الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / فيلم فوتوكوبي عودة بقوة إلى سينما الإنسانيات والعاطفة الجياشة
فيلم فوتوكوبي عودة بقوة إلى سينما الإنسانيات والعاطفة الجياشة

فيلم فوتوكوبي عودة بقوة إلى سينما الإنسانيات والعاطفة الجياشة

القاهرة – من حسام محمود:
تؤكد السينما المصرية أنها مازالت بخير فمن خلال فيلم “فوتوكوبي” عادت بقوة لفنون الإنسانيات، حيث يستحق هذا الفيلم أن يشاهده الجمهور . وبطل الفيلم ينتمي إلي الماضي بحكم سنه. ولكن الفيلم يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً. هذه السينما الإنسانية الجميلة كدنا أن نقول إننا فقدناها للأبد بعد رحيل محمد خان ولكن المخرج تامر عشري في أول أفلامه أعاد سينما محمد خان إلى الحياة.
لوحات تمثيلية
شارك الفيلم في مهرجان “الجونة” السينمائي في سبتمبر الماضي. وحصل علي نجمة الجونة الذهبية كأحسن فيلم عربي. وهو من تأليف هيثم دبور الذي رصد بعين الصحفي أن القديم يجاور الجديد في شوارع القاهرة. وأن محل “محمود فوتو كوبي” لصاحبه “محمود حميده” الذي وصل لسن المعاش يلاصقه “سايبر فيروس” لصاحبه الشاب “علي الطيب” و”محمود” الذي كان يعمل في قسم الجمع بأحد الدور الصحفية. وهي من المهن التي كادت تنقرض مثل الديناصورات بعد أن اعتاد الجيل الجديد من الصحفيين كتابة موضوعاتهم الصحفية علي الكمبيوتر الشخصي وإرسالها جاهزة إلي جريدتهم. وتدور أحداث الفيلم في منطقة عبده باشا في العباسية وهي منطقة تنتمي للقاهرة الملكية التي أنشئت مع مطلع القرن العشرين.
معني ذلك أن سيناريو “فوتو كوبي” يضعنا أمام مكان ينتمي إلى الماضي ومن الطبيعي أن الذين يعيشون في هذا المكان ينتمون ولو على مستوى القيم الإنسانية إلى زمن غير الذي نعيشه الآن. لكن عم محمود صاحب محل تصوير المستندات يبدو انه يحاول اللحاق بالعربة الأخيرة من قطار الحداثة. ها هو يكتب على الكمبيوتر لبعض الزبائن القليلين. ويحصل علي “وصلة” نت من جاره فيروس .وها هو يقع في حب جارته مريضة السكر الست صفية “شيرين رضا” التي لعبت واحداً من أجمل أدوارها. وكم كان اختيارها مناسباً للدور لأن عمرها الحقيقي أصغر من السن التي ظهرت به في الفيلم. لذلك من الطبيعي أن يجد عم محمود في صفية صورة لجمال كان رائعاً في الماضي. كما ساعد العمر الحقيقي لشيرين رضا لكي تظهر في أحلام “محمود” في صورة الشابة الجميلة القادرة على تحريك عواطف رجل كبير السن مثله وقد ظهر محمود حميدة في أفضل حالاته.
غالبية أبطال الفيلم ينتمون إلى قيم الماضي الجميلة سواء كانوا شباباً مثل الصيدلانية د. داليا “فرح يوسف” والجارة المسيحية الطيبة بسنت “عايدة الكاشف” التي هاجرت إلى استراليا مع عريسها. والبواب الصبي عبد العزيز “أحمد داش” وأسامة صاحب المحل المجاور “علي الطيب” أما صاحب العمارة “بيومي فؤاد” فهو الوحيد الذي ينتمي إلى هذا العصر المادي الفاسد. ولكن كما هي العادة فإن بيومي فؤاد لا يجعل المشاهد يكرهه. وهو ما يؤكد أن نجاح وانتشار بيومي فؤاد لم يأت من فراغ بل لأنه صاحب موهبة وحضور على الشاشة لا تخطئه عين.
أثبت المخرج تامر عشري في أول تجربة إخراجية له قدرته على الاستعانة بعناصر فنية أضافت الكثير إلى موهبته الإخراجية وفي المقدمة السيناريست هيثم دبور ومدير التصوير محمد عبد الرءوف الذي ساهم مع المشرف الفني علي حسام علي في جعل المشاهد يعيش أجواء منطقة عبده باشا بالعباسية. أما المونتير سامح أنور فقد حاول قدر استطاعته تحريك الإيقاع البطيء لبعض مشاهد الفيلم. ولكن الحقيقة أن ذلك البطيء يناسب حركة بطلي الفيلم وهما رجل في سن المعاش وامرأة مريضة غير قادرة على الحركة.
سينما التأريخ
يبدو أن محمود حميده على موعد مع دار سينما ديانا “التاريخية” والتي سعدنا بأن وزارة الثقافة المصرية اعتبرتها من الآثار الفنية الباقية في مصر. وقد ظهر حميده في هذه الدار ضمن أحداث فيلم “بحب السينما” مع المخرج أسامة فوزي وفي “فوتو كوبي” يذهب مع شيرين رضا. وهما والسينما الأثرية ينتميان للزمن الماضي ولكن رواد السينما مثل خيري بشارة وأمير رمسيس ينتميان إلى هذا العصر الذي ينظر إلي أمثال محمود وصفية بعين الكراهية وكأنهم يسألون: لماذا هؤلاء الناس مازالوا علي قيد الحياة؟ والطريف أن الطفل يوسف عثمان هو نعيم في فيلم “بحب السيما” أصبح الشاب الذي يكتب بعض الأوراق علي كمبيوتر عم محمود ويشتري الورد الأحمر لحبيبته في “الفلانتين”. بعدها يعرف محمود معني كلمة “سينجل” يعني “وحداني” ويقول لنفسه بعد ذلك “أنا قررت أعيش”. وبدأ يشعر بعاطفته تجاه صفية وهو يريد “التواصل الإنساني” معها وفي تعبيراتنا الشعبية الجميلة “ياخدوا حس بعض”.
وقد اعتمد فيلم “فوتو كوبي” علي الكثير من التفاصيل التي تشكل العالم الذي سوف يحتمل العلاقة الغريبة بين محمود وصفية وقصة الحب التي تصل إلي محطة الزواج بشهادة اثنين من زبائن المحل الأفارقة: عثمان النيجيري وعثمان السوداني اللذين منحا الفيلم مسحة كوميدية لطيفة. تجعلنا نقول بارتياح إن فيلم “فوتو كوبي” هو هدية من صناعه إلى جمهور السينما المصرية المتعطش إلى الأفلام الإنسانية الرقيقة.

إلى الأعلى