الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليرموك وطقوس رمضان

اليرموك وطقوس رمضان

علي بدوان

” شهر رمضان هذا العام، كما شهر رمضان الذي سبقه، يَمُرُ وقد فَقَدَ سكان ومواطنو مخيم اليرموك المئات من الأحبة، من زهرات وشبان اليرموك، استشهاداً، أو هجرة نحو أصقاع المعمورة على إمتداد جهاتها الأربع. هجرة لن تكون على حساب الوطن الفلسطيني، ولن تكون على حساب حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لأرض آبائهم وأجدادهم في حيفا ويافا وعكا واللد والرملة وصفد …. طال الزمن أم قصر. ”
ــــــــــــــــــــــــ

جاء شهر رمضان المبارك لهذا العام، وأهالي مخيم اليرموك من لاجئي فلسطين في جنوب العاصمة السورية دمشق، يَعبُرونُ رمضان الثاني من تاريخ محنته. يعبرون رمضان الثاني بكل أسى وحسرة، بعيداً عن منازل وبيوت وحواري وأزقة اليرموك الدافئة الحنونة، التي تحلو، وتزدهر، وتسمو، وتتألق برمضان، وبطقوس رمضان اليرموكية الفلسطينية الأصيلة، التي تمتد جذورها من عمق الوطن الفلسطيني الى حيث شتات المنفى في أزمنة النكبة.
شهر رمضان هذا العام، كما شهر رمضان الماضي في مخيم اليرموك، يتزين بدماء الشهداء الأبرار وصورهم وملصقاتهم، شهداء مخيم اليرموك، وشهداء مخيم درعا، وشهداء مخيم حندرات، وشهداء مخيم النيرب، وشهداء مخيم سبينة، وشهداء مخيم الحسينية، وشهداء مخيم حطين (برزة)، وشهداء مخيم الرمل، ومخيم حماه ومخيم الوليد بحمص… ومخيم جرمانا، ومخيم دنون، ومخيم السيدة زينب (مخيم قبر الست)…الذين رووا بدمائهم ارض سورية العربية.
شهر رمضان هذا العام، كما شهر رمضان الذي سبقه، يَمُرُ وقد فَقَدَ سكان ومواطنو مخيم اليرموك المئات من الأحبة، من زهرات وشبان اليرموك، إستشهاداً، أو هجرة نحو أصقاع المعمورة على إمتداد جهاتها الأربع. هجرة لن تكون على حساب الوطن الفلسطيني، ولن تكون على حساب حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لأرض أبائهم وأجدادهم في حيفا ويافا وعكا واللد والرملة وصفد …. طال الزمن أم قصر.
شهر رمضان مخيم اليرموك، ليس مثله شهر رمضان في أي بقعة من أرض المعمورة. شهر رمضان في مخيم اليرموك له نكهة مجبولة بتوابل فريدة، لها علاقة بفرادة هذا التجمع الفلسطيني، عاصمة الشتات والعودة، ولها علاقة بفرادة ما راكمه اليرموك من قيم وعادات وأصالة وتراث مُتجدد وأصيل، إمتداداً لتراث فلسطين وقيم وعادات الشعب العربي الفلسطيني على أرض وطنه، الجزء الأصيل من أهالي بلاد الشام، وحواضرها.
كان فرح أهالي مخيم اليرموك بقدوم شهر رمضان الكريم كل عام، يلبس دوماً ثوبه المزركش، على كل المستويات، من التحضيرات الجميلة، التي تُؤمّن مناخاً إجتماعياً تواصلياً، الى تزيين المكان، وهندسة النفوس، الى نشاط الدورة الاقتصادية في أسواق اليرموك التي باتت تُضاهي أسواق دمشق الشام بأسرها، بموجوداتها، وأسعارها المقبولة، وجودتها، وبركتها، من أسواق الثياب الى أسواق الأجبان والألبان والحلويات، وكل أنواع الخضار والفاكهة، والعصائر بأنواعها المعروفة وغير المعروفة.
ذاكرة فلسطينيي سوريا وأبناء مخيم اليرموك، مُتخمة بطقوس شهر رمضان الكريم، يتم إنعاشها بكل لحظة عند استحضارها، وهي طقوس تحتاج لأوراقٍ كثيرة للكتابة عنها. طقوس تتطور كل يوم، ولا تتوقف عند حدود في مخيم اليرموك، كما هو حال ديار وبلاد الشام. بل زاد عليها أبناء فلسطين في مخيم اليرموك إبداعات وزركشات جميلة وجديدة، تطويرية، تتناسب مع التطور العام، وقد جَعَلت من التراث والموروث مادة غنية، يُفتخر بها، ويُعتَزُ بشأنها، عدا عما تضفيه من لمسات طيبة في حياة الناس وفي سهرات رمضان وأُنسها ورونقها الصافي.
شهر رمضان في مخيم اليرموك، كان يتواصل كل يوم بنشاط الجمعيات والمؤسسات الأهلية والتكافلية، التابعة لعموم القوى والفصائل، والمستقلة، ومعها نشاط أهل الخير الذي يتراكضون لمساعدة الناس. وصولاً لصبيحة العيد، في زيارات مقابر شهداء الشعب والثورة، في مسيرات كشفية وعسكرية وعلى أنغام الموسيقى الوطنية في كرنفال احتفالي قل نظيره في أي مكان من بلاد العرب. وكم شهدت أرض مخيم اليرموك تلك المسيرات التي تبدأ قبيل صلاة العيد وتستمر الى ما بعدها، وصولاً لحشودها الكبيرة عند تمثال (الفدائي المجهول) على أبواب مقبرة الشهداء الأولى في اليرموك، ومن ثم إنطلاقاً الى المقبرة الثانية، حيث يرقد الآلاف من شهداء الشعب الفلسطيني، ومن أبناء فلسطين الذين خرجوا من فلسطين عام النكبة، وعلى شاهدة كل قبر : من مواليد حيفا، من مواليد يافا، من مواليد عكا، من مواليد طبريا ….. وهنا مثوى شهيد سقط في معركة الحمة، وهنا مثوى شهيد سقط في جنوب لبنان، وهنا مثوى شهيد سقط في الجولان وأخر في الأغوار والأردن .. وهنا مثوى زهير محسن، وخليل الوزير، وسعد صايل، وطلعت يعقوب، وممدوح صيدم، وأبو العباس، وفتحي الشقاقي، وأبو صالح نمر صالح، وجهاد جبريل، ومهدي بسيسو، ويوسف عرابي، ووائل زعيتر، وعز الدين القلق … وهنا مثوى شهيد عربي من العراق وأخر من اليمن وأخر من مصر .. وهنا مثوى شَهيدٍ أممي ألماني وفرنسي ومن أمريكا اللاتينية ومن بنغلادش … وكلهم استشهدوا على الطريق إلى فلسطين.
من طقوس رمضان، شراب (العرقسوس) و (التمر هندي) ومختلف انواع العصائر. لكن لشراب العرقسوس نكهة مغايرة لأي نكهةٍ لأي شرابٍ كانت، فشراب العرقسوس تستفرد به بلاد الشام وفلسطين على وجه الخصوص، عن غيرها من بلاد العالم بما في ذلك بلاد العالم العربي، خصوصاً عندما يتم تحضير شراب العرقسوس بأيدٍ ماهرة وخبيرة، بأيدي أبناء اليرموك الذين كافحوا وعاركوا عراك الحياة الصعبة من أجل الفوز بلقمة عيش كريمة ومباركة ومُصانة ومن خلال إتقانهم لعددٍ كبير من الصنعات والأعمال التي تحتاج لمهارات في أدائها.
الجميل في ذلك، أن بائعي العرقسوس في اليرموك يضيفون لتراث بيع الشراب في رمضان، إرتداءهم لثياب بائعي العرقسوس ليس في الشام فقط، بل في فلسطين، حيث كان يرتدي هذه الثياب، المُزينة بالطربوش على الرأس، عموم البائعين لهذه المادة المنعشة في شوارع القدس ويافا ونابلس وحيفا وعكا وغيرها من مدن فلسطين قبل النكبة وحتى الآن. ولنا أن نذهب لأرشيفنا الفلسطيني لنرى الكم الهائل من صور بائعي العرقسوس في شوارع مدن فلسطين منذ سنوات ماقبل النكبة وهو يرتدون تلك الثياب.
ماذا بقي أن نقول لمواطني اليرموك، الصابرين، الصامدين، الذين مازالوا يكابدون وجع الحياة، بالعمل والإخلاص، والمثابرة، يحدوهم التفاؤل على الدوام بالرغم من الظلام الدامس الذي كان قبل فترة ظلاماً قاتماً، تَخُرُ من سواده وكُحله هامات الأقوياء.
نقول لهم، شهر رمضان كريم، ولن يطول هذا الليل عليهم وعلى سورية العربية وشعبها الكريم عموماً، فبعد الظلام الدامس نورٌ يتوقد، وبعد المحنة فجرٌ يسطع. فشهر رمضان شهرٌ كريم.

إلى الأعلى