الإثنين 20 أغسطس 2018 م - ٩ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـن مـواقـف الـرحـمة (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـن مـواقـف الـرحـمة (4)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الـرسـل أجـمـعـين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن مـواقـف الـرحـمة للـرسـول الكـريـم (صلى الله عـلـيه وسـلم): إن الـرسـول الحـلـيم (صلى الله عـلـيه وسـلم)، لـم تأخـذه الـدهـشة لجحـود الأعـرابي أول الأمـر، وعـرف فـيه طـبيـعة صـنـف مـن الـناس مـردوا عـلى الجـفـوة في التعـبير والاسـراع بالـشـر، وأمـثال هـؤلاء لـو عـوجلـوا بالعـقـوبة لـقـضـت عـليهـم، ولـما كانت ظـلـماً مـن قـبـل الآخـرين عـليهـم، ولـكـن العـظـماء أصحاب الـقـلـوب الكـبـيرة لا ينتـهـون بمـصائـر العـامة إلى هـذا الخـتام الألــيـم، إنهـم يـفـيـضـون مـن رحـمتهـم وحـلـمهـم عـلى ذوي الـنـزق، حتى يـلجـأونهـم إلى الخـير إلـجـاء قـسـرياً.
إنّ هـذا الأعـرابي الـذي اشـترى الـرسـول الكـريـم رضاه بـهـذا العـطـاء وزاده حتى رضي، لا يـبـعــد أن تـراه بـعـد أيام، وقـد ذاق حـلاوة الحـلـم والـكـرم وقـد كـلـف بـعـمل خـطـير، أن يـقــدم فـيه الـغـالي والـنفـيس، والـرخـيص والجـلـيـل عـن طـيب خـاطـر، وما الـمـال إلا قـمام الأرض وظـل زائـل، تسـتنـاخ بـه الـرواحـل الجـامحـة، لـتـقـطـع عـليها الـمـفـازات والــقـفـار الشـاسـعـة.
روى الإمـام مسـلم، عـن عـائـشة أم الـمـؤمـنين ـ رضي الله عـنهـا ـ أنها قالت:(ما ضـرب رسـول الله ـ صلى الله عـليه وسـلم ـ شـيئاً قـط بـيـده، ولا امـرأة ولا خـادما ً إلا أن يجـاهـد في سـبيل الله، ومـا نـيـل مـنه شـيء قـط، فـيـنتـقـم لـنفـسه مـن صاحبه، ألا أن ينتـهـك شيء مـن محارم الله تعالى)، وقـد أثــر عـنه (صلى الله عـلـيه وسـلم) أنه لـم ينـتـقـم مـن أحـد لـنـفـسه قــط، لأنـه أرسـل رحـمة للـعـالـمين، فـهـو الـمـربي الحـكـيم الـرءوف الـرحـيم بـعـباد الله، وهـو الـقـدوة الحـسنة التي حض عـليها الله عـبـاده بـقـوله:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا) (الأحـزاب ـ 21).
وقـد تخـلـق الصحـب الكـرام بـأخـلاق نـبيـهـم الـعـدناني في العـفـو والصـفح، فـقـد روى البخـاري عـن ابن عـباس عـن عـيينة بن حصـن ، قال لـعـمـر بن الخـطـاب: يا ابن الخـطاب ما تعـطـينا الجـزل وتحـكـم فـينا بالعـدل، فـغـضب عـمـر حتى هـم أن يـوقـع به، فـقال له: الحـر بن قـيـس: يا أمـير الـمـؤمنين، إن الله قال في كـتابه العـزيـز:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعـراف ـ 199)، وإن هـذا مـن الجـاهـلـين، فـقال ابن عـباس: فـو الله مـا جـاوزهـا عـمـر حـين تـلاهـا عـليه، وكان وقافاً عـنـد كـتـاب الله عـز وجـل.
وقـد ورد في صحـيح الجـامـع الصـغـير عـن مـعـاذ بن أنس أن رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم) قال:(مـن كـظـم غـيـظـاً وهـو قـادر عـلى أن يـنـفــذه، دعـاه الله عـلى رؤوس الخـلائـق حتى يخـيره مـن الحـور العـين يـزوجـه منهـا ما شـاء)، ومـن ثـمار العـفـو أمـن في الـدين وحـور عـين في الآخـرة.
فـهـذا الـذي يـؤثـر الانـتـقام عـلى العـفـو، يجـعـل الجـو الـمحـيـط به ضـاغـطاً وعـلاقـته مـع الآخـرين مـتـوتـرة، ويـكـون انـتقـامه تـربة خصـبة للانـتـقـام الـمـضاد فـيتـوقـع الـمـنـتـقـم الـشـر، وتـوقـع الـشـر شـر مـن وقـوعـه، هـكـذا يفـقـد الأمـن وبـفـقـده يـفـقـد أثـمـن ما في الحـياة النـفـسية، قال تعالى:(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنـعـام 81 ـ 82).
أمـا إذا آثـر الـرجـل العـفـو عـلى الانـتقـام والتأني عـن الاسـراع في العـقـوبة، فـقـد جـعـل الجـو الـمحـيـط به وديـاً، وجـعـل عـلاقـاته بالآخـرين مـربحـة ، وجـعـل مـن أعـدائه الأ لــداء الـذين لـم يـسـتطـيعـوا أن يخـفـوا عـداءهـم الـسافـر، أصـدقـاء حـميـمـين قال تعالى:(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فـصلت 34 ـ 35).
هـذا عـن أول ثـمـرة العـفـو إذ يـنـال بـذلك الأمـن، فـماذا عـن ثـمـرة الإيـمان؟ .. إن الإنسان إذا عـفـا عـن أخـيه كان أقـرب إلى ربـه مـما لـو انتـقـم مـنه لأن الخـلـق كلهـم عـيال الله، وأحـبهـم إلى الله أنـفـعـهـم لـعـيالـه، ولـو انـتقـم مـن أخـيه جـعـل مقـوده بيـد الـشـطان، وهـذا الـذي يحـبـذه الـشـيطان، وفي الحـديث الـقـدسي:(إذا أردتـم رحـمتي فارحـمـوا خـلـقي).
فإذا كانـت إمـاطـة الأذى عـن الطـريـق شـعـبة مـن شـعـب الإيـمان، فـما بـالـك بالعـفـو عـن أخـيه الإنـسان، حـيث بالـعـفـو عـنه يـبـدل خـوفـه أمـناً، وضـيـقه سـعـة وفـرجـاً، ويأسـه أمـلاً ومحـبة، إن العـفـو يـدل عـلى تمـكـن الإيـمان في قـلب المـؤمـن ويـؤكـده، ويـزيــد فـيه قـوة ويجـدده، فالإنسان بـنـيان الله، ومـلـعـون مـن هـدم بـنيان الله.
فحـينـما تصـح الـتـوبة ويـتحـقـق الـنـدم، وتصـدق الـعـزيـمة عـلى تـرك الـذنـوب ، ويـغـدو فـرصة ثـمـينة يـنالهـا الـمـذنـب، لـيـؤكــد صـحـة تـوبـته، ويـشـعـر بعـظـيـم جـرمـه فـيحـس بنـدمـه، فإذا صـدقـت عـزيـمتـه عـلى تـرك مـا اقـترفـت يــداه مـن الـذنـوب، فـبـذلك يـبـرهـن عـلى حـبه قـيـؤكـد ويـرجـح جانب الخـير في الإنسان، وربـما كان هـذا الـمـذنـب الـذي عـفـي عـنه عـلـما مـن الأعـلام في الأمـة، ومصـلحـا مـن كـبار مـصلحي الأمـة ، وقـائــدا فـذا مـن قـادتها الـذين يـضرب بهـم الـمـثـل في الـشـجـاعـة والإقــدام.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى