الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الانتهاك الدموي للباحثين عن الحقيقة

الانتهاك الدموي للباحثين عن الحقيقة

كاظم الموسوي

” في التفاصيل التي لم تنشرها المنظمة في تقريرها ما يحصل في فلسطين المحتلة، إذ أعلنت نقابة الصحفيين الفلسطينية ملخص نتائج تقرير الانتهاكات بحق الصحفيين ووسائل الإعلام للعام 2017، حيث وثقت 909 انتهاكات، منها 740 انتهاكا واعتداء نفذتها قوات الاحتلال “الإسرائيلي”، و169 انتهاكا محليا في غزة والضفة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تزداد الانتهاكات الدموية كل عام وترصد المنظمات المختصة ذلك. وتتضاعف أعداد الضحايا من الباحثين عن الحقيقة، من اصحاب القلم والصوت والصورة. وفي تزايدها تثبت بطش الأحكام وعسف الحكومات وشراسة السلوك العام لمن يقوم بها. وتعكس صورة الأوضاع الأخرى التي تضيق فيها الحريات وتخترق فيها الحرمات وتشتد فيها الصعوبات..
كل عام تنشر وكالات الانباء ما تصدره المنظمات الدولية، من بيانات وتقارير، تدافع بها عن الصحفيين وحرياتهم وحقوقهم في البحث عن الحقيقة وارساء سلطة الحق والعدل والتعبير عن الحرية والديمقراطية والاستقلال الوطني والقومي والتنمية والتقدم. من بين هذه المنظمات وتقاريرها، مراسلون بلا حدود، مقرها باريس، أوردت كعادتها في تقريرها السنوي لعام 2017 تصنيفا لدول العالم حسب حرية الصحافة وأمن العمل الإعلامي. ورأت أن حرية الصحافة تواجه تهديدات غير مسبوقة، ووضعها “خطير للغاية” في أكثر من ثلث الدول التي شملها التقرير، وحذرت من أن “حرية الصحافة لم تكن قط مهددة على النحو الذي هي عليه اليوم”.
لفتت المنظمة في تصنيفها إلى أن وضع الصحافة “خطير للغاية” في 72 دولة (من أصل 180 شملها إحصاء المنظمة) من بينها الصين وروسيا والهند وكل دول الشرق الأوسط تقريبا وآسيا الوسطى وأميركا الوسطى وثلثي دول أفريقيا. ويطغى على خريطة العالم التي أعدتها المنظمة اللون الأحمر (وضع صعب) والأسود (خطير للغاية). وهناك خمسون دولة فقط تتمتع فيها الصحافة بالحرية، من الدول الموصوفة في الحكم الديمقراطي.
أعربت المنظمة عن القلق من حصول “تحول كبير” في وضع حرية الصحافة “خاصة في الديمقراطيات العتيدة”. وتابعت أن “هاجس المراقبة وعدم احترام سرية المصادر أمر يساهم في تراجع العديد من البلدان التي كانت حتى عهد قريب تعتبر نموذجا للحكم الرشيد، ومن أبرزها الولايات المتحدة (المرتبة 43، تراجع مرتبتين) وبريطانيا (40، -2 ) وتشيلي (33، -2) ونيوزيلندا (13 المرتبة ، -8).
أضافت المنظمة أن “وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة ثم حملة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي شكلا أرضية خصبة لدعاة “تقريع وسائل الإعلام” والمحرضين على الخطاب العنيف المعادي للصحافيين”، مشيرة إلى “عصر جديد تطغى عليه مظاهر التضليل والأخبار الزائفة… ونموذج الرجل القوي والاستبدادي”.
وسجلت بولندا التي تعتمد “الخنق المالي للإجهاز على الصحافة” تراجعا إلى المرتبة54 والمجر إلى المرتبة 71 وتنزانيا إلى 83. وتابعت أن تركيا تراجعت أربع مراتب إلى 155 بعدما ” دفع فشل المحاولة الانقلابية ضد الرئيس رجب طيب أردوغان بالبلاد نحو هاوية نظام استبدادي، علما أنها أصبحت بمثابة أكبر سجن للإعلاميين على الصعيد العالمي”. وأما روسيا فحلت في المرتبة 148، ما يعني أنها لا تزال “تراوح مكانها في أسفل الترتيب”.
في آسيا، سجلت الفيليبين (127) تحسنا بـ11 مرتبة بفضل تراجع عدد الصحفيين الذين قتلوا في العام 2016. ولكن “الوضع الحالي ينذر بالأسوأ في ظل الشتائم والتهديدات التي يوجهها الرئيس رودريغو دوترتي إلى الصحافة بشكل مباشر وعلني”.
صرح الأمين العام للمنظمة كريستوف دولوار إن “هذا التحول الذي تشهده الديمقراطيات يقض مضجع كل من يعتقد بأن قيام حرية الصحافة على أساس متين هو السبيل الوحيد لضمان سائر الحريات الأخرى”.
كانت المنظمة قد كشفت مقتل 67 صحافيا عام 2015. وفي عام2016 مقتل 74 صحفيا وإعلاميا، معظمهم استهدفوا في هجمات مباشرة. وجاءت الدول التي تشهد نزاعات في مقدمة المناطق الخطيرة بالنسبة للصحافيين. حيث قتل 57 صحافيا بسبب نشاطهم المهني ولاسيما في الدول التي تشهد نزاعات وحروبا متنوعة، من بينها الحرب على ارهاب المنظمات الارهابية، وفي مقدمتها ما يسمى “داعش”. كذلك قتل تسعة “مواطنين مراسلين” (مدونين) وثمانية متعاونين مع وسائل إعلام، ما يرفع الحصيلة الإجمالية إلى 74 قتيلا سقطوا “بسبب ممارسة مهمتهم، بينما كشفت حصيلة العام 2017، سقوط 65 قتيلا من صحفيين وعاملين في الإعلام عبر العالم، ورغم فداحتها إلا أنها تعتبر أقل دموية من السنة السابقة بالنسبة للصحافيين. ومن بين القتلى الـ65 هناك خمسون محترفا وسبعة “صحفيين مواطنين” (مدونين) وثمانية “متعاونين مع وسائل الإعلام”.
أشارت المنظمة إلى أن هذه الحصيلة تجعل من 2017 السنة الأقل دموية للصحفيين المحترفين منذ 14 عاما، موضحة أن أحد اسباب ذلك هو عزوف الصحفيين عن العمل في المناطق الاكثر خطرا، وان “هذا التراجع الملحوظ مرده أن عددا متزايدا من الصحفيين تركوا الدول التي أصبحت بالغة الخطورة: سوريا والعراق وليبيا، إنما كذلك اليمن وأفغانستان وبنغلادش وبوروندي، التي تحولت جزئيا إلى ثقوب سوداء للإعلام يسودها انعدام العقاب”.
لأول مرة، يحصي تقرير “مراسلون بلا حدود” للعام 2016 الصحفيين المواطنين والمتعاونين مع وسائل الإعلام مع الصحفيين المحترفين، بعدما كانت المنظمة تدرجهم في فئات منفصلة.
وكررت المنظمة دعوتها الأمين العام الجديد للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس إلى تعيين ممثل خاص لحماية الصحفيين. وكان تحالف من المنظمات غير الحكومية قد وجه “نداء رسميا” من اجل استحداث منصب مسؤول مكلف “حماية الصحفيين” لدى الأمم المتحدة، يتمتع بـ “الوزن السياسي والقدرة على التحرك سريعا، والمشروعية لتنسيق جهود الأمم المتحدة من أجل أمن الصحفيين”.
في التفاصيل التي لم تنشرها المنظمة في تقريرها ما يحصل في فلسطين المحتلة، اذ أعلنت نقابة الصحفيين الفلسطينية ملخص نتائج تقرير الانتهاكات بحق الصحفيين ووسائل الإعلام للعام 2017، حيث وثقت 909 انتهاكات، منها 740 انتهاكا واعتداء نفذتها قوات الاحتلال “الإسرائيلي”، و169 انتهاكا محليا في غزة والضفة.
أكد ذلك نقيب الصحفيين ناصر أبو بكر في مؤتمر صحفي مشيرا الى التصاعد الحاد في عدد الانتهاكات كمّا ونوعا، والخطوات والجهود التي تبذلها النقابة محليا وعربيا ودوليا في سبيل الحد من هذه الانتهاكات، ووقفها.
وقال أبو بكر: إنه “في ظل الارتفاع الحاد في الانتهاكات الدموية التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق الصحفيين الذين يتعاظم دورهم باستمرار، وفيما ينتظر الصحفي الفلسطيني تقديرا وتثمينا لدوره من الجهات الرسمية، فإنه من المعيب أن نشهد في الوقت ذاته ارتفاعا في عدد الانتهاكات الفلسطينية”. ولفت أبو بكر إلى إغلاق إدارة موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) 158 حساباً لأشخاص خلال العام 2017، وجهات فلسطينية وفقا لإحصائية وردت في صحيفة نيويورك تايمز.
وفقا لما ورد في التقرير؛ فإن إجمالي الانتهاكات والاعتداءات خلال عام 2017 والبالغة 909 تشكل زيادة بنسبة 37% عن العام 2016، وقد ارتكبت قوات الاحتلال 740 انتهاكا بما نسبته 81% منها، فيما ارتكبت الجهات الفلسطينية 169 انتهاكا بما نسبته 19% من مجمل الانتهاكات.
هذه الاعداد في الانتهاكات الدموية والارتكابات الرسمية دليل صارخ على معاناة الباحثين عن الحقيقة وإصرارهم على تحمل المسؤولية في اختياراتهم وتضحياتهم لاستمرار المهنة وأهميتها ومهمتها المطلوبة.

إلى الأعلى