الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (2)

العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (2)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
ذكرنا في لقاء سابق ما كان قد تفوَّه به هذا الهدهد، صاحب الاعتقاد السليم، والقلب الحي المتيقظ، المملوء بالنشاط والإيمان والحيوية وحب الله وطاعته وعدم الإشراك به، المدرك لرسالته، الفهم لطبيعة وجوده في الحياة، وقد رفع إلى سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ تقريراً مفصلاً وصادقاً وواقعياً عن بلقيس، وقومها الذين كانوا يعبدون الشمس من دون الله، وعرفنا ماهية التقرير وعناصره وأركانه، وكيف يتكون، وما أهم ما يذكر في التقرير، وسماته وضوابطه، وهو بحق تقرير عجيب من الهدهد العارف بالله، الذي هو على علم تام بمولاه ـ جلَّ في علاه ـ حيث ذكر الظاهرة، وفسرها، وأتى بأسبابها، وختم بحلها، وعالج القصور الوارد فيها.
ثم يعقِّب برسم طريق الإصلاح، وإبداء سبيل الفلاح:(ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون الله لا إله إلا هورب العرش العظيم)، وأخذ سيدنا سليمان هذا التقرير مأخذ الجد، وعلى الفور قال:(سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)، وبدأ بالدراسة والبحث، حتى لا يتخذ قراراً في غير محله، أو يرى رأياً مغايراً لما عليه وضع مملكته، ثم هداه ربه أن يرسل على التو والفور الهدهد نفسه إلى هؤلاء القوم بكتاب كتبه لهم، وعليه أن يتريث حتى يرى صنيعهم ليبني عليه خطته المستقبلية بشأن تلك المملكة الخارجة عن طاعة السماء، وقال للهدهد:(اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تولَّى عنهم فانظر ماذا يرجعون)، وفى التو أخذ الهدهد مأخذ الجد ليلقيَه بين يدي بلقيس ملكة سبأ لتأخذه بنفسها، وأقّرَّتْ لتوها بعد رؤيته بأنه كتاب كريم، حيث استغل سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ العلم ومراقيه بأنْ كتب عبارته الدقيقة، البليغة، المختصرة، المركزة، ثم مهره بخاتمه، والملوك يعرفون أنَّ مثل هذا الصنيع هو صنيع أناس تحضَّروا، وملوك لهم وزنهم، وفي المملكة تأصلوا، وقدرهم ساد بين الناس، وعليه درجوا وتعرفوا، وإلا فما الذي حدا ببلقيس ملكة سبأ لأول وهلة أن تصفه بأنه كتاب كريم)؟!، حيث قالت ـ كما حكى القرآن الكريم:(يا أيها الملأ إني أُلقيّ إلىّ كتاب كريم)، فما الذى أعلمها أنه كريم؟!، وما العلامة التي جعلتها تتعجل هذا الوصف للكتاب؟!، إن الكتاب أرسل وفْق أعلى صفات الرسائل الملكية من حيثُ وضعه في قطيفة، من نوع فريد، داخل صندوق جميل، وختمه بخاتمه، والكبار يعرفون قدر تلك الرسائل، ثم قالت:(إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
كلمات مختصرة، كما يفعل الملوك وكما هي عادة الحكام العظام ،فذكرت الرسالة والمرسل ومضمون الرسالة، أمام قومها، وملئها المفضل، وجلسائها المقربين: قالت:(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)، ويبدو هنا أنها هي الأخرى حكيمة، وتعرف أصول النقاش، وضرورة الشورى، فهي تريد لعقول قومها أن تعمل ولآرائهم ـ بكل حرية ـ أن تُعرض، فراحوا يتداولون الأمر، فعرض هؤلاء عليها من بين ما عرضوا أنهم قوم أولو بأس شديد، وأنهم طوع يديْها، ورهن إشارة أصابعها، وأنهم جاهزون لتدمير أيِّ أحد يريد أو يفكر في أن يعتدى على بلدها، ومملكتها، فحكى القرآن قولهم:(قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)، فعادت الملكة، فذكرت أن الملوك يغترون بعزهم وأموالهم وقواتهم وجيوشهم، وأنهم يُذِلُّون ـ إذا دخلوا بلداً ما ـ أعزَّ أهلها، ويفسدون في الأرض، وجاء القرآن الكريم فأكد على كلامها، وثمن رأيها، وأبقاه خالداً في سطوره، ناصعاً في صفحاته:(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)، ثم راحت وهداها علمها وفكرها وكونها ملكة، تعرف كيف تخاطب أمثالَها من الملوك والحكام، أن تعمل شيئاً عجيباً، ولكنها هذه المرة وجدت نمطاً آخر يختلف عن كل الملوك السابقين الذين تعاملت معهم، وجدت نمطاً يتخذ من العلم وسيلة لهداية الناس، وأداة تمهِّد السبل للحائرين المتخبطين في دنيا العقيدة، فأرسلت هدية قيِّمة مع مراسليها المعتمدين عندها، تنتظر ردَّ هذا الملك الذي له طبيعة خاصة، وهو سيدنا سليمان ـعليه السلام ـ قالت:(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)؟!، ولكن لم يرُق هذا الصنيع لسيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ بعد أن جاءه الرسول، واستعد، وتجهز لضرب الشرك في عقر داره، فإما أن يرضخوا لله، ويُسلموا القياد لربهم، ويعبدونه حق عبادته، وإما أن يكون هناك أمر آخر، فلما جاء الهدهد سليمان قال القرآن الكريم:(فلمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُون، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)، ثم راح يستغل العلم في هداية هؤلاء، فهو يملك القوة، ويملك العلم والحكمة، وتحت يده ما شاء الله من القوة والعتاد والعدد ما لا قبل لأحد به، ثم عرض على ملئه عرضاً غريباً وعجيباً، وهو نقل العرش كاملاً بحجمه وغرفه وأساساته وأثاثه، وكل ما فيه إليه في مملكته، شيء لا يتصور، وجهد لا يتخيل، أن تنقل عرشاً من اليمن إلى بيت المقدس بكل متعلقاته وكمالياته وأساسياته دون أن يُصاب بأيِّ تغيير، وفي لمح البصر:(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) والمرء يتعجب كيف علم أنهم سيأتونه مسلمين؟! ذلك لأن هذه السيدة متحضرة، وتقدر العلم وأهله، ومن بيت مُلك وحسب، ومن أصول ونسب متأصل في الغنى والحكم والملك، عرض هذا الطلب على الملأ، فقام واحد يمثل عالم الجن المسخر وقال:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)، وكان مقامه يقتضي بعض الساعات التي يجلس فيها للقضاء والنظر في المملكة على اتساعها، ولكن واحدًا آخر عنده علم من الكتاب، وآتاه الله العلم اللدني قال له:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، وهذا كناية عن السرعة الخارقة الخاطفة التي هي أسرع من اللمح، فالعلم يصنع الأعاجيب، خصوصاً إذا كان صاحبه ذا صلة بالله عزوجل وعلى قرب من الله ـ تبارك في علاه ـ ثم قال القرآن مباشرة :(فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ) أي: أن الذي عنده علم من الكتاب نفَّذ كلامه في التو واللحظة، وحمل العرش كاملاً بين يدي سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ ولكن العلم الذى آتاه الله لسيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ علمٌ رجَّاع أوَّاب، يرجع به إلى صاحبه دائما الفضل إلى الله ـ جلّ جلاله:(فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)، وكمل حديثنا حول العلم والعلماء الذين هم على صلة بالله ودورهم في تطوير المجتمعات، وتقديم سائر الخدمات في لقاء آخر، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى