السبت 26 مايو 2018 م - ١٠ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل يمكن تعريف الثقافة بجملة وتأطيرها في عمل أو سلوك ما ؟

هل يمكن تعريف الثقافة بجملة وتأطيرها في عمل أو سلوك ما ؟

سعود بن علي الحارثي

” … هل يحق لشخص ما أن يضع نفسه في قائمة المثقفين لمجرد أنه اقتنى مجموعة من الكتب وأنشأ مكتبة خاصة في منزله واختار زاوية في مقهى حديث يقرأ فيه مع فنجان قهوة، أم أن اكتساب الثقافة يتطلب شهادة وإعلانا وتنصيبا من قبل المختصين في الحقول الثقافية وفق شروط وأسس محددة ومعروفة قوامها الانجاز والعمل والأفكار المرتبطة بالمجالات الثقافية كتابة ورسما وشعرا ونقدا … ؟،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هو المثقف حقا ؟ هل هو القارئ النهم المتعطش للقراءة والاستطلاع، المحب للعلم والمعرفة والبحث عن مجريات الأمور من حوله ثقافية كانت أم سياسية، علمية أم اقتصادية … ؟ أم هو المبدع فنا وفكرا وأدبا واستنهاضا وكتابة، المسهم بعلومه وخبراته وفكره وفنه ومواهبه في الارتقاء بالحضارة الإنسانية وفي التطوير والتحديث والإصلاح والانفتاح على الثقافات والقيم الأخرى والمساهمة في ترسيخ مبادئ العدل والحرية وإرساء ثقافة النقد والسلام والحوار شعارا وممارسة… ؟ هل المثقف هو من يرتقي سلم النجاح والتقدم والفوز بسرعة غير متوقعة في أعماله الخاصة أو في سلك الوظيفة العامة أو في مراحل التعليم المختلف بغض النظر عن شكل الوسائل والأدوات المؤدية إلى النجاح – التي لا نلتفت إليها في العادة لحظة الترويج للذات والتعبير عن التهاني والتبريكات وتسجيل مواقف الشعور بالفخر والاعتزاز – ؟ أم أن المثقف هو الإنسان المحب للخير المتمسك في تعاملاته وسلوكه وممارساته وعلاقاته بالمثل والقيم الأخلاقية، الخاضع للأنظمة والقوانين والضوابط التي تحكم مسيرة الحياة وتضبط إيقاع العلاقة مع الأطراف المتعددة فيها، المتزن والحكيم في تصرفاته وقراراته القادر على تجنب الفخاخ وتجاوز المشاكل والعقبات والنهوض من العثرات ؟ … هل يحق لشخص ما أن يضع نفسه في قائمة المثقفين لمجرد أنه اقتنى مجموعة من الكتب وأنشأ مكتبة خاصة في منزله واختار زاوية في مقهى حديث يقرأ فيه مع فنجان قهوة، أم أن اكتساب الثقافة يتطلب شهادة وإعلانا وتنصيبا من قبل المختصين في الحقول الثقافية وفق شروط وأسس محددة ومعروفة قوامها الانجاز والعمل والأفكار المرتبطة بالمجالات الثقافية كتابة ورسما وشعرا ونقدا … ؟، هل كل من اتصف بصفة من هذه الصفات أو حاز على معظمها جاز لنا أن نطلق عليه صفة مثقف ؟ هل تعني الثقافة فيما تعنيه الوعي بالدور الذي يؤديه الإنسان، الوعي بأهمية الكتاب وباكتساب المعرفة والعلم كأدوات للارتقاء بإنسانية الإنسان، الوعي في التعامل مع العناصر والأدوات والأشياء ومجريات الأحداث والمستجدات المحيطة … ؟ هل يمكن تعريف الثقافة في جملة من الكلمات وتأطيرها في عمل أو سلوك أو موقف ما ؟ هل الثقافة سلوك إنساني أم عمل إبداعي أم مجموعة من الخبرات والمعارف والمهارات اكتسبها الإنسان أو أتقنها من مصادر متعددة ووفق عوامل مختلفة أم هي كل ذلك؟. إن الثقافة مصطلح كوني شمولي مطاط واسع الاستخدام كثير التداول يتم تداوله وتفسيره وإطلاقه من خلال وجهات نظر متعددة سمتها الاختلافات والتجاذبات والتقاطعات لأنها تنتمي إلى مدارس وتيارات وانتماءات متعددة وواسعة قائمة على السجال والتناقض والصراع أحيانا والوفاق والاتفاق والمهادنة في أحيان أخرى، وهو مصطلح فضفاض ويتسم بالعمومية ذاك من حيث أنه يلتصق أحيانا حتى بالقارئ البسيط الذي يهوى المطالعة ويستمتع بمصاحبة الكتاب، ويطلق في الوقت ذاته على عالم أو مفكر أو مبدع عالمي شقت نظرياته وأفكاره وبراءات اختراعه ومؤلفاته طريقها إلى جميع بلدان العالم، وقد يوصف به فرد ويتسع ليشمل مجموعة أو شريحة ما ويطلق حتى على أمة من الأمم بأنها (مثقفة) … وكل يدعي انتماءه إلى ساحة الثقافة ويقدم نفسه بطرق شتى واضعا قدمه في مكان ما داخل المظلة أو الحقل الثقافي، وقد تعددت التعريفات واختلف المختلفون في تحديد المفهوم المعبر عن الثقافة وقد أحصى باحثان سوسيولوجيان أكثر من 160 مفهوما متباينا للثقافة، وفي كتابه الثقافي (رهان حضاري) يقول الشاذلي القليبي بأن (محتوى الثقافة مرتبط بإنتاج الأفراد، ولكن الجماعة تساهم في إثراءه وتكييفه يما تتميز به من خصائص ذهنية أو أساليب في السلوك والعيش)، ويعرف مالك بن نبي الثقافة بأنها (مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته)، ويعرف تايلور الثقافة بأنها ( ذلك الكل المركب الذي يتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والعادة وأية قدرات اكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع)، ويراها بينز هوبجر بأنها (تجريد مأخوذ من السلوك الإنساني المحسوس ولكنها ليست هي ذات السلوك)، وفي تعريف آخر، تشتمل الثقافة على (الأشياء المادية والنظم الاجتماعية والطريقة الاجتماعية التي يسير عليها الناس في حياتهم)، ويرى بلزاك بأننا لا نستطيع أن نطلق على (ما نمارسه فعلا ثقافيا إلا برؤية نتائجه)، وفي مجلة المنهل السعودية، الثقافة هي (جميع طرائق الحياة التي صورها الإنسان في المجتمع)، فالثقافة بحسب ما وردت في تلك التعريفات هي البناء المنطقي، أو أنها هي السلوك العارف، أو هي أفكار العقل، أو تجريد السلوك الإنساني، أو مركب يضم المعرفة والمعتقدات والأخلاق والقانون والأعراف وغير ذلك، فالسلوك ومضمون القرارات وصيغ التعامل مع العناصر والأدوات ودرجة الوعي والإنتاج المعرفي والمهارات والخبرات والقيم التي يؤمن بها إنسان ما، هي التي تبلور ثقافته وتبرز شكلها وتعكس اتجاهاتها ومضامينها . ووفقا لهذه التعريفات وغيرها فإن كل إنسان قد يكون مثقفا أو صاحب علاقة بها .

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى