الجمعة 19 أكتوبر 2018 م - ١٠ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة
خطبة الجمعة

خطبة الجمعة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قال:(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ، مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ) (النجم 45 ـ 46)، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ أَسَاسًا لِقِيَامِ المُجْتَمَعَاتِ، وَتَرَابُطِ الأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ:(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ، وَمَنْ سَارَ سِيرَتَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء ـ 1)، وَاعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ فِي رِبَاطِ الزَّوْجِيَّةِ آيَةً عَظِيمَةً دَالَّةً عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، وَعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ـ 21)، فَالزَّوْجَانِ (الذَّكَرُ وَالأُنْثَى)، مَرَدُّهُما إِلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَمَرْجِعُهُما إِلَى أَصْـلٍ وَاحِدٍ، يُكْمِلُ بَعْضُهُمَا بَعْضًا، وَقَدْ خَلَقَهُمَا اللهُ بِهَذِهِ الصِّـفَةِ لِيَكُونَ لَهُمَا الْغَايَةُ الَّتِي أَرَادَهَا لَهُمَا سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ـ 21)، فَيُفْضِي كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى الآخَرِ، لِيَجِدَ فِيهِ السُّكْنَى وَالرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، فَالرَّجُلُ يَجِدُ فِي زَوْجِهِ مُؤْنِسًا لِوَحْشَتِهِ، وَمُوَاسِيًا فِي كُرْبَتِهِ، وَرَاحَةً مِنْ تَعَبِهِ وَمَشَقَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ تَجِدُ فِي زَوْجِهَا الرَّاعِيَ الْحَانِيَ، وَالْحَافِظَ الْحَامِيَ، فَيَكُونُ لِطُمَأْنِينَتِهَا وَرَاحَتِهَا مَعِينًا، وَيَسْتَمِرُّ النَّسَقُ الْقُرْآنِيُّ ـ إِخْوَةَ الإِيمَانِ ـ فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ـ 21)، هَذِهِ المَوَدَّةُ وَالرَحْمَةُ مَبْعَثُهَا اتِّصَالُ النُّفُوسِ، وَاخْتِلاطُ الأَرْوَاحِ، وَالاجْتِمَاعُ لِبِنَاءِ عُشِّ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى أُسُسٍ قَوِيمَةٍ، وَمَبَادِئَ كَرِيمَةٍ. إِنَّ الْمَوَدَّةَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَشِيجَةٌ عَظِيمَةٌ تَقُومُ عَلَيْهَا الصَّدَاقَةُ وَالصُّحْبَةُ وَالأُخُوَّةُ، وَالرَّحْمَةُ آصِرَةٌ عَظِيمَةٌ أُخْرَى، تَقُومُ عَلَيْهَا رَوَابِطُ كَرِيمَةٌ كَالأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِعَلاقَةٍ اجْتَمَعَتْ فِيهَا الآصِرَتَانِ، وَحَوَتِ الوَشِيجَتَيْنِ:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ـ 21).

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مَعَ مَا أَوْدَعَ اللهُ فِي طَبِيعَةِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ عَوَامِلِ الانْسِجامِ، وَدَوَافِعِ الْوِئَامِ، تَبْقَى الْعَلاقَةُ رَهِينَةَ سُلُوكِهِمَا، وَمُعَلَّقَةً بِأَفْعَالِهِمَا وَتَفَاعُلِهِمَا فَلَنْ تَحْظَى الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ بِسَعَادَتِهَا وَهَنَائِهَا مَا لَمْ يُفْتَحْ فِيهَا لِلسَّكِينَةِ بَابُهَا، وَلَنْ يَكُونَ لِلتَّعَايُشِ فِيهَا سَبِيلٌ مَا لَمْ تُعَزَّزْ أَوَاصِرُ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ فِيهَا. إِنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَوَدَّةٌ مُتَبَادَلَةٌ، وَرَحْمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، إِنَّهَا أَخْذٌ وَعَطَاءٌ، حُبٌّ وَوَفَاءٌ، تَعَاوُنٌ وَصَبْرٌ، تَضْحِيَةٌ وَبَذْلٌ. وَمَتَى مَا فُقِدَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي تَزَلْزَلَتْ أَرْكَانُ السَّكِينَةِ، وَتَصَدَّعَ بُنْيَانُ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَتَنْقَلِبُ الْحَيَاةُ عِنْدَهَا بَلاءً، وَالْعَيْشُ شَقَاءً. وَلَنَا ـ إِخْوَةَ الإِيمَانِ ـ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ لِرَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) خَيْرُ مِثَالٍ يُحْتَذَى، فَقَدْ كَانَ خَيْرَ زَوْجٍ، وَكَانَتْ زَوْجَاتُهُ خَيْرَ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْقَائِلُ (صلى الله عليه وسلم):(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)، هَذِهِ زَوْجُهُ خَدِيجَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ ضَرَبَتْ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ لِحَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، لَقَدْ عَاشَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ حُلْوَ الْحَيَاةِ وَمُرَّهَا، فَكَانَتْ رُكْنَهُ الشَّدِيدَ، وَرَفِيقَهُ الأَنِيسَ، وَمُعِينَهُ النَّصِيرَ، هَا هِيَ ذِيْ تُطَمْئِنُ خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، يَوْمَ أَنْ جَاءَهَا مِنْ غَارِ حِرَاءٍ فَزِعًا، قَائِلَةً لَهُ:(أَبْشِرْ فَوَاللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)، وَقَدْ كَانَ لَهَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) نِعْمَ الزَّوْجُ الْوَفِيُّ، يَقُولُ عَنْهَا (صلى الله عليه وسلم):(قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ)، فَأَنْعِمْ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَأَكْرِمْ بِهَذِهِ الأُسْرَةِ، بَيْتُ مَوَدَّةٍ وَوَفَاءٍ، وَرَحْمَةٍ وَصَفَاءٍ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ مِنْ خَيْرِ مَا يُعِينُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى بِنَاءِ أُسْـرَةٍ هَانِئَةٍ سَعِيدَةٍ أَنْ يُؤَدِّيَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ قَبْـلَ أَنْ يَسْـأَلَ عَنْ حُقُوقِ نَفْسِهِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة ـ 237)، وَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا)، وَحَقُّ الْعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ حَقٌّ عَظِيمٌ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَرْعَاهُ حَقَّ الرِّعَايَةِ، وَأَنْ يُؤَدِّيَهُ لِصَاحِبِهِ مُوَفِّيًا، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا جَمِيلُ الصُّحْبَةِ، وَغُفْرَانُ الزَّلَّةِ، وَمُرَاعَاةُ الْمَشَاعِرِ، وَيَتَخَلَّلَ حَيَاتَهُمَا التَّعَاوُنُ لا التَّشَاحُنُ، وَالْمُجَامَلَةُ

لا الْمُجَادَلَةُ.
إِنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِحُسْنِ مُعَاشَرَتِهَا لِزَوْجِهَا، فَتُرَاعِي لَهُ مَوْضِعَ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، فَلا يَرَى مِنْهَا إِلاَّ كُلَّ حَسَنٍ، وَلا يَسْمَعُ مِنْهَا إِلاَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّـبَةَ وَالذِّكْرَ الْحَسَنَ، يُرْوَى عَنْ أَحَدِ نِسَاءِ التَّابِعِينَ قَولُهَا:(مَا كُنَّا نُكَلِّمُ أَزْوَاجَنَا إِلاَّ كَمَا تُكَلِّمُونَ أُمَرَاءَكُمْ)، تَقْدِيرًا وَاحتِرَامًا وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ مُطَالَبٌ مِنْهُ أَنْ يُحْسِنَ التَّعَامُلَ مَعَ زَوْجِهِ، فَيُنَادِيهَا بِأَحَبِّ الأَسْمَاءِ إِلَيْهَا، وَيُرِيهَا مِنْ حُسْنِ مَظْهَرِهِ مَا يُحِبُّ أَنْ يَرَى مِنْهَا، يُذْكَرُ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ تَطْلُبُ فِرَاقَ زَوْجِهَا، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا فَإِذَا هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فَعَرَفَ مَا كَرِهَتْ مِنْهُ، فَأَمَرَ أَنْ يَسْـتَحِمَّ وَيَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بِهَيْـئَةٍ حَسَنَةٍ، أَخَذَ بِيَدِ زَوْجِهِ، فَذَهَبَتْ مَعَهُ، فَقَالَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:(هَكَذَا فَاصنَعُوا لَهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ يُحْبِبْنَ أَنْ تَتَزَيَّنُوا لَهُنَّ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَتَزَيَّنَّ لَكُمْ).

أَيُّهَا الْمُسلِمُونَ:
إِنَّ مِمَّا قَدْ يُكَدِّرُ صَفْوَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ وَيُؤَثِّرُ عَلَى استِقْرَارِهَا، مَا قَدْ يَظُنُّهُ بَعْضُ الأَزْوَاجِ أَنَّ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ حَيَاةٌ مِثَالِيَّةٌ، لا كَدَرَ فِيهَا وَلا مُنَغِّصَاتِ، وَلا تَعَبَ وَلا تَبِعَاتِ، فَيَرْسُمُونَ فِي مُخَيِّلاتِهِمْ حَيَاةً زَوْجِيَّةً افتِرَاضِيَّةً لا يُمْـكِنُ وُجُودُهَا فِي هَذِهِ الدُّنيَا؛ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي خِضَمِّ الْوَاقِعِ وَوَقَعَتْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ مَسْؤُولِيَّاتُهُ، تَفَاجَؤُوا مِمَّا يَجِدُونَ مِنْ أُمُورٍ تَحْـتَاجُ إِلَى تَضْحِيَةٍ وَبَذْلٍ، أَوْ مِمَّا يُوَاجِهُونَ مِنْ عَقَبَاتٍ تَحْـتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَحَزْمٍ؛ فَيَنْهَدُّ طَوْدُ أَحْلامِهِمُ المَرْسُومَةِ، وَلَرُبَّمَا انهَدَّتْ مَعَهُ الْعَلاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ الَّتِي غُمِطَ حَقُّهَا، وَأُسِيءَ فَهْمُهَا، فَنَجِدُ عِنْدَهَا فِي بَعْضِ الْمُجْـتَمَعَاتِ كَثْرَةَ وَقَائِعِ الطَّلاقِ بَيْنَ حَدِيثِي الزَّوَاجِ لِهَذَا السَّبَبِ.

إِنَّ التَّرْجَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِمَعْـنَى الْحُبِّ وَلِمَعَانِي الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ لَتَتَجَلَّى فِي الصَّبْرِ وَالتَّضْحِيَةِ مِنْ كِلا الزَّوْجَيْنِ، وَبِهَذَا وَاجَهَ السَّـلَفُ الصَّالِحُ لأْوَاءَ الحَيَاةِ وَمَشَاقَّهَا، جَاءَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ:(تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ فَرَسِهِ; فَكُنْتُ أَسُوسُهُ وَأَعْـلِفُهُ، وَأَدُقُّ لِنَاضِحِهِ النَّوَى، وَأَسْـتَقِي، وَأَعْجِنُ، وَكُنْتُ أَنْـقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا، وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَدَعَانِي، فَقَالَ:(إِخْ إِخْ)، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاستَحْيَيْتُ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيرَتَهُ، قَالَتْ: فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَيْـتُ الزُّبَيْرَ أَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: وَاللهِ، لَحَمْـلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ ـ صلى الله عليه وسلم)، فَيَا اللهُ مَا أَجْمَلَ هَذَا التَّعَاطُفَ، وَمَا أَجْمَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ وَتِلْكَ التَّضْحِيَةَ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَافِظُوا عَلَى مَمْـلَكَتِكُمُ الزَّوْجِيَّةِ، حَصِّنُوهَا مِنْ كُلِّ مَا قَدْ يُزَعْزِعُ استِقْرَارَهَا، أَوْ يَهُدُّ بُنْيَانَ سَكِينَتِهَا، أَلا (فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْـتَحْـلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)، (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة ـ 237).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِلْبَشَرِ صِفَاتٍ تُورَثُ مِنَ الآبَاءِ لِلأَبْـنَاءِ، وَتَنْتَقِلُ عَبْرَ الأَجْيَالِ، مِنْ تَرَائِبِ النِّسَاءِ وَأَصْلابِ الرِّجَالِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِلسَّلامَةِ أَسْبَابَهَا، فَلا يُؤْتَى إِلَيْهَا إِلاَّ مِنْ بَابِهَا، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَاعلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ مِمَّا يُنْصَحُ بِهِ الأَزْوَاجُ قَبْـلَ زَوَاجِهِمُ الدُّخُولَ فِي بَرْنَامَجِ الفَحْصِ الطِّبِّيِّ قَبْـلَ الزَّوَاجِ، وَهُوَ بَرْنَامَجٌ يَقُومُ عَلَى إِجْرَاءِ فُحُوصَاتٍ لِلْمُقْـبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانُوا حَامِلِينَ أَوْ مُصَابِينَ بِأَحَدِ الأَمْرَاضِ الوِرَاثِيَّةِ، وَإِعطَائِهِمُ المَشُورَةَ وَالنُّصْحَ المُنَاسِبَ، مِنْ دُونِ التَّدَخُّلِ فِي حُرِّيَّةِ اختِيَارِهِمْ. فَهُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ الأَمْرَاضِ الخَطِيرَةِ كَالتَّخَلُّفِ الْعَقْـلِيِّ، وَمَرَضِ الْكَبِدِ الْوَبَائِيِّ، وَفَقْرِ الدَّمِ الْمِنْجَلِيِّ .. وَغَيْرِهَا مِنَ الأَمْرَاضِ الَّتِي تَنْتَقِلُ وِرَاثِيًّا مِنَ الآبَاءِ إِلى أَبْـنَائِهِمْ، وَهَذَا يَقَعُ غَالِبًا فِي زَوَاجِ الأَقَارِبِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الآبَاءِ مَنْ هُوَ حَامِلٌ لِلْمَرَضِ غَيْرُ مُصَابٍ بِهِ، لَكِنَّ زَوَاجَهُ مِنْ شَخْصٍ ذِي صِفَاتٍ وِرَاثِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ يُنْتِجُ أَبْـنَاءً مُصَابِينَ بِتِلْكَ الأَمْرَاضِ، فَتَبْدَأُ الأُسْرَةُ مِشْوَارَهَا فِي الْمُعَانَاةِ نَفْسِيًّا وَمَادِّيًّا، مُنْفِقَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتَ وَالْمَالَ.
إِنَّ الْفَحْصَ الطِّبِّيَّ قَبْـلَ الزَّوَاجِ يُعِينُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى أَنْ يُعِيدَا تَرْتِيبَ شُؤُونِ زَوَاجِهِمَا، وَهَذَا ـ لا شَكَّ ـ لَهُ دُوْرٌ فِي الْحَدِّ مِنَ انتِشَارِ الأَمْرَاضِ الْوِرَاثِيَّةِ، وَخَفْضِ مُعَدَّلِ وَفَيَاتِ الأَطْفَالِ، وَالْحِفَاظِ عَلَى تَمَاسُكِ الأُسْرَةِ وَاستِقْرَارِهَا.

فَاحرِصُوا ـ وَفَّقَكُمُ اللهُ ـ عَلَى كُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْهِمَ فِي هَنَاءِ حَيَاتِكُمُ الأُسْرِيَّةِ، وَاستِقْرَارِ عَلاقَتِكُمُ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْعَاقِلُ يَتَخَيَّرُ لِنُطْـفَتِهِ مَا يَظُنُّ فِيهِ الْخَيْرَ وَالصَّلاحَ. جَعَلَ اللهُ حَيَاتَكُمْ هَانِئَةً مُطْمَئِنَّةً، تَسْـكُنُهَا الْمَوَدَّةُ، وَتَشْـمَلُهَا الرَّحْمَةُ، وَيَسُودُهَا التَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان ـ 74).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.

اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.

اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.

عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى