الجمعة 25 مايو 2018 م - ٩ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي

النقد الثقافي

دفاتر الدكاكين.. تركة في بطون المناديس

خلف حجب الوقت، غرقا في (السحاحير) و(المناديس) القديمة، كانت هناك ذاكرة، ربما بسبب تقادم الوقت لم تعد مهمة، ولا تثير انتباه أحد، ولا يستجاي غيابها باحث أو متقص لما وراء السياق.

الذاكرة تحمل بعض فتات ما كان جزءا من يوميات (التطريش) بين البيوت وما كان يعرف في زمن سابق (دكان)، وإن كان المصطلح يتشابه مع غرف أخرى في البيوت ذات وظيفة مختلفة، ولكن الأول كان يحمل دلالة واحدة فحسب، هي مرايا الصلة المركزية مع البيوت، سواء كانت طينية أو من سعف، وسواء استكنّت الأغراض المحمولة من (الدكاكين) في الخيمة (المُوَرْا) أو تحت ظل منامة (دعن) أو (عريش) مربع الشكل أو مستطيله من السعف، لكون الحياة كانت قائمة عليه، وهو يسع الشرائح المكانية المجتمعية كاملة، بمختلف مراحلها العمرية.

هذه (الدكاكين) التي كانت تتراوح طريقة بنائها بين الطين والأخشاب أو كليهما معا، لم تكن عابرة في المجتمع العماني القديم، ولكنها لم تحظ بالتتبع الذي نظن أن أهميته تكمن في دلالاته وإحالاته الكثيرة إلى ما خلف الصورة الظاهرة أمام العين أو الطافية على السطح، لذلك نظن أن مقاربة النقد الثقافي لها ضرورة لا محيد عنها، كي نعيد فهم الشكل الاجتماعي وتعالقه مع التجاري الذي لم تنفتح دفاتر الباحثين له، كما انفتحت دفاتر تلك الدكاكين على البيئات التي انتمت إليها في مختلف جغرافيات السلطنة.

دفاتر

دفتان، بمقاس يأخذ شكل المستطيل، تعددت ألوانه بين الأزرق والرمادي والأحمر الداكن، تحويان أوراقا مخططة بخطوط طولية وعرضية في الوقت ذاته، مع مساحات لتدوين بيانات محددة، هذا نموذج الدفاتر التي كانت عماد الحسابات في (الدكاكين) القديمة التي يملكها عمانيون، وغالبهم من كبار السن، أو يتناوب على البيع فيه أحد الأبناء العارفين بالأسعار والبضائع، ويتم في هذه الدفاتر تدوين ما يباع بالنقد المباشر أو بالدين إلى أجل، وغالبا يكون الأجل نحو شهر من الزمان، بحيث يستطيع كل مشتر سداد ما عليه بعد التوقيت الذي يتم الاتفاق عليه.

في تلك الدفاتر يتم تسجيل البضاعة المباعة، بكميتها وتسعيرتها، نقدا أو دينا، موزونة كانت أو معدودة، مقيسة كانت أو قطعة كاملة، بحيث يتمكن البائع من معرفة حصيلة ما باع مع ربحه، حتى يتمكن من دفع قيمة بضاعته التي اشتراها بالدين في الغالب، وهي مدونة كذلك لديه في دفتر مختلف، حتى لا يختلط عليه رأس مال البضاعة وأرباحها.

هندسة

دكاكين التجار العمانيين قديما تنقسم إلى قسمين (على الأقل كما رأيته على أرض الواقع)، فالنصف القريب من الباب الأساسي يحتوي البضاعة التي يطلبها غالبية المشترين، بحيث تصبح في المتناول، لتتناسب مع سرعة تلبية الطلب، أما النصف الثاني فهو مخزن، يحتوي على البضاعة غير المباعة بعد، بالإضافة إلى بعضها الذي يتم وضعه في (جواني/شوالات)، وهذا ينطبق على سلع محددة مثل: السكر، الأرز، البن، وغيرها.

هذه الهندسة تسمح لمجال الحركة باحتواء المشترين بغض النظر عن أعدادهم، وهم لا يكونون أكثر من خمسة في وقت الذروة البيعية، فضلا عن وجود أدوات للمقاييس والأوزان، فالوزن يكون في نوعين من الموازين، أحدها صغير له كفتان، ويقاس الوزن من ربع الكيلو إلى الكيلو، بحسب طلب الزبون، وبعضها الآخر كبير الحجم، وتختلف فيه نوعية الأوزان مقارنة بما سبقه، فبينما يكون الصغير موضوعا على الأرض، بالقرب من مقعد التاجر على الأرض، يكون الآخر بارتفاع قامة (وهو طول قامة الفرد الواحد)، ليتناسب مع حجم الموزون وكميته؛ أما الأرز فله طريقة وزنية أخرى، وهي المكيال، يبدأ من السدس وينتهي بالكيلوات، بحسب حجم الوعاء وتقدير الكمية التي يحتويها.

تعليم

دفاتر صغار التجار في القرى البعيدة (عمان الداخل) التي تستجلب البضائع من (البنادر) حيث تنزيل البضائع من السفن، ومن ثم تخزينها في مخازن ضخمة بانتظار أفواج التجار القادمين عبر الجبال والسهول والواحات لكي يشتروا حاجاتهم بالسلف والدين حتى مجيء البضاعة الجديدة في وقت آخر، وتسديد ما عليهم من فواتير البضاعة السابقة، تلك الفواتير تحتاج إلى من يدونها فيها ويكتب أسماء البضاعة والأرقام (البعض يكتب السعر بالحروف نيابة عن الأرقام)، تحتاج متعلما يعي القراءة والكتابة، ولذلك كان من يتميز في (الكتاتيب) يحظى باهتمام خاص من لدن التجار، فيصبح هو كاتب ومدون تفاصيل تجارة كل تاجر، أما بعض التجار فكانت لديهم القدرة على القراءة والكتابة، وكلا الصنفين كانا يعكسان وجود التعليم التقليدي، ووجود نوابغ فيه، تعكس طبيعة الفروق الفردية بين متعلم وآخر، بين عادي ومختلف.

بملاحظة خطوط الكتابة في تلك الدفاتر سنجد أنها عادية، ومن النادر رؤية خطوط جيدة أو ممتازة، ولكنها تبقى حروف تستطيع إيضاح التفاصيل التي يحتاجها التاجر لتقييد حساباته، أو تلك التي يريد فيها إيضاح تفاصيل المشتريات لمشتر يعتمد على ذاكرته في استرجاع بيانات مشترياته، بسبب نسيان أصابه.

سلع غذائية

بالحديث عن السلع التي كانت توفرها (الدكاكين) في مراحل الستينات والسبعينات في السلطنة، يمكن تقسيمها لفئات عديدة، فهناك بضاعات تخص مأكل ومشرب الأسر بشكل عام، وهناك ما يخص المرأة فقط، وهناك ما يخص الأطفال، وهناك ما يخص المهن، وهناك ما يخص الملبس، ويمكن ذكر نماذج لأسماء البضائع بناء على محفوظ الذاكرة : الأرز، السكر، دقيق الشاي، البن، الطحين، العسل (دبس النخل)، السمك المالح، الأقمشة وخلافها بحسب مستخدميها من رجال ونساء بأنواعها (الفالينة، الإزار، الكميم البيضاء، الشيت، الدرياهي، الفولك، السيم، الغولي، وغيرها)، البسكويت والحلويات للأطفال.

حراك اقتصادي

تشكل دفاتر تجار المفرق الصغار في البيئة العمانية مرجعا مهما لفهم طبيعة الاقتصاد في القرى والولايات البعيدة عن السواحل والأسواق الكبرى (البنادر)، بخاصة على مستوى الإقبال على السلع وأنواعها، والسلع الموسمية، والسلع القروية الصنع، والاستخدامات الكمالية في الملابس وغيرها لدى الرجال والنساء، وأنواع النقود المستخدمة في التبادل السلعي، وأسعار السلع ارتفاعا وانخفاضا، إقبالا وإدبارا، هذا الحراك ـ على الرغم من بساطته ـ لكنه يعكس جوانب مخالفة ذات صلة بالمرحلة التي تنتمي إليها، وعلاقتها بظروف الموردين، وارتباط الموردين بالظروف المحيطة التي تساعد على توفير السلع من عدمها.

ولعل من يبحث عن ظروف التجارة والاقتصاد في مراحل الخمسينات من القرن الماضي على سبيل المثال في القرى، لن يجد من يمده بمعلومة دقيقة، في حين أن حصوله على دفتر بائع واحد محفوظ لدى أحفاده أو أبنائه، كفيل بإماطة اللثام عن مرحلة محددة ، بخاصة أن التأريخ لديهم آنذاك كان يرتكز على التقويم الهجري على وجه الخصوص.

توثيق ببليوجرافي

في دفاتر الدكاكين القديمة يمكن تحديد ببليوجرافيا واضحة بسكان المكان، مما يعطي بيانات تقريبية حول أعداد السكان من واقع ما يطلبونه من بضائع، ومن واقع الكميات العددية لكل أسرة، فهي مفيدة في وضع بعض البيانات حول أشياء قد تفيد في رسم خارطة معلوماتية حول مكان ما.

خاتمة

نظن أن صنع علاقة بين المراحل والأماكن واستجلاء حياتها الاجتماعية والاقتصادية، ومدى استقرارها أو الترحال الذي فيها، فضلا عن الصلات التجارية بين الأطراف والمراكز من واقع الموردين والمستوردين، كل ذلك سنجد توضيحات ملفتة عنه في تلك الدفاتر، دفاتر الدكاكين..

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى