الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عنصريون ضد أنفسنا

عنصريون ضد أنفسنا

ابراهيم بدوي

” إن أبرز المعضلات التي تواجهنا في الوطن العربي، هي العنصرية التي زرعت بيننا في غفلة من التنافسية الفارغة من المضمون على زعامة لا تملك مقومات الزعامة، صراع بدأ يتولد ويزيد ويزيد، يغذي بداخلنا الطائفية البغيضة، وينمي جحود ضد أقليات لم نشعر يوما بأنهم خارج مكونات مجتمعاتنا، ونسمع لأصوات تسعى إلى إشاعة الفرقة فيما بيننا،”

أضحت العنصرية أحد أهم سمات المجتمع الإنساني في العصر الحديث، فالمتابع للجنون العالمي المتصاعد، يجد أن الصراع الحالي أو الصراعات الملتهبة حول العالم، أصبحت عنصرية بامتياز، سواء كان أحد هذه الصراعات يتخفى خلف ستائر دينية، أو يرفع شعارات شعبوية قومية، أو حتى ينطلق من إبعاد عرقية اثنية، فمهما كانت الذريعة فالعنصرية حاضرة بشكل فاق ما كان يحدث في العصور الوسطى حتى، وأضحى الانتماء هو المحدد الرئيسي لنظرتنا الإنسانية للأشياء، فالقتل هنا فاجعة لأنها تمس انتماءاتي، وهناك مقبول أو على الأقل مبرر لأنه يستهدف أعدائي، فالأعراف والقيم الإنسانية أضحت رهانا للمصالح والانتماءات، وكأن العالم في طريقه للعودة إلى الخلف، حيث قانون الغاب هو القانون الوحيد المتعارف عليه، وأن القوة هي وحدها من تحدد أخلاقيات الصراع.
فعلى رأس أكبر دولة يعرفها العالم حاليا يوجد رئيس يتحدث عن مواطني بعض الدول ويصفهم بالحثالة، ولعل هذا ليس هو المستغرب، فالجميع يعي ويعرف أن هذا الرئيس قد جاء بأصوات اليمين المتطرف بالأساس، وأن اللوبي الصهيوني والمتطرفين البيض هم أبرز حلفائه، لكن المستغرب أن يؤكد ترامب أنه ليس بعنصري، فقد رد على سؤال أحد الصحفيين في فلوريدا عما إذا كان عنصريا بعدما أفادت تقارير بأنه قال إن المهاجرين من هايتي وإفريقيا “من دول حثالة” خلال اجتماع مع مشرعين “لا. أنا لست عنصريا. أنا أقل شخص عنصري قابلته على الإطلاق” والأغرب أننا نجد من بين بني جلدتنا من يبرر تصرفات هذا الرئيس، حتى وإن استهدفت بوضوح وجودنا.
نعم فحديث الرئيس الأميركي الدائم عن حق الأميركان في الأموال الخليجية العربية، وتأكيده أكثر من مرة أن الأميركان دفعوا الكثير للعديد من الدول، دون رد مباشر، وإشارته إلى الأحقية التاريخية للكيان الصهيوني في أرض عرفت منذ بدء الخليقة فلسطينية، لم يمنع بعض العرب من الدفاع عنه، والإشادة بعبقريته، لا بل والتمادي معه في طريق يتجه بالمنطقة إلى الجنون، طريق أبسط ما فيه أنه يسعى إلى تقسيم المقسم سلفا، وإعادة تلك المنطقة لحروب القبائل مثلما كانت في بداية التاريخ.
إن مثل هؤلاء يؤكدون أن المعضلة الحقيقية ليست في ترامب (غيرالعنصري!!!)، كما يرى نفسه، لكنها في من هم عنصريون حتى على بني جلدتهم، الشركاء في الجد الأقرب، أصحاب اللغة الواحدة والدين الواحد والمصير، فهؤلاء يتجهون بنا نحو النهاية بسرعة فائقة، فبرغم الطموحات العربية الشعبية في الوحدة والأمل في النهوض، نجد بين ظهرانينا لن أقول من الحكام (فطبيعي أن يحرص كل حاكم على مناطق نفوذه)، لكن من العاربين المدافعين بكل قوة عن تلك الحدود التي رسمها الاتفاق الكارثي (سيكس بيكو)، ونجدهم يخونون ويلصقون الاتهامات لكل من سعى بإخلاص إلى إذابة تلك الحدود والسعي إلى تقارب حقيقي بين المكونات العربية من المحيط إلى الخليج.
بل أن أنيابهم الداعشية كانت هي الوسيلة المثلى لقتل أي تصور وحدوي، فداعش وحدها هي من خرجت عبر تلك الحدود، لذا فمن يرغب لتجاوز (سيكس بيكو)، سيكون داعشيا، حتى وإن كان عروبيا حالما بوحدة، عربية قائمة على حماية مقدرات الشعوب، وإقامة نظام عربي يسمح بالتمايز دون التمييز، ويحترم ألوان الطيف العربية، وقدرتها على صنع لوحة فسيفسائية، تعيد تاريخ كانت به الأمة العربية قلبا للعالم، وحاضرة الحواضر، أو حتى أيام كانت نضالاتها تقود جهود العالم نحو التحرر، وتلتزم الحياد الإيجابي، وتحترم العلاقات الإنسانية القائمة على الاحترام المبادل، وتعي جيدا حق الشعوب في تقرير مصائرها، دون اتخاذ ذلك رداء يخفي رغبة محمومة في بث الطائفية والعرقية.
إن أبرز المعضلات التي تواجهنا في الوطن العربي، هي العنصرية التي زرعت بيننا في غفلة من التنافسية الفارغة من المضمون على زعامة لا تملك مقومات الزعامة، صراع بدأ يتولد ويزيد ويزيد، يغذي بداخلنا الطائفية البغيضة، وينمي جحود ضد أقليات لم نشعر يوما بأنهم خارج مكونات مجتمعاتنا، ونسمع لأصوات تسعى إلى إشاعة الفرقة فيما بيننا، ويسعى لتدمير الدول والحواضر الكبرى في قلب المنطقة، بل إن بعضنا يرتمي في أحضان أشد العنصريين ضد العرب والمسلمين، وينسى أنه مجرد أداة في يد هؤلاء ليس أكثر، ورقة حاضرة في مفاوضات السادة على توزيع الغنائم ليس أكثر، ولعبة قد تعصف بمقدرات المستقبل، إن بقى لدينا مستقبل في ظل هذا الصراع المقيت، وفي ظل هذا التخلي المخيف عن الثوابت والقضايا القومية، التي كانت ملاذا لنا في ظل الاستعمار القديم.

إلى الأعلى