الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أي عراق تنقذون؟

أي عراق تنقذون؟

” .. داعش وأمثالها ما كان لها أن تبرز ـ ويستخدمها الإعلام الغربي وبعض العربي مضخما لها ـ دون مناورات الحكومة العراقية باللعب على الوتر الطائفي والعرقي لأغراض متدنية. ومع تجاهل سكان تلك المحافظات في شمال وغرب العراق لسنوات، وجد هؤلاء الارهابيون الموتورون فرصة بمؤازرة أبناء تلك المناطق ضد الحكومة المركزية في بغداد.”
ــــــــــــــــــــ

أتذكر بعد غزو واحتلال العراق قبل نحو عشر سنوات دار حوار بيني وبين صديق عراقي كان متحمسا لما جرى، بل وعمل مع حكومة إياد علاوي في بداية عهد العراق المحتل، وأفحمني بحجة أنهت النقاش: كفانا قمعا لتطلعات الناس، إذا كان العراقيون لا يريدون بلدا موحدا فليستقل كل منهم وفي النهاية سيكون الوطن بفيدرالية أو كونفيدرالية أفضل كثيرا. لم يطق صديقي العيش كثيرا في العراق “المحرر” ولا الإسهام في “التغيير نحو الأفضل”، ولم نتجادل منذ ذلك الحين. اليوم أتصور كيف يحافظ على رأيه بالنسبة لبلده، وهل ما زال عند حجته وما إذا كان مقتنعا بعد بعراق أفضل بعد الغزو والاحتلال، وإذا كان من بين من يسعون لإنقاذ البلاد الآن، فأي عراق ينقذون؟.
السؤال ذاته موجه لكل من يصرح ويعلن أنه يسعى لإنقاذ العراق، من ساسة العراق وقادة الرأي والميليشيات فيه إلى القوى الإقليمية والدولية التي تساعد هذا الطرف أو ذاك في العراق. ولا أتصور أن هناك إجابة واضحة لدى اي من هؤلاء، حتى من لهم مصالح مباشرة أو من يسعون إلى “إحراز نقاط” اقليمية أو غيرها. كان الغزو والاحتلال الأميركي/البريطاني للعراق، بغطاء عربي ودعم دولي، القشة التي قصمت ما تبقى من هذا البلد الذي مثل مع الجزائر ومصر ركائز دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي. فقد بدأ تدمير العراق، ودعونا هنا من مسؤولية حاكمه آنذاك صدام حسين ونظامه، منذ مقامرة اجتياح الكويت وبدء عملية ممنهجة طويلة الأمد لإعادة البلاد “إلى ما قبل العصور الوسطى” كما قال المسؤولون الأميركيون وقتها. وذلك عبر حصار وقصف وتشجيع الأكراد على الانفصال وزرع بذور الفتن الطائفية والعرقية في البلاد.
ساهم الجميع في ذلك، لا يمكن أن نستثني منهم أحدا، وفي مقدمتهم كثير من العراقيين أنفسهم ـ وتحديدا أغلب من يوصفون بالساسة والقادة والزعماء منذ عقدين حتى الآن. كل هؤلاء، ومن والوهم خارج العراق والقوى صاحبة المصلحة أو المتطوعة بتقديم الموالاة، أوصلوا العراق إلى ما هو عليه الآن: أغلب أهله خارجه، ربما أكثر من ايام الحصار والتجويع، فرز طائفي وعرقي يفتت البلاد عمليا، تفجيرات وهجمات وخطف على مدى سنوات تحولت إلى حرب أهلية لا يعلم إلا الله متى تضع أوزارها. ليس المقصود هنا ما حدث بالمحافظات ذات الأغلبية السنية، إذ أن هؤلاء الموتورين الذين أعلنوا “الخلافة” من الموصل لن يكون مصيرهم بأفضل مما سمي سابقا بتنظيم “القاعدة” أو أمثاله. ولا حتى سعي إقليم كردستان العراق للانفصال ومعه مدينة كركوك، التي ما كان الكرد يحلمون بالاستيلاء عليها لولا اهتراء العراق (كدولة) في ظل حكم المالكي وغيره.
فداعش وأمثالها ما كان لها أن تبرز ـ ويستخدمها الإعلام الغربي وبعض العربي مضخما لها ـ دون مناورات الحكومة العراقية باللعب على الوتر الطائفي والعرقي لأغراض متدنية. ومع تجاهل سكان تلك المحافظات في شمال وغرب العراق لسنوات، وجد هؤلاء الارهابيون الموتورون فرصة بمؤازرة أبناء تلك المناطق ضد الحكومة المركزية في بغداد. وبدا الأمر وكأنه لغم هدد به المالكي وساسة بغداد (شيعة وسنة على السواء) ثم انفجر في وجوههم. بالضبط كما حدث مع “المجاهدين” الذين صنعتهم المخابرات الأميركية كي “يحرروا” أفغانستان من الاحتلال السوفييتي ثم تشظوا تنظيمات ارهابية تمتد من وسط آسيا إلى شواطئ الأطلسي. لكن، وحتى لا تحمل حكومة المالكي وحلفائها من السنة والأكراد كل التبعة، من المهم الإشارة إلى أن ما تحدث عنه صديقي العراقي الذي ذكرته في البداية كان الأساس لتمزق هذا البلد وتشرذم شعبه بعد مقتل مئات الآلاف في حروب لا داعي لها.
سينتهي خطر داعش، وتضمحل الصورة الإعلامية المبالغ فيها لدولة (الخلافة)، كما تراجع خطر القاعدة وغيرها لكن الجذور ستبقى، وهي كافية لاستمرار منحى تدهور العراق. لا يمكن تصور أن يعود هذا البلد العربي المسلم موحدا قويا كما كان، لذا يصعب تصور اي اجابة عن السؤال: أي عراق تنقذون؟ ولنفترض أن كل النوايا مخلصة، من جانب دول الجوار العراقي المعنية بما يجري فيه وتساعد عليه بشكل أو بآخر ومن جانب من يسمون قادة العراق من كافة الطوائف والعرقيات والفصائل، وتهدف للحفاظ على “وحدة العراق وسلامة أراضيه”. هل من الممكن أن نتحدث عن عراق يجاور سوريا والأردن وتركيا وإيران والسعودية والكويت، حتى وان ضم فدراليات أو كونفدراليات كردية وعربية؟ يصعب تصور ذلك بينما كل من دول الجوار تلك إما تعاني مشاكلها التي تؤثر سلبا بما يجري في العراق، أو أن لها مصالح ورؤى للعراق لا تتفق مع هذا التصور الذي قد يتعارض مع مصالحها. ثم بعد ذلك القوى الغربية المسؤولة عن عراق ما بعد الغزو والاحتلال، هل يعنيها فعلا مستقبل هذا البلد بعدما نالت منه وطرها؟
لا أظن أحدا يعنيه كثيرا من شأن العراق إلا ما يخص مصلحته الآنية والضيقة، حتى من أبنائه للأسف ـ وليس هناك من لا يزال يفكر في العراق ربما أكثر من عاصمته الرمز: بغداد. حتى هذه المدينة، أصبحت الآن في مرمى سهام التشرذم والتدمير وربما التطهير العرقي والطائفي بعد حين لو استمرت أزمة العراق الحالية في هذا الطريق. وليس هناك ما يؤشر على انها آخذة في الانفراج.

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى