الخميس 24 مايو 2018 م - ٨ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : الثنائية البرلمانية العمانية وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية
في العمق : الثنائية البرلمانية العمانية وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية

في العمق : الثنائية البرلمانية العمانية وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية

لقد كان من أولويات حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في بناء الدولة العمانية الحديثة ارتكازها على مبدأ الشراكة الفاعلة بين القيادة والشعب .. الحكومة والمواطنين ، فهي القاسم المشترك الذي يجب على الجميع أن يؤمن به في سبيل تحقيق الدولة لأهدافها التنموية وخططها التطويرية، وقدرة المواطن على المساهمة الفاعلة في الوصول ببرامج التنمية الوطنية إلى أفضل مستوياتها تنفيذا وإنتاجية كل حسب قدراته واستعداداته، على أن توسيع هذه المشاركة إيذانا بدخول المواطن كشريك فاعل مع المؤسسات والقطاعات التنموية المجتمعية، تطّلب إيجاد مؤسسات برلمانية داعمة عبر منصات لتبادل الرأي وتقنين السلوك الشوروي وبناء محدداته وتواجد أرضيات الالتقاء والتناغم بين ما تتخذه الحكومة من اجراءات وخطط وتوجهات، وبين ما يفكر فيه المواطن ويطمح إليه.
وشكّلت الثنائية البرلمانية، مجلس عمان في شقيه ( الدولة والشورى) اكتمال عقد الشورى العمانية، عبر ما يقوم به المجلس من مهام واختصاصات رقابية وتشريعية، أكسبته قوة التأثير في كفاءة العمل الوطني وتجدده، وأوجد له الثقة والرصانة في ظل صلاحياته في مناقشة وإقرار مشروعات القوانين المحالة إليه من مجلس الوزراء واقتراح التعديلات في قوانين النافذة إضافة إلى القيام بالدراسات التقييمية والتشخيصية الداعمة لمشروعات القوانين، وتقديم المبادرات والمقترحات العملية حول العديد من القضايا المجتمعية الملحة، بما يضمن تعزيز القيمة المضافة للعمل البرلماني وموقعه المحوري في موازين التنمية المجتمعية عبر توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية الهادفة ورسم خريطة التطوير القادمة للقطاعات والمؤسسات.
لقد تجسدت معادلة التوازن التي حققها مجلس عمان في قوة التأثير وإنتاجية القوانين وفاعليتها في الواقع الاجتماعي وعمق ارتباطها بالحياة اليومية للمواطن، عبر مرتكزين الأول، الكفاءات الوطنية التي يحتضنها مجلس الدولة من الأعضاء المكرمين، كونهم من ممثلي الحكومة وهم من ذوي الخبرة والتجربة والمبادرة والدراية والمعرفة والتجديد والفكر المستنير والأقلام المضيئة والمعرفة بالتخصص من الوزراء المتقاعدين والسياسيين والدبلوماسيين والضباط العسكريين والأمنيين والأكاديميين وغيرهم، بالاضافة إلى ما يحتضنه مجلس الشورى الجناح الآخر من مجلس عمان من وجود من يمثلون المجتمع بمختلف شرائحه وأطيافه وينقلون صوته وآماله وطموحاته، إذ شكل هذا المزيج من التكامل والتناغم منطلقا عزز من كفاءة الثنائية البرلمانية وأوجد توافقا انعكس على منجز العمل وأتاح لقاعدة المشاركة المجتمعية النمو والفاعلية، برزت في صورة العمل البرلماني الريادي، باعتباره إطارا تشريعيا رقابيا يتناغم مع رؤية بناء الدولة العصرية ، ويستجيب لتطلعات مجتمع التنمية وسعيه نحو إشراك الشباب والمثقفين وذوي الخبرة والمؤثرين في دعم جهود التطوير وترقية عمل المؤسسات.
كماعززت التكاملية القائمة بين الحكومة والمحلس عبر اللقاءات الدورية بين مجلس الوزراء ومجلس عمان من توسيع نهج الشراكة المبنية على تقاسم المسؤوليات وتفاعل وجهات النظر والأفكار المقترحة وتبادلها مع رؤساء الوحدات الحكومية في ظل رؤية استشرافية للتنمية الوطنية، إنما يعكس النهج المتفرد لعمان والخصوصية التي تبدوا في الشورى العمانية واضحة المعالم محددة الآليات مقتربة من المواطن منسجمة مع طبيعة التحول في الجهاز الإداري للدولة الداعم لمنحى اللامركزية وتبسيط الاجراءات الحكومية، وهو نهج يستهدف بناء روح المسؤولية في الاجيال ومد جسور التواصل معهم عبر حضورهم المستمر للجلسات البرلمانية في ظل الضوابط وطبيعة الموضوعات المطروحة، بما يستدعي الاستمرار في الجهود التي يقوم بها مجلس الدولة خاصة في دعوته للمؤسسات التعليمية عبر توافد الطلبة لهذا الصرح البرلماني التشريعي واطلاعهم على آليات العمل في لجان المجلس، بما يسهم في تعميق مفاهيم ثقافة المشاركة المجتمعية الواسعة وأطرها وحدودها والياتها والضمانات التي قدمتها الدولة في هذا الشأن عبر اضافة الاختصاصات التشريعية والرقابية الواسعة لمجلس الدولة، وهي اليوم تشكل أنموذجا عمليا في أخلاقيات التعامل مع الاختلاف في وجهات النظر وفق أطر صحيحة ومنهجيات دقيقة تراعي كل الظروف والمتغيرات ، للقناعة بأهمية أن يبدأ نمو هذه الثقافة بشكلها الصحيح وبشكل مبسط واضح يتلقاه الأجيال وفق منهجية واضحة وأساليب مبسطة.
وعليه فإن بناء فقه هذه التجربة الريادية، يضعنا أمام البحث عن تقوية حلقات كل الدوائر المؤثرة كالإعلام الوطني التقليدي والإعلام الرقمي البديل في نقل الصورة المكبرة لمرتكزات عمل البرلمانية العمانية، وخصوصيتها المتناغمة مع الهوية الوطنية ومبادئ السياسة الداخلية والخارجية للسلطنة، وما اثمرت عنه المنهجيات المعتمدة في مقترحات اللجان والأعضاء أو مشروعات القوانين الموجهة إلى المجلس سواء العادية منا أو المستعجلة والممدد المتاحة للمجلسين في دراستها، وآلية التعامل مع البنود والقواعد التي يحصل فيها اختلاف واضح أو تعددية في وجهات النظر بين المجلسين دون ترجيح لأحدها، ودوراللجنة المشتركة التي تعمل على معالجة نقاط الاختلاف للوصول إلى إطار عمل مشترك، وما تستدعيه من وجود تدخل برلماني عبراللجنة المشتركة العليا بين مكتبي المجلسين برئاسة معالي رئيس مجلس الدولة الموقر، بما يضمن قوة التأثير والانتاجية فيمشروعات القوانين المرفوعة وما أطّرته هذه المهنية في التعامل مع طبيعة الاشكاليات الناتجة عن الاختلاف في الآراء، من مبادئ وقواعد وموجهات تقرأ متطلبات الحياة اليومية للمواطن بعمق، وتضع المواطن في الصورة الكاملة لحيثياتها وإدراك متطلباتها ودوره في دعمها، لتصبح الثنائية البرلمانية تجسيد مشترك لفاعلية الحوار الوطني وتأصيل قواعده وعاداته وتقاليده.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى