الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العفو والصفح (1)

العفو والصفح (1)

الاختلاط بالناس يكشف معادن أخلاقنا وحُسن وقُبح سلوكنا وما بُعثَ الرسول إلا ليُتمم مكارم أَخلاقنا

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
شِعار الصالحين الأنقِيَاء ذوِي الحِلم والأناة والنّفس الرضيّة لأنَّ التنازلَ عن الحقِّ نوعُ إيثارٍ للآجلِ على العاجل وبسطٍ لخُلُقٍ نقيٍّ تقيٍّ ينفُذ بقوّةٍ إلى شِغاف قلوب الآخرين، فلا يملِكون أمامه إلا إبداءَ نظرةِ إجلالٍ وإكبار لمن هذه صفتُه وهذا ديدَنُه.
إنَّ العفو عن الآخرين ليس بالأمرِ الهيِّن إذ له في النّفسِ ثِقلٌ لا يتِمّ التغلُّب عليه إلاّ بمصارعةِ حبِّ الانتصار والانتقامِ للنفس، ولا يكون ذلك إلا للأقوياءِ الذين استعصَوا على حظوظ النّفس ورغباتها وإن كانت حقًّا لهم يجوزُ لهم إمضاؤُه لقوله تعالى:(وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) (الشورى ـ 41)، غيرَ أنَّ التنازل عن الحقّ وملكةَ النفس عن إنفاذِه لهو دليلٌ على تجاوزِ المألوفِ وخَرق العادات.
ومِن هنا يأتي التميُّز والبراز عن العُموم، وهذا هو الشَّديد الممدوحُ الذي يملِك نفسه عند الغضب وقد أخرج الإمام أحمَد في مسنده قولَ النبيِّ (صلى الله عليه وسلم):(من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفِذَه دعاه الله على رؤوسِ الخلائق حتى يخيِّرَهُ من أيِّ الحور شاء).
إنَّ شريعتَنا الغرّاء حضَّت المسلمِين على التخلُّق بخلقِ العفو، وكما في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران ـ 195).
الاختلاطُ بالنَّاسِ يكشِفُ مَعَادِنَ أخلاقِنا وحُسنَ وقُبحَ سُلُوكِنا وما بُعثَ الرِّسولُ إلاَّ ليُتَمِّمَ مَكَارِمَ أَخلاقِنا, ويُبعِدَنا عن سِفْسَافِها وأَرَاذِلِها! ولقد أصَّلَ الرِّسولُ الكريمُ في أُمَّتِهِ أنَّ مِن سِماتِ المُؤمنِ أنْ يَكُونَ هيِّنَاً ليِّناً لا غِلَّ فِيهِ, ولا بَغيَ ولا حَسَدَ, يُؤثِرُ حَقَّ الآخَرينَ على حَقِّهِ، ويَعلَمُ أنَّ الحَيَاةَ أرخَصُ من أنْ تُملاءَ بالعَدَاواتِ والبَغضَاءِ والأَحقَادِ فيعيشُ المُسلِمُ سَلِيمَ القَلبِ, مُرتاحَ البالِ, قَوِيَّ الإيمانِ, مُطيعاً لِربِّهِ, مُجانِباً لِهواهُ وشيطانِهِ لقد جُبِلَ كَثيرٌ من النَّاسِ عَلَى مَحَبَّةِ ذَوَاتِهِم وَالانتِصَارِ لأَنفُسِهِم، ومِن ثَمَّ فلا بُدَّ أَن تَنشَأَ خِلافَاتٌ بَينَهُم،في كُلِّ ميادِينِ الحياةِ,في طُرُقَاتِهم وأسواقِهم وأماكِنِ عَمَلِهم حتى في اجتِماعَاتِهمُ العائِلِيَّةِ, بل في أماكِنِ عباداتِهم وَمناسِكهم,والمُشكِلَةُ أنَّ الخِلافَاتِ تَتَطَوَّرُ فتَكُونَ لِجَاجًا وَخِصَامًا، ويَحصُلُ تَبَاعُدٌ وَتَنَافُرٌ ما أنزلَ اللهُ به من سُلطانٍ! تَتَعَقَّدُ بِسَبَبِهِ الحَيَاةُ وَيَفسُدُ العَيشُ وَتُشحَنُ القُلُوبُ، فيُصبِحُ المُسلِمُ لا يُطِيقُ رُؤيَةَ أَخِيهِ، إِذَا لَمَحَهُ في طَرِيقٍ سَلَكَ غَيرَهُ، وَإِن جَمَعَهُ مَجلِسٌ خَرَجَ منه مُسرِعًا، بَل قَد يَكُونَانِ مِن جماعَةِ مَسجِدٍ وَاحِدٍ ويَتَهَاجَرانِ، وَتَذهَبُ الأَيَّامُ, وَالأَعمَالُ لا تُرفَعُ، قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) (النساء ـ 43)، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى ـ 25).
وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله تعالى عفوّ كريم يحبّ من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يتجاوز بعضهم على بعض، فعَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَة القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:(قولي: اللهمّ إنّك عفوّ تحبّ العفوَ فاعف عنّي).
الله تبارك وتعالى هو العفوّ الذي له العفو الشامل، الذي وسع عفوه الورى، ووسع ما يصدر عن عباده من الذنوب، لا سيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان والأعمال الصالحة.وهو سبحانه العفوّ الغفور، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكل أحد مضطرّ إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، والله عزَّ وجلَّ عفوّ كريم يحب العفو، ويحب من عباده أن يسعوا في فعل الأسباب التي ينالون بها عفوه، من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه.

إلى الأعلى