السبت 26 مايو 2018 م - ١٠ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (6 ـ 10)

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (6 ـ 10)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
وقال الباحث: وهكذا يتضح أن الإستحسان يقصد به تحقيق مصلحة ودفع مفسدة أي التيسر على المكلفين ورفع الحرج والضيق عنهم، وهذا ما يجعلة صالحاً كدليل للرؤية الفقهية الجديدة في مجال المعاملات من شأنها رفع الحرج والمشقة ومسايرة الفقه الإسلامي لما يستجد للناس من حوادث ووقائع.
وتنقسم المصلحة من حيث موقعها في التشريع، أي من حيث إعتبار الشارع لها أو عدم إعتباره الى:(مصالح معتبرة) وهي المصالح التي شهد الشرع لإعتبارها، أو هي الأوصاف الملائمة لمقاصد الشريعة وراعاها الشارع في أحكامه بالفعل، وهي كثيرة في التشريع، فما من حكم شرعي إلا ويقصد منه تحقيق مصلحة، نظراً للإرتباط الوثيق بين المصالح ومقاصد الشرع كما أشرنا. وهذا النوع من المصالح حجة.
و(مصالح ملغاة) وهي: الأوصاف التي قام الدليل على إلغائها وعدم إعتبارها، أو ما شهد الشرع لبطلانها لأنها في حقيقة أمر ليست مصالح بل وهم، وحتى على فرض عدٌها مصالح فهي باطلة بحكم الشرع، كمصلحة من يتعامل بالربا أو شارب الخمر، أو السارق ـ وهكذا من كل ما لا يعد مصلحة في نظر الشرع ولذا أبطله.
و(مصالح مرسلة) وهي: أوصاف تلائم مقصد الشرع أو يحصل من ربط الحكم الشرعي بها أو بنائه عليها جلب منفعة أو دفع مفسدة غير أنه لم يرد بشأنها دليل شرعي بإعتبارها أو إلغائها.
وهذا النوع من المصالح هو الذي وقع فيه الإختلاف بين العلماء .. لكن الراجح هو أن المصلحة المرسلة تصلح دليلاً شرعياً، وذلك بنيت الكثير من الأحكام على المصلحة المرسلة من ذلك على سبيل المثال: جمع القرأن الكريم في المصحف في زمن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ولعل هذه مسألة تدل على أن صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) إعتبروا المصلحة المرسلة في التشريع، والحاصل أنه عندما عرضت المسألة في أول الأمر توجس الصحابة وقالوا كيف نقدم على أمر لم يفعلة النبي (صلى الله عليه وسلم) غير أنهم قالوا إنه أمر لم يأمر به النص الشرعي، ولكنه كذلك لم ينهى عنه. وهو تترتب عليه مصلحة قطعاً وهي حفظ الدين بحفظ القرأن الكريم الذي هو أصل الدين. فقاموا بجمعة بناء على ذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة أيضاً في هذا المجال مثل: التاريخ الهجري حيث لم يكن للعرب قبل الأسلام تقويم موحد متعارف عليه بين جميع قبائلهم يؤرخون وقائعهمم حسب نظام مضبوط يساعد في التحديد الدقيق لميلاد او وفاة أحدهم أو زمن حادثة أو إلى غير ذلك مما يلزم معرفة وقت حدوثة بالفعل ولما اتسعت الدولة الإسلامية في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ وتم تبادل المراسلات بين أرجائها ودونت الدواوين ونظم الخراج والجزية والعشور.
وعلى ذلك يمكن السير على هذا النهج وإتخاذ هذا المنهج دليلاً لتطوير الفقه الإسلامي والنظر في مسائل المعاملات المستحدثة وإعطائها حكمها الشرعي بناء على المصلحة.
لكن يشترط لبناء الحكم على المصلحة شروطاً هي:
1 ـ أن تكون مصلحة حقيقية ليست مجرد وهم، ومعيار المصلحة هو الشرع، أي معيارها شرعي وليس شخصي حتى لا تتبع الأهواء والنزعات. فلابد أن يترتب عليها جلب منفعة أو دفع مفسدة.
2 ـ أن تكون مصلحة عامة غير قاصرة على شخص معين او حزب معين فلابد من عمومها بمعنى أن يعم نفعها.
3 ـ ألاٌ تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها.
العوامل التي تدعو إلى الاستصلاح:
يمكن لولاة الأمر في كل عصر بمعاونة المتخصصين في علوم الشريعة إصدار التشريعات والقوانين التي تحقق للأمة مصالحها وتلبي حاجاتها ومطالبها المتجددة بناء على المصلحة في استحداث أحكام جديدة في ظل الشريعة حتى لا يشعر الناس بالحاجة أو النقص، فيستطيعوا أن يخرجوا أحكاماً شرعية للكثير من المسائل التي صدرت بشأنها القوانين مثل تحديد أجور العمال والصناع، وإنشاء بعض العقود على وجه معين على نحو ما رأينا من العقود المستحدثة في الفقه القانوني الوضعي، وذلك بهدف تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وسداً لذريعة إهمال الشريعة أو الأحتيال عليها أو تؤدي إلى الوقوع في محاذير شرعية وذلك في كل المسائل التي يفرزها تغير الزمان والأحوال.
ثانياً ـ العرف: يعد العرف مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي، وهو في اللغة بمعنى الشئ المألوف المستحسن الذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول. وهو عند الأصولين: ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقنه الطباع السليمة بالقبول.
وهو قد يكون قولياً أو عمليا، وقد يكون عاماً أو خاصاً، كما قد يكون صحيحاً: أو فاسداً والعرف الذي يعد دليلاً شرعياً هو العرف الصحيح وهو ما تعارفه الناس ولا يخالف دليلاً شرعياً أي لا يتعارض مع الشريعة فلا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ومن ثم يجب مراعاته في التشريع والقضاء، وذلك رفعاً للحرج والمشقة لأن العمل بما يخالف العرف الصحيح الذي تعارف عليه الناس يوقعهم في الحرج والمشقة وهما مرفوعان من الشريع الإسلامي.
أما العرف الفاسد وهو ما تعارفه الناس، ولكنه يخالف الشرع مثل تعارف الناس على التعامل بالربا، وشرب الخمر وغير ذلك من الأمور التي تخالف الشرع فإنه لا يعتبر عرفاً في نظر الشارع ولا يراعى في تشريع الأحكام لأنه عبث لا يحقق مصلحة ولا نفعاً ولذلك نهى عنه الشارع وأمر بإجتنابه.
ثالثاً ـ الإستحسان: الإستحسان من الأدلة الشرعية التي إختلف العلماء في الأخذ بها وهو حجة عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وقد ورد عن الإمام الشافعي أنه أنكر الإستحسان بقوله:”من أسحتسن فقد شرع” إلا أن ذلك يصدق على الإستحسان المبني على الهوى المجرد من غير إتباع لدليل. وهو ما يقصده من أخذ به من العلماء لأن الإستحسان عندهم بمعنى: العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم أخر لوجه أقوى يقتضي العدول. أي أنه يكون بشأن مسألة جزئية في مقابلة قاعدة كلية فيلجأ إليه المجتهد في هذه الجزئية ويعطيه حكماً مخالفاً عن حكم نظائرها وهو حكم القاعدة الكلية، مثال ذلك: الأصل أن بيع المعدوم لا يجوز لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع المعدوم ثم يستنثى من ذلك السلم فهو جائز مع أنه بيع لمعدوم ولكنه أجيز استحساناً بالنص، وكذلك النظر إلى عورة المرأة الأجنبية دائماً حرام، ومع ذلك يجوز إستحساناً عند الضرورة وهي حاجة المرأة إلى العلاج والتداوي فعندئذ يجوز النظر إليها استحساناً وهكذا في كل مسألة جزئية تأخذ حكماً مخالفاً لنظائرها لدليل يقتضي ذلك. وبالتالي فإن الإستحسان قد يكون بالنص كجواز بيع السلم، والوصية، والأجاره، وأشتراط الخيار في البيع. وقد يكون بالإجماع مثل إجازة عقد الأستصناع، وقد يكون بالعرف والعادة.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم

إلى الأعلى