الإثنين 26 فبراير 2018 م - ١٠ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة الممكن وإمكانية القراءة

قراءة الممكن وإمكانية القراءة

الأبعاد الحقيقية لقصيدة “لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح” لـ يحيى السماوي من منظور الشعر السياسي ( 1 )

يعتبر الشعر السياسي أحد أهمّ الأغراض التي تناولها الشعر العربي منذ القدم ، وتحديدا منذ ظهور الدعوة المحمدية ، وإن كان هذا لا يلغي وجود إشارات هنا وهناك في ثنايا الشعر الجاهلي ، جاءت عرضا ولا تمثل اتجاها أو فكرا أصيلا قائما بذاته ، إلا أن ظهور الدعوة المحمدية وما تبعه من انقسام المجتمع العربي إلى فريقين كلٍّ يدعو إلى مبادئه ويواجه خصومه ، ويدحض أفكاره ، يعتبر بحق تأسيسا لهذا الاتجاه في الأدب العربي عموما والشعر خصوصا .
ونظرا لحيوية هذا الاتجاه والاتصال الوثيق بالتغيرات المتلاحقة المجتمعية و الأيدلوجية المحركة لهذه المجتمعات ، ما جعل نطاق الشعر السياسي شديد التحول بين انصبابه على مجال معين بدءا من الدفاع عن العقيدة مع بدايات الدعوة المحمدية إلى شمولية النطاق ليشمل الانتصار لانتساب معين وإحياء للعصبية القلبية في العصر الأموي تبعا لظروف تاريخية وسياسية للخلافة الأموية ، وترسيخ ذلك مع العصر العباسي الثاني تجديدا ودخول عناصر فاعلة في الحياة السياسية كالأتراك والفرس بجانب العنصر العربي أو كما عرفت هذه الظاهرة بالشعوبية ، إلى أن وصل الأمر إلى العصر التركي ( عصر الخمود والانحطاط ) ليتجمد هذا الاتجاه شأنه شأن كل اتجاهات الشعر والأدب العربي .
ومع دخول الوطن العربي مرحلة حاسمة بانهيار الإمبراطورية العثمانية ( الرجل المريض ) وانقسامها إلى مناطق نفوذ للقوى الجديدة والمهيمنة على أوجه الحياة فيه ، والذي كان انبعاث الكلاسيكية في الأدب العربي وجها من أوجه الرفض أو المقاومة ، ما جعل الشعر السياسي يدخل حيزا جديدا ، يدخل معنى الرفض سواء أكان في صورة إحياء للقديم أو للتراث عموما ، تأكيدا على الهوية العربية مقابل أوربة الشخصية العربية ، أو في صورة إنتاج شعري يؤيد الخلافة ويترحم عليها ، أو يحارب فكرة الاستعمار في المجالات المتعددة ، ويؤكد على أصالة الشخصية العربية ويدعو لها ، ومع تبلور الفكر السياسي والاستقلالي لدى هذه الشخصية ، بجانب تنامي الحس القومي والاعتزاز به ووقوع الوطن العربي تحت سيطرة الاتجاهات الأيدلوجية المختلفة وتباين الأنظمة العربية ذاتها ، ثم ما تبعه ذلك من ظهور التيارات الشعرية المختلفة وإن كان ظهور التيار الحداثي ( شعر التفعيلة ) كان العامل الحاسم في انبعاث الشعر السياسي بمفهومه الجديد أو ما يعرف به الآن ما جعل أيضا هذا المصطلح مصطلحا فضفاضا ينضوي تحت لوائه ما يسمى بشعر القوميات وشعر مقاومة المحتل ومن ثم طرف ثالث وهو ما يمكن أن نسميه شعر مقاومة الأنظمة المستبدة أو شعر الرفض .
هذه المقدمة التاريخية لا تهدف إلقاء الضوء على عمومية الشعر السياسي ، وإنما تهدف إلى تتبع تطور مفهوم هذا المصطلح من خلال بيان مسيرة الشعر السياسي ومنشأه ، ومن ثم تحديد موقع القصيدة من الشعر السياسي والذي على أساسه تظهر أغراض وتنهار أغراض وتتحول ثالثة نظرا لارتباطها الشديد بالمتغير المستمر ونقصد به التغير المجتمعي والأيدلوجي .
الرؤية الجمالية للشعر السياسي وقصيدة لي ما يبرر :
( إن ما نستخلصه من عرض تولستوي هو أن قيمة ما هو فني سواء أكان قصيدة شعر أو سيمفونية أو تمثالا يعتمد اعتمادا كليا على تأثيره على الشخص الذي يحاول إدراك الجمال فيه ، فالفن بالنسبة لتولستوي هو انتقال الانفعال ) ـ عطية / ماهر 2003 .
لا شك في أن فهم القيم الجمالية وبالتالي المقاييس الجمالية لأيّ عمل ما ليس عملا ثانويا ، بل عملا أو جزءا أصيلا من فهم العمل ككل ، وبوابة شرعية للوصول إلى المستويات العميقة للمعنى وإدراك نوعية الاستراتيجية المستخدمة في النص مما يعني فهما شاملا للشكل الجمالي للنص .
ولا شك أيضا أن لفهم الشعر السياسي ( ومنه قصيدة لي ما يبرر وحشتي للشاعر ) بوابته الشرعية والصائبة ، وهي الرؤية الجمالية وأسسها ، وذلك أن تلك الأسس وهذا الشكل الجمالي هما المحددان لاستراتيجية النص وبلوغ غايتها الجمالية .
وعليه فإن مفتاح الفهم الحقيقي وبامتياز المعرفة الصحيحة لحقيقة الفن لدى تولستوي ، والذي حاول أن يحدد ملامحه في كتابه ( ما هو الفن ـ 1896 م ) ( والذي جاء في بيئة تميزت بالمعارك العنيفة بين المذاهب النقدية المختلفة وظهور شعارات متعددة لدى رواد الواقعية والطبيعية في الفن والأدب ) ـ عطية / ماهر 2003 م ، مما حدا بالمفكرين الاشتراكيين إلى الاتفاق معهم في ضرورة ارتباط الفن والأدب بتصوير الواقع الاجتماعي ، ( وكان من أثر ذلك ظهور قصة البؤساء لفكتور هوجو والتي كانت استجابة لهذه الدعوة ) نفسه .
لذا فإن تعريف الفن لدى تولستوي ( ينأى عن الأخذ بالتصورات التي تدور حول فكرة الجمال الغامض أو التعريفات اللاذية التي تعرف الفن على أنه يشبع في الإنسان لذات معينة ، وإنما يعرف تولستوي الفن بأنه نشاط انفعالي أو هو بمعنى أدق لغة توصيل للانفعالات ) أميرة حلمي 2003 م
وعليه فإن تولستوي استمد معاييره الفنية أو الجمالية اعتمادا على فهمه لمهمة الفن والأدب حيث رأي ( أن انتشار العمل الفني هو مقياس لأصالته وجودته ) نفسه .
وبعيدا عن صحة هذا الرأي أو خطأه أو الانتقادات لتلك الرؤية الجمالية المرتبطة بأيدلوجية ما للفن ، فإن الشعر السياسي والذي هو في الأساس موجه إلى البسطاء ومعتمدا على تذوقهم والثقة في هذه الذائقة ( كما صرح الشاعر السوفيتي بلوك بأن الفن الحق هو الذي تتحد روحه بروح شعبه وتصل إلى جذور أمته ويستمد الخلق من فنه ) نفسه ، ولذلك فالمقياس الجمالي لدى تولستوي هو مقياس كمي يأتي نتيجة انتقال الانفعال وبذلك فإنه يرفض أن يكون الفن مجرد تأمل أو رؤية تشيع اللذة في الإنسان ( وإنما هو أداة لتحقيق القيم الديمقراطية بين أفراد المجتمع ) نفسه .
لذا فسقوط القيم الأرسطية ذات الأبعاد الرياضية الإقليدسية والنافية لأي تناقض والقائمة على التجسيد والتشخيص في البلاغة التقليدية أمر طبيعي ولا ينافي الوجه الحقيقي للشعر السياسي ومنه قصيدة الشاعر السماوي ، فليس المطلوب إذا التجسيد أو التشخيص للفكرة أو تقريبها كما اعتاد الكلاسيكيون في استراتيجيتهم ورؤاهم للقصيدة وخاصة مع ظهور ما يسمى بشعر الرفض والذي كان مهتما بالجزئيات أو الرؤية الجزئية للصورة لعرض الواقع الرافض للاستبداد وتحوله بعد ( لا تصالح أو الوصايا العشر ) القصيدة الفارقة للشاعر الكبير أمل دنقل ، نقول وتحول هذا الشعر إلى الصور الكلية لهذا الواقع الاستبدادي .
فمن الطبيعي أن يتجه السماوي إلى استراتيجية السرد أو الحكي واعتماد الشكل المستطيلي في البناء المعماري للقصيدة ، وتصبح الشخوص المطروحة والممثلة للأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والأسطورية هي المسؤولة مسؤولية كاملة ومباشرة لنقل الانفعال كغاية جمالية ليس من خلال مجاراتها بل من خلال فلسفة ومنطق حركتها وتحولها لمجاراة الواقع الاستبدادي والمعايش في أسلوب ساخر كنتيجة حتمية مقابل الواقع المعاش للمتلقي العادي .
فالصورة الشعرية إذا تسقط من حساباتها ما يعرف بألوان البيان إلا ما جاء عرضا لتبرير بروز البديل الحركي والبصري والسمعي للصورة الساخرة وكمكون أساسي للمشهد التمثيلي القائم على السردية ، والمحرك الخفي لسلطة المكان لشخوص السرد ، والواضح من خلال نمذجة هذه الشخوص لتمثل الشرائح المختلفة للمجتمع وكذلك من خلال حركتها ونوعية نشاطها الحركي ، مما يعني بروز الانزياح المعنوي المطلوب للانتقال الانفعالي كغاية جمالية مطلوبة ما يعني التعاطف التام والكامل لهذا المشهد .
إذا فلا لوم على الشاعر إن لم يلجأ إلى الأساليب المتعارف عليها في بناء القصيدة العمودية أو حتى التفعيلة من صور بيانية أو رمزية إلا في نمذجة الشخوص لو اعتبرناهم رموزا ، بل بذلك يكون الشاعر قد حقق أهم معادلا للقصيدة السياسية الجيدة ودال على صحة التجائه للبديل من صور تعتمد الحركية والبصرية والسمعية ، والأسلوب السردي لهذه الصورة الساخرة المبكية .
فالصورة الشعرية إذا أسقطت من حساباتها ما يعرف بألوان البيان إلا ما جاء عرضا ، لتبرز البديل الحركي والبصري والسمعي كمكون أساسي للمشهد السردي والانزياح المعنوي للانفعالية ، بل والتعاطف تحت سلطة المكان ( المحرك الخفي لهذه الشخوص والصورة معا ) .
فالاختيار لنمذجة الشخوص المعبرة عن مجتمع يميل أن يكون مجتمع القرية وما يترتب عليه من أخلاقيات وسلوك اقتصادي وتعاملي فطري تارة و التحولات على تلك الشخوص للخلاص من المأزق الاقتصادي والسياسي النابع إما عن جهل أو خوف متأصل في الخلفية التاريخية والثقافية لهذا المجتمع تارة أخرى ، تجعل من سلطة المكان هو المتحكم الوحيد فيها ، وإن لم يتدخل تدخلا صريحا ومباشرا ، إلا أنه يبقى المؤثر الأقوى على المستوى الحركي لعملية التحول والرؤية المستقبلية الفاشلة وبالتالي النهاية المتوقعة والمؤدية للوحشة في النص ، ما يعني ضرورة الكشف عن الأبعاد الحقيقية لهذه الشخوص .

هشام مصطفى
شاعر وكاتب مصري

إلى الأعلى