الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : ارتقوا بإعلامكم
في العمق : ارتقوا بإعلامكم

في العمق : ارتقوا بإعلامكم

في عالم مشحون بالتوترات مخدوع بالانتصارات تأتي الأزمات المفتلعة لتستهلك الفكر وتنتهك الحرمات، في إعلام مزيّف يفتقر لأخلاقيات المهنة ويتنكر لمبادئ الفضيلة ويتجه بها إلى عمق التوافه، ويشطح بها عن جادة الطريق ومنهج الصواب ومصداقية الكلمة وثقة الجمهور فيه، في أنانيته المفرطة وهمجيته التي تتجه به إلى التدخل في خصوصيات الأوطان وثقافة الشعوب وهويتها وما امتلكته من زمام الريادة والمبادرة على مر التأريخ ، فيشوه صورتها بأفكار صبيانية ونزعات عدائية، وما أحدثه هذا الحال من تأثير سلبي في مسار التفكير الجمعي للشباب نحو الكثير من المفاهيم والقناعات والاتجاهات وعادات التغريب للقيم والانتهاك للحرمات والتعالي على الذوق والبحث عن الزلات، فيسقطها على الأوطان في إجحاف لحقوقها وإهانة لقواعد العيش ومبادئ التعايش والتسامح فيها.
وإذا كان الاعلام في ظل تعدد وسائله ووسائطه من أكبر المؤثرين في اتجاهات المواطنين وقناعات الشعوب وقدرتها على التعامل مع المفاهيم اليومية وتسليط الضوء على أولوياتها الحياتية، فإن انحرافه عن مبادئ الحق والعدل ، ومهاتراته وتدخلاته في قضايا العالم بطريقة ساذجة تبرز مساحات الفوقية والتسلط ومحاولة تغيير خارطة الشعوب وقناعاتها حول قضاياها المصيرية وأولوياتها الوطنية، وزرع بذور الفتنة والشقاق وتجييش العالم الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي في النيل من سيادة الشعوب، يضع الاعلام أمام مسؤولية الرجوع إلى رشده وفق مبادئ تنأى به على ساحات الزيف وفقدان الثقة، واعلام صادق قائم على مرتكز الموضوعية والمصداقية والثبات في سياساته الأخلاقية وموجهاته الفكرية والتزاماته الإنسانية بعدم اثارة كل ما يؤدي إلى زعزعة استقرار الأوطان أواثارة النعرات والأفكار التي تصنع مكانا للطائفية والمناطقية والمذهبية، وأن يقرأ احداث العالم بكل مهنية ويتناولها بواقعية، فإن أخلاقيات الاعلام في عالم متهور باتت اليوم هي الرهان الذي يمكن خلاله الخروج من حالة التأزم التي يعيشها، والفوضى الهالكة التي يتعاطى معها والعشوائية والتخبط التي باتت تسيّر توجهاته وأجندة فضائياته ومنصاته وهوية صحفه ومساحات الكتابة والتعبير فيه، والمحسوبين عليه من السياسيين والكتّاب والمذيعين والمحررين والصحفيين والمغردين في شبكات التواصل الاجتماعي والفضاءات الالكترونية، في افتقارهم لروح الاعلام الخلاق ومبادئه السامية وأخلاقيات الاعلامي ورسالته النزيهة، لتنتزع منهم رصيد مغفرتهمأمام الأجيال القادمة وما صنعته أيديهم من انتهاك لحق الإنسان وسيادة الأوطان.
إننا نقرأ في إطلاح منظومة الاعلام العالمية وتفعيل مبادئ الاعلام الراقي وأخلاقياته دعوة للمعتدلين من قيادات هذا العالم، وهيئات الأمم المتحدة والمنظمات الانسانية العالمية والاقليمية المعنية بالاتصال والاعلام والاتحادات الاعلامية العالمية الصحفية منها والتلفزيونية، منطلق لمعالجة الكثير من التحديات والمشكلات التي التصقت بالمسألة الاعلامية وترزح تحت وطأتها البلدان الشعوب دون تفكير في نواتجها أو إدراك لعواقبها، وبالتالي اجتماع العالم على رسم خارطة قادمة للإعلام ترقى به عن مسارات الطيش التي يعيشها اليوم وتنأى به عن مزالق الخلاف وأجندة المشوهين لنضارة الإنسانية وسلامها الداخلي، وإدراك المساوئ التي سيعكسها التهور الاعلامي على منظومة الأمن الإنساني والعلاقات الدولية وتعامل الشعوب مع أولوياتها وقضاياها المصيرية وتوجيه الاهتمام لمعالجة التحديات المرتبطة بالتعليم والتنمية والبيئة والفقر والمرض والحروب وملفات المشردين وغيرها، باعتبارها الطريق السليم لتجنيب الإعلام مزالق الانحراف، وتمكينه في الوقت نفسه من إعادة هيكلة الواقع العالمي المتعثر، وبناء منصات تواصلية قادرة على التعامل الواعي مع قضايا الإنسان بعيدا عن التزييف أو التشويه، وأن تصدر اتحادات الاعلام العالمية بيانات مشتركة تدين الاعلام السلبي المتجذر في سياسة بعض القيادات، الموجه لإثارة الأحقاد بين الشعوب ونشر الفتن والرعونة الفكرية وعدم الاستقرار، بما يضع هيئات الأمم المتحدة ومجلس الأمن أمام مسؤولية مراجعة جذرية لسياسات الإعلام التي تشّوه صورة الإنجاز الإنساني العالمي، وتقوية دور المؤسسات البرلمانية والرقابية والتشريعية في سنّ التشريعات للملاحقات القضائية في مواجهة حالات الاستفزاز من بعض المحسوبين على الإعلام وضبط الانحراف الحاصل في بعض الفضاءات الاعلامية الرسمية والخاصة، وإعادة النظر في آليات الخطاب الاعلامي.
إننا في عُمان نعيش سياسة إعلامية متوازنة متناغمة مع هدف العالم نحو بناء السلام وتحقيق الوئام ونشر مظلة الأمن والأمان، وأن تظل الرسالة الاعلامية حاملة للقيم والأخلاق متجاوبة مع منهج الحق والعدل والمساواة، ذلكم الاعلام الداعم للتنمية القادر على نقل صوت المواطن والتعبير عن مشاعره وأفكاره بكل مهنية ومصداقية، وهو إعلام يقرأ في أحوال العالم وظروفه وتحدياته، وقوفه عند حدود السياسة العامة للدولة والتزامه مبادئها في كل منصات الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والاعلام الرقمي والالكتروني، القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وحق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام التعددية والهوية والخصوصية وأشكال التعبير الثقافي للشعوب وتقدير منجزها الحضاري، فما أجمل أن يعيش العالم هذه التجربة العمانية الفريدة ويبني في ظلها منطلقات إعلامه وأجندة فضائياته وأخلاق ومبادئ إعلامييه.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى