد قرن آخر لأجيال عربية جديدة، ولكل من يدرس التاريخ ويعتبر منه، ذكرى قائد عربي وباب مفتوح للارادة العربية وأثره في الإقليم والعالم. ليس هينا أن يكون اسمه رديفا لأمة وشعارا عبر آفاق المعمورة لكل حركات تحرر وتغيير ومطالبات بالاستقلال والانتصار.
لماذا نتذكره اليوم ولماذا نحتفل بميلاده ولماذا نقف أمامه هو بالذات؟، وهل يكفي أن نضع باقة ورد على قبره،؟، وكيف نستخلص منه فعلا ما كتبه عن قصة الثورة؟. اسئلة تتحدث أجوبتها عنه زعيما، اثبت صدقه ودوره ومواقفه واختياره، وهي كافية لتقول لنا اليوم، بعد قرن على ميلاده، واقل من نصفه على رحيله، الجواب الواضح للحاجة والافتقاد، وفي كل الأحوال، لمثال جمال عبد الناصر حسين..

إلى الأعلى