السبت 26 مايو 2018 م - ١٠ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / (كيدها) لعبد الحميد الطائي ..

(كيدها) لعبد الحميد الطائي ..

هل يجد القتلة بأرضنا لذة؟!

لم يشأ عبدالحميد الطائي أن ينصرم العام ٢٠١٧ دون أن يقفو أثره في الضمير العربي ويجسم وقع أحداثه وتأثيرها على المنطقة العربية وإنسانها بشكل خاص.
مثل العام ٢٠١٧ وصمة سوداء في مسيرة الأمة العربية عبر تاريخها الحافل بالنكسات .. حيث شهد العام الماضي انعطافة خطيرة على صعيد الانهيارات العربية المتلاحقة تمثلت في خنق وإقصاء قضايانا السياسية الكبرى العادلة والتخلي عن كثير من قيمنا وثوابتنا التي ناضل الشرفاء من التنويريين العرب لأجلها عبر حقب طوال.. لتشيع على أنقاضها نبرة التخلي عن حقوقنا التاريخية المغتصبة وأهمها القدس ويعلو خطاب التطبيع الممنهج والعلني مع الكيان الإسرائيلي الغاصب وتجريم المقاومة وتقزيم الممانعة وتعويم الأخلاق وتكريس أدبيات الذوبان والعولمة والتبعية والانهزام والاستسلام .. حتى أننا بدأنا ننظر إلى إسرائيل والعلاقة معها بمنظور الصديق والشريك في رسم الشرق الأوسط الجديد.. ما ترتب عليه ضياع الأرض وهتك الأصول وتشويه الهوية.
ذلك التخلى عن القضايا الجامعة والقواسم المشتركة قابله على نحو مريب نكوص الى القطرية وإعلاء شأن الهويات الضيقة وتأزيم العلاقات العربية البينية عبر سطوع فجائي لفقاعات أعلامية وسياسية تلعب على وتر الاختلافات العبثية في المذاهب والعصبيات والفروقات الإثنية والفكرية والمناطقية.
تلك هي ثمرة (الكيد) العظيم من أطراف تٱمرية في الخارج وأخرى أشد خبثا ومكرا وتمصلحا في الداخل .. (الكيد) الذي ينبه عبدالحميد الطائي إلى أنه أفقد الأمة وعيها وضميرها .. فضاعت معالم الطريق بفقدان البوصلة الأخلاقية.. حيث لا شيء بعد كل هذا التيه قابل للتنبؤ والاستقراء في فسيفساء الضلال والضياع والتمزق.
مشهد الدمار الشامل عربيا
وقفت النخبة المثقفة إزاءه مواقف متباينة .. بين عاجز ومذهول ومتأمل ومتألم ومقتنص ومتفرج ومنحاز .. كثيرون سقطوا مع الساقطين .. إلا أن الأقلام الحرة أبت إلا أن تراهن ولو على جمرة وحيدة تتقد تحت الرماد .. فثبتوا على المبدأ والقيمة والجوهر رغم كثرة الزبد.. وارتقوا في مواقفهم وكتاباتهم في أوج الانحدار متشبثين بشعرة الوعي أو بما بقي منه انتصارا للقيم الحقيقية.
عبدالحميد الطائي – عبر مضامين وإشارات كتابه الجديد – واحد من هذه الأقلام النبيلة التي ظلت تراهن على قوة الكلمة وصلابة الحرف وحساسيته في نشدان الجمال وإعلاء قيم الحق والخير والعدل وتقريع الكائدين والمتٱمرين والمفسدين في الأرض العربية. قتلة الإنسان ومغتصبي أرضه وكرامته وحريته.. يقصف بحروف ملتهبة العابثين بنسيج الأوطان ومزوري التاريخ وصناع الموت والكراهية .. ويجلد بسياط الحرف اللاهبة ظهر الغدر والنصب والخسة ومدعي الفضيلة وذوي النوايا السوداء غدرا في خاصرة الأمة.

على غير العادة في سلسلة (حواس حروف) التي توالى صدورها في عدة أجزاء.. أطل عبدالحميد الطائي علينا بكتاب جديد من منشورات (الوطن) تحت عنوان (كيدها).
كتاب بحجم (الكف) يحاول استقراء ما لم تدركه الحواس.. مدعم بصور مؤثرة جارحة وبلغة مقطرة من صميم الوعي أكثر جرحا وتأثيرا وتصيب أهدافها في مقتل .. أراد الطائي ربما أن يوجه صفعة لأهل الكيد ورعاة المكيدة .. زارعي الشرور والفتن والدسائس لتدمير الإنسان والوشائج وتخريب الأوطان.

يجلد عبدالحميد الطائي في كتابه بشذرات حروفية مسننة بالغة الرهافة والقسوة أعداء الحياة المفترضين .. ويسحل دون هوادة كل من يكيد ويبيت للأمة أسباب الضعف والهون والهبوط والسقوط والعجز .. ينبه إلى مغبة الكيد للٱمنين الأبرياء وخطورة ضرب قيم التعايش وهدر الموارد وتهشيم ألأخلاق باعتبارها الركيزة الحضارية للأمة.
كما يقدم وصفة تليق بعيش الانسان الحر الكريم كما يفترض أن يعيش على أرض حرة كريمة غير منتهبة ولا مسحوقة أو مدنسة بقدم مستبد أو مستعمر .
ينتصر عبد الحميد الطائي في شذراته للطفولة العربية المعذبة التي وجدت نفسها تحت رحمة المغتصب أو رهن الملاجئ في مدن ومناف تهدر الكرامة.. كما أن الكاتب ينحو باللائمة على طغاة ومفسدين يصنعون لشعوبهم أقدارا سيئة في سبيل البقاء على العرش.
يراهن الطائي على الوعي للخروج من نفق اليأس والخذلان والهزيمة الحضارية والنفسية .. لكنه يستدرك شروطا لوعي النهوض.. فيرى أن وعي الملفق لن يعرف الاستقامة .. ووعي هائن عزته وضيع.. ووعي هاجر النور ظلام..ووعي هاشم الحقوق انتهازي .. ووعي هاطل بالقبح حقير ..ووعي هالك القلب فاسد ..ووعي هامد الفطرة بلا ماء .. ووعي هارب بالتأمل لا يتألم.
ولعل الإشارة الأقسى في الكتاب وأكثرها تمثيلا لراهن الحالة العربية وانفصامها هي هذه الشذرة:

(كيد هامس بالمحبة
يضمر الكراهية)!

صدر (كيدها) عن منشورات جريدة (الوطن) ٢٠١٧ في عدد محدود من الصفحات الملونة بدم القاتل والضحية .. صمم غلافه ياسين الخليل.. ضبطه لغويا خميس التوبي .. أخرجه فنيا فوزي رمضان .. ونفذه أشرف مرسي.

أحمد الهاشمي
alhashmiahmed70@gmail.com

إلى الأعلى