الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / متطلبات العقيدة العسكرية العمانية في ضوء تحولات القوة والصراع في النظام العالمي القادم (1-3)

متطلبات العقيدة العسكرية العمانية في ضوء تحولات القوة والصراع في النظام العالمي القادم (1-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. لا شك ان هناك (تبادلا في التأثير وردود الأفعال والمواقف السياسية والعسكرية والأمنية الرسمية في ما بين أعضاء المنظومة الدولية “العلاقات الدولية والسياسات الدولية” داخل إطار علاقة تغذية راجعة وتبادلية بخصوص تلك الأساليب والاستراتيجيات وجملة المتغيرات والتوجهات المتعلقة بإدارة تلك الصراعات والنزاعات والتوازنات من جهة أخرى)( ).”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هم اعداؤنا. من هم حلفاؤنا اليوم وفي الغد القريب والبعيد. كيف نعرفهم؟ وكيف يمكن التأثير عليهم لصالحنا؟ كيف ومتى يمكن ان نقرر الانضمام والاصطفاف مع الآخرين لمواجهة تحديات ومشاكل النظام العالمي؟ وهل نحن مضطرون إلى ذلك؟ هل يجب ان ننطلق من الأرضية الصلبة لمصالحنا الوطنية بشكل مادي، ام يمكن ان نأخذ في الحسبان مصالح مجتمع دولي موهوم وواهن كما وصفته مستشارة الأمن القومي الأميركي السابقة كوندوليزا رايس؟ هل نحن مستعدون بالفعل للولوج إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بما يحمله معه من سيناريوهات كارثية تعج بالفوضى والصراعات العابرة للحدود الوطنية, وارتفاع مصادر التهديد وعدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في البيئة الدولية؟.( )
لقد تطرقت في دراسات سابقة للعديد من تلك التحولات السياسية والعسكرية والأمنية الراهنة والمحتمل وقوعها في المستقبل، والتي اثرت بدورها في جوانب اكثر دقة وعمق كالمتغيرات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الدولية، ما انعكس بدوره على الواقع الإقليمي وكذلك الوطني للعديد من الدول حول العالم، مؤكدا ان النظام العالمي القائم على التشكل اليوم سيحمل في شكله النهائي “النظام العالمي القادم” مظاهر استثنائية للهيمنة والسلطة وتوازن القوى الدولية من جهة، ولأشكال القوة والتسلح واستراتيجيات الصراع والنزاع من جهة اخرى، خصوصا في ما يتعلق منها بقضايا التحالفات الدولية وديمومة الصداقات والعداوات.
كل تلك المظاهر حملت في طياتها خليطا من المخاوف وضرورات التغيير والتحول، خصوصا في ما يتعلق بمفاهيم سياسية وقانونية وعسكرية وامنية بات اكثرها معرض للتفكك والتحلل والتراجع في مواجهة اخرى يحتمل كثيرا ان تحل مكانها بالتدرج مع الوقت كمفهوم الدولة الافتراضية والمواطن العالمي مقابل مفهوم سيادة الدولة. ومفهوم التسلح الكمي سيستبدل بالتسلح النوعي، والأمن التقليدي في مقابل الأمن السيبراني او الاستراتيجي في العصر الرقمي على سبيل المثال لا الحصر، ما يرفع من سقف مخاوف العديد من انظمة العالم السياسية وحكوماتها بمختلف احجامها واشكالها وتوجهاتها، خصوصا في جانب الأمن والاستقرار ومقدرة تلك الحكومات على تحقيق تلك المتطلبات الأصيلة للدولة والمواطن فيها.
على ضوء ذلك ستجد اغلب الدول نفسها خلال السنوات القادمة ومن ضمنها سلطنة عمان بكل تأكيد في مواجهة العديد من المتغيرات السياسية والتحولات الجيوسياسية في البيئة الدولية، والتي ستنعكس سلبا بدورها على البيئة الأمنية الداخلية والخارجية، لتصنع نوعا متطورا ومتقدما من التهديدات والمخاطر الأمنية والعسكرية التي لم تعهدها الكثير من الدول، خصوصا ان تلك التهديدات ستنطلق من (بيئة امنية استراتيجية اشد خطورة وأكثر غموضا وتعقيدا واثارة للهواجس الأمنية من البيئة التي واجهها اسلافهم في القرن العشرين )( ).
الأمر الذي يدفع بدوره إلى اهمية بناء استراتيجيات امنية وعسكرية متقدمة ومتطورة قادرة على احتواء تلك التحولات في النظام العالمي القادم بما يحقق للدول القدرة على مواجهة ما يمكن ان يعترض سبيل امنها وسيادتها واستقرار اراضيها ومواطنيها من مخاطر وتهديدات مختلفة ومتنوعة. وكذلك يحقق لها القدرة على التطور في منظومتها العسكرية الاستراتيجية للاحتواء والردع أو الدفاع والهجوم. خصوصا ان النظام العالمي القادم وكما سبق واشرنا، سيدفع ان لم يفعل بالفعل ذلك اكثر دول العالم وحكوماته، حتى تلك التي نجحت إلى حد ما في الابتعاد والنأي بالنفس عن الصراعات والنزاعات الدولية كما هو حال سلطنة عمان، إلى الدخول في دائرة الصراع والنزاع العابر للحدود الوطنية، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر انطلاقا من نظرية التأثير المتبادل للأحداث العابرة للحدود الوطنية.
فلا شك ان هناك (تبادلا في التأثير وردود الأفعال والمواقف السياسية والعسكرية والأمنية الرسمية في ما بين أعضاء المنظومة الدولية “العلاقات الدولية والسياسات الدولية” داخل إطار علاقة تغذية راجعة وتبادلية بخصوص تلك الأساليب والاستراتيجيات وجملة المتغيرات والتوجهات المتعلقة بإدارة تلك الصراعات والنزاعات والتوازنات من جهة أخرى)( ). ويعود ذلك لأسباب عديدة ومختلفة ( فقد نكون نحن انفسنا منخرطين في نزاع ما، وجميعنا في الواقع مشاركون في نزاع عالمي ونرغب بالفوز بالمعنى الأصلي للكلمة. وقد نرغب في فهم كيف يتصرف المشاركون فعليا في حالات النزاع, حيث يمكن ان يصبح فهم اسلوب اللعب “الصحيح” مقياسا لدراسة السلوك الفعلي، واما السبب الثالث، فهو اننا في السيطرة والتأثير في سلوك الآخرين في نزاع ما. ونود لهذا ان نعرف كيف يمكن للمتغيرات التي نملك السيطرة عليها ان تؤثر في سلوكياتهم)( ).
من جانب آخر، فإن الإلمام المسبق بتلك التغيرات والتحولات القائمة على التشكل والمحتل حدوثها في النظام العالمي القادم خصوصا في ما يتعلق منها بتأثير النظرية الواقعية في العلاقات الدولية وانعكاسها على جانب الشؤون الأمنية والعسكرية للدول سيرسم لكل من المنظر والمقرر الوطني خارطة طريق مستقبلية، بل وسيحقق لهما التمكين في الرؤية الاستشرافية وبالتالي القدرة والإمكانية على بناء عقيدة عسكرية وامنية واقعية قادرة على تحقيق اكبر قدر ممكن من الأمن والاستقرار الوطني.
وهذا الأمر لم يكن بخاف على القيادة السياسية العمانية منذ عقود طويلة، فقد تنبه له حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ـ منذ بواكير النهضة المباركة, وعمل بكل واقعية وجدية على بناء منظومة استراتيجية امنية وعسكرية وطنية قادرة على مواكبة جملة المتغيرات السياسية والتحولات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الدولية والإقليمية القائمة حينها والمحتمل وقوعها منذ ذلك الوقت، بما يكفل لسلطنة عمان اقصى قدر ممكن من الأمن والاستقرار في البيئة الدولية والاقليمية.
ويتأكد لنا ذلك من جملة الحقائق والممارسات ذات الطابع الاستراتيجي سواء ما تعلق منها بالشؤون العسكرية او الأمنية. وسواء كان ذلك في الجانب النظري أو العملي، كتطوير المؤسسات ذات الاختصاص ورفدها بالأسلحة النوعية والسعي لمواكبة التطورات التكنولوجية والتقنية ذات العلاقة. يضاف إلى ذلك رفع المستوى التعليمي والتدريبي لأفراد تلك المؤسسات المعنية، ما انعكس ايجابا على تطور كل من العقيدة الأمنية والعسكرية للدولة العمانية “تطوير النظرية” وعلى البيئة الوطنية العمانية نفسها “الواقع العملي الميداني” وتحديدا في جانب السياسات الأمنية الداخلية والسياسية الخارجية العمانية وعلاقة سلطنة عمان مع مختلف دول العالم، مع مراعاة مواكبة التغيير المرحلي سواء كان ذلك من ناحية التوجهات او الاستراتيجيات العسكرية والأمنية, او تطوير القرارات والقوانين ذات الصلة بالمحافظة على البيئة الامنية الاستراتيجية في ما يطلق عليه “بتطوير الوعي الاستراتيجي”.

إلى الأعلى