الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / دار الأوبرا السلطانية مسقط تبرز تنوع التقاليد الروحية في أمسية “الإنشاد الصوفي” و”المدائح النبوية”
دار الأوبرا السلطانية مسقط تبرز تنوع التقاليد الروحية في أمسية “الإنشاد الصوفي” و”المدائح النبوية”

دار الأوبرا السلطانية مسقط تبرز تنوع التقاليد الروحية في أمسية “الإنشاد الصوفي” و”المدائح النبوية”

متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي : تصوير ـ خالد البوسعيدي :
في أمسية صوفية تصدرتها المدائح النبوية في ميلاد أشرف الخلق وخير البرية محمد عليه أفضل الصلاة والسلام .. أقيمت مساء أمس الأول في دار الأوبرا السلطانية مسقط أمسية “الإنشاد الصوفي” بمشاركة مجموعة الصفا للإنشاد الديني من السلطنة ، وفرقة نجم الدين سيف الدين وإخوانه من باكستان ، والمجموعة التازية من المغرب ، وفرقة قدسي إرجونر ومؤذنو إسطنبول من تركيا ، حيث بدأت الفرقة العمانية اناشيدها وقدمت انشودة بعنوان “من مثل أحمد” ، ونشيد “قد تمم الله مقاصدنا” ، وموال “هلالك كم تحن له القلوب” ، بعدها قدمت فرقة نجم الدين سيف الدين وإخوانه عدد من الاناشيد ابرزها نشيد “وحدة الوجود” من الشعر التقليدي الباكستاني ، كما تم إنشاد قصيدة “البردة” للإمام البوصيري ، إضافة إلى “غزل” وهو من الشعر التقليدي للمؤلف احتشام الدين حسين ، بعدها قدمت الفرقة التازية ثلاث حصص من المشاركة ، الحصة الأولى كانت في طبعي الرصد والحجاز بعنوان “تطريب القلوب في ذكرى مولد المحبوب” على إيقاعات “عمارة” و”قدام” و”جلاله” و”درج مهزوز” و”اقتباس ” و”انصراف الدرج” و”مثلث”. اما الحصة الثانية فكانت بعنوان “روح وريحان في ذكر شمائل النبي العدنان” بدأت بتقسم على آلة الناي تلاه إيقاع “درج” ثم “توشيه” ثم “وقفة موال” ثم تغطية “إيقاع قدام” ، وفي الختام قدمت الفرقة التازيه في الحصة الثالثة تقسيك على آلة السارز بدأتها موسيقية وقصيدة لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام.
وفي الختام قدمت فرقة قدسي ارجونز التركية ترتيل لعدد من آيات القرآن الكريم ، تلاه تقسيم بالناي ( كدسي إرجونر” ، تلاه الموسيقى المولوية ، ثم نشيد “طلع البدر علينا” ، ثم “نات شريف” ، ثم “قصيدة” ، ثم عزف بيشرف على مقام “فرحفزا”.
وكانت قد أقيمت ضمن هذه الاحتفائية ندوة حول “الإنشاد الصوفي” قدمت فيها الدكتورة آسية بنت ناصر البوعلي ورقة بعنوان “التصوف الإسلامي : رؤية نظرية عامة والعلاقة بين الفن والتصويف الإسلامي” وسعت في هذه الدراسة في رؤيتها النظرية العامة إلى توضيح تعقيدات تعريف التصوف من حيث اللغة والمصطلحات ، كما تركز الدراسة على إظهار أن ظاهرة التصوف ليست قاصرة على الدين الإسلامي ، فتتناول التصوف الإسلامي وتبرز أصوله الدينية ، كما توضح أن التصوف الإسلامي بوصفه أسلوب حياة له أهدافه وينعكس في عدة أشكال خارقة للعادة ، علاوة على ذلك تركز الدراسة على تبيان دور الموسيقى والرقص بوجه عام في الطقوس الدينية القديمة ، مع التركيز على دورها في التصوف الإسلامي ، ويظهر من خلال توضيح العلاقة بين الفن والتصوف.

اما بيتر بانكي من ألمانيا وهو باحث في علم الحضارة فقدم ورقة بعنوان “الروحانيون والمنشدون ـ الموسيقى الصوفية في وادي نهر سند” وسرد فيها تاريخ استمر خمسة وأربعين عاما من الملاحظة والتدقيق في الثقافة الصوفية في وادي السند ، ومجموعة التعبيرات المتنوعة للأنواع الموسيقية التي لم تحظ بقدر كاف من الدراسة لمنطقة وادي السند بداية من مؤلفات القوالي المطربة المستوحاة من أبيات حب صوفية ، والألحان الرائجة ، ووصولا إلى موسيقى الانجذاب الصوفي البلوشية ، واناشيد الدراويش والفقراء الهائمين المرتحلين ، منذ عام 1969 عندما قضى الكاتب عاما عند ضريح لال شاهباز قالاندار في سهوان شريف وشريح شاه عبداللطيف في بهت شاه ، لم يتعرف على الموسيقى فحسب ، بل أكتشف أيضا الكلمات والصور والألوان والعادات التي تمتزج لتحيك نسيج تلك الثقافة الغنية لوادي السند ، وحينما عاد عام 1997 لتنظيم مهرجان للموسيقى الصوفية للاحتفال بالذكرى الخمسين لباكستان ، وجد الموسيقى أكثر ثراء وتنوعا مما كان يتذكرها ، ومنذ تلك الفترة تغير وضع الأضرحة الصوفية بدرجة كبيرة ، وتوفي الكثير من الموسيقيين الذين دعاهم إلى ألمانيا ، ان كتابه بعنوان “القديسون والمنشدون ـ الموسيقى الصوفية في وادي السند” الذي يضم نصوصا وصورا وموسيقى ، قد طبع في الأصل في ألمانيا عام 2001 ولكنه أعيد طبعه في مطابع جامعة أكسفورد كراتشي عام 2014 ، ويرسم الكتاب الذي يعتبر بمنزلة ذكرى تشهد الأضرحة والموسيقيين الصورة التاريخية اللازمة لمناقشة تاريخ الثقافة الصوفية وحاضرها في باكستان.
ومن السلطنة قدم الباحث جمعة بن خميس بن سالم الشيدي ورقة بعنوان “الإنشاد الصوفي في مالد الهوامة في سلطنة عمان” وقال فيها :”لعل من بين ما يعبر به العمانيون عن ذلك الاعتزاز الكبير والتمسك بالدين ، والحب الشديد للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، خارج إطار العبادات والفرائض والسنن الواجبة ، هو تلك الممارسات الحسنة التي يقومون بأدائها وممارستها في الكثير من مواقف حياتهم الدينية والإجتماعية ، ويتجسد ذلك في آدائهم لأنماط انشادية تقليدية مثل المولد أو المالد بأنواعه الهوامة والبرزنجي والديبعي ، وكذلك في التيمينة والتسبيح ، وغيرها ، حيث يجدون في هذه الأنماط الإنشادية مجالا رحبا للتعبير عما تجيش به صدورهم من صادق الحب والهيام للخالق عز وجل اولا وقبل كل شي ، ثم لرسوله العظيم سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ثم لتلك الديار المقدسة الطاهرة ، وخاصة بيت الله الحرام (الكعبة المشرفة).
وتهدف دراسة “الشيدي” تسليط الضوء على بعض تلك الممارسات الكثيرة المتصلة بمناسبات دينية واجتماعية متجرّة في بعض المواقع من المجتمع العماني ، الا وهي تلك الأنماط الفنية التقليدية ، والتي تعرف بأسم “المولد” ، نسبة إلى مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام حيث تركز الورقة على النمط الفني التقليدي المعروف بأسم “مالد الهوامة” الذي يستمد مادهة أدائه من الشعر الصوفي لأشهر الشعراء في هذا السياق ، كما تبرز الورقة ايضا نصوصا من الشعر الصوفي التي يتم استخدامها من قبل المؤدين في عُمان كمادة في ادائهم الإنشادي ، وهي نصوص ثرية ورصينة لأشهر شعراء التصوف المعروفين في عالمنا العربي الذين اشتهروا بعشقهم وهيامهم الشديد للخالق جل وعلا ، وبتضرعاتهم ابتهالاتهم لله سبحانه وتعالى ، وبمدح وحب الرسول عليه الصلاة والسلام والتغزّل بمناقبه وبصفاته ، فيما يعرف بشعر “القصائد المحمدية” ، كما برزت الورقة ايضا عددا من أسماء هؤلاء الشعراء البارزين الذين يتداولون نصوصهم الشعرية إنشادهم في كثير من حلقات الذكر في هذه الموالد.
وإضافة إلى ذلك فقد ألقت الورقة الضوء على الأشكال الإنشادية ، وتعدد هذه الأشكال بتعدد الأدوار والفصول المتتالية في النمط الواحد ، كما هو الحال في الإنشاد الفردي الذي يتولى فيه المنشد الفرد الدور البارز والاساسي والإبداع في التنغم والترنم بنصوص الأشعار الصوفية للشعراء المتصوفة ، والإنشاد الكورالي الجماعي المتداخل الذي يتم بالتبادل بين مجموعة المؤدين ، وقد اعتمدت الورقة على العمل الميداني في فترات زمنية سابقة وعلى المصادر والمراجع الشفهية والمكتوبة ذات العلاقة بهذا الجانب.
اما قدسي إرجونز من تركيا فقدم ورقة بعنوان “الموسيقى في الطريقة المولوية الصوفية” وجاء في ورقته “خلال العصر العثماني الذي انتشرت فيه الطرق الصوفية المختلفة ، كانت المولوية هي الطريقة الوحيدة التي دمجت بين الآلأت الموسيقية والذكر ، وكان استاذهم جلال الدين الرومي رجلا مرهف المشاعر سريع التأثر ، في رأيه أن صوت الآلات الموسيقية ، ولا سيما الناي أو الربابة ، وصوت المنشد ، وأي صوت عذب حتى صوت صانع الحلي وهو يدق بمطرقته كلها أصوات ذكر الله ، وكانت بداية تعاليمه الشعرية تكمن في كلمة “أستمع” .. أستمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين”.
وفي القرن الرابع عشر قام ابن جلال الدين الرومي الذي يعتبر استاذا ثانيا بعد والده ، بوضع طقوس لتقاليد دراويش المولوية ، وانبثق شكل جديد للموسيقى ليصاحب الطقوس ، ومنذ هذه الفترة ظهرت اكثر من ستين مقطوعة لتشكّل في مجملها تراثا موسيقيا غنيا ، وتعتبر هذه الأشكال في عالم المقامات أكثر الأشكال تطورا وطولا ، إذ تستمر كل قطعة أكثر من 60 دقيقة ، والسماع في الطريقة المولوية يعرف بأسم المقابلة ، عقب تلاوة القرآن الكريم والثناء على النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، يقدم الناي تقاسيم اتجالات على مقام القطعة المختارة ومن ثم تبدأ المقدمة الموسيقية ، في هذا البشرف ، يقدم الدراويش موكبا في قاعة السماع ( سماع خانة) عبر تحية أحدهم الآخر وفقا لطقوس معينة ، ثم تبدأ الموسيقى المؤلفة على أشعار الرومي ويشرع الدراويش في الرقص ، وفي نهاية كل رقصة يتم تقديم موسيقى خاصة على شرف المؤلف والشاعر وليد شلبي .. وقد قدمت فرقتنا مقطوعة “نياز أييني” في مقام سيكا.
تجدر الإشارة إلى ان هذه الليلة تبر قيمتها في تحقيق التنوع الموسيقي الذي تقدمه الدار وتقديم صور من الموسيقى الصوفية التي ترتبط بشكل وثيق مع التقاليد الروحية، وقد أعطت بعض المذاهب الصوفية للموسيقى دورا محوريا كوسيلة للتأمل والسمو الروحي، وقد أخذ أشكالا وطقوسا على امتداد الزمان والمكان، ومن نماذج الإنشاد الصوفي المالد في الثقافة العمانية وهو تقديم المدائح النبوية بإطار إنشادي خاص، وفن القوالي وهو شعر صوفي هندي بكستاني يتم تقديمه برفقة الموسيقى. ويرى الباحث مايكل فريشكوبف من جامعة ألبرتا أن المستمعون يصفون الإنشاد الصوفي دومًا بأنه مليء بالطرب، وتمثل بسماتها الموسيقية وتفاعلياته الآدائية تذكارا لتلك الموسيقى العربية القديمة التي كان يسودها الطرب.

إلى الأعلى