الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / سرقوا غرفة نوم الملك فاروق؟!

سرقوا غرفة نوم الملك فاروق؟!

محمد عبد الصادق

” عرض الغرفة للبيع بهذه الطريقة, وبكامل محتوياتها من خشب وبللور ومزهريات وألواح زجاجية متعددة وقطع رخام بحالة جيدة, دون وجود تلفيات أو خدوش, أثار حالة من الاستغراب لدى المصريين, عن كيفية خروج الغرفة من مصر بهذه السهولة والأريحية التي تدل أن الأمر تم على مهل, حتى تم تفكيك القطع وتغليفها ونقلها ومن ثم شحنها لأميركا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعرضت ثروات مصر للنهب والسرقة خلال عقود الاستعمار العثماني والفرنسي والإنجليزي, فنهب سليم الأول الآثار النبوية ومقتنيات سلاطين المماليك ونقلها لإسطنبول وسرق المستكشفون الأوروبيون رأس نفرتيتي والمسلات المصرية, بل تم سرقة معابد فرعونية كاملة لتستقر في متاحف نيويورك وبرلين وميادين لندن وباريس, ولم تسلم النباتات والحيوانات من السرقة والنهب على يد المستعمرين, فتم نقل أنواع نادرة من الزهور والنباتات والشتلات الزراعية والفصائل الأصيلة من الغزلان والماشية والدواب المصرية إلى أوروبا في القرنين الماضيين.
وعقب جلاء الاستعمار كنا نظن أن عمليات السرقة والنهب ستتوقف, ولكن للأسف استمر تهريب الآثار والكنوز المصرية لأميركا وأوروبا, وكلنا نتذكر ما حدث عقب ثورة 25 يناير 2011م وبالتحديد عقب انسحاب قوات الشرطة من الميادين وحدوث الانفلات الأمني, حيث انتبه الثوار المعتصمون لصوت صفارات الإنذار بالمتحف المصري الكائن بميدان التحرير, وتبين تعرض المتحف للسرقة واختفاء 54 قطعة أثرية, استطاعت الجهات الأمنية استرداد جزء منها ومازالت 29 قطعة مختفية حتى الآن.
آخر فصول سرقة الكنوز المصرية, كان إعلان إحدى دور المزادات الأميركية عن بيع غرفة نوم الملك فاروق وحددت سعر المزايدة بأقل من مليون دولار أميركي وقامت الدار بعرض مشاهد مصورة على “اليوتيوب” لمكونات الغرفة التي يرجع تاريخ صنعها للعام 1870م , وتبين أنها أحد إبداعات مصمم الأثاث الفرنسي الشهير”أنطوان كريجر” , فهي مصنوعة من خشب الماهوجني ومطعمة بحليات من النحاس المشغول المطلي بالذهب, وقد صممت على الطراز الأمبراطوري المستوحى من عصر نابليون بونابرت وزوجته جوزفين ومكونة من سبع قطع ؛ كل قطعة فيها تحفة فنية تشع بالأناقة والفخامة , وهناك مؤرخون ينسبونها للخديو اسماعيل , وأن علاقتها بالملك فاروق لا تتعدى كونه آخر مستخدميها من أسرة محمد علي.
عرض الغرفة للبيع بهذه الطريقة, وبكامل محتوياتها من خشب وبللور ومزهريات وألواح زجاج متعددة وقطع رخام بحالة جيدة, دون وجود تلفيات أو خدوش, أثار حالة من الاستغراب لدى المصريين, عن كيفية خروج الغرفة من مصر بهذه السهولة والأريحية التي تدل أن الأمر تم على مهل, حتى تم تفكيك القطع وتغليفها ونقلها ومن ثم شحنها لأميركا.
ربط البعض بين هذه الغرفة الملكية, وبين تصريح لوزير الزراعة الأسبق أيمن أبو حديد في العام 2013م عن اختفاء غرفة نوم الملك فاروق الأثرية من الاستراحة الملكية بحديقة الحيوان بالجيزة واستبدالها بغرفة حديثة من محل أثاث موجود بجوار الحديقة, ووجهت الاتهامات وقتها للـ”جنايني الغلبان” الذي كان يقوم بتنظيف الاستراحة الملكية المكونة من 15 غرفة وكانت الغرفة في عهدته بالمسؤولية عن تبديد العهدة.
عقب ظهور الغرفة الملكية مؤخرا في أميركا أكد مدير الحديقة: أنه ليس هناك استراحة ملكية داخل حديقة حيوان الجيزة من الأصل, وأن الموجود حاليا هو استراحة حكومية تحتوي على غرف نوم عادية غير أثرية كانت مخصصة لإقامة الوزراء المغتربين عن القاهرة حتى ثمانينيات القرن الماضي, ونفضت وزارة الآثار يدها من جريمة السرقة بالادعاء أن الاستراحة الملكية لم تكن أثرية إلا بعد العام 2013م وأنها كانت تابعة لوزارة الزراعة التي تشرف على حديقة الحيوان وقت اكتشاف اختفاء الغرفة المسروقة, وانتهى الأمر بحفظ التحقيق بعد إصرار الجميع على عدم حدوث سرقة وأن غرفة الملك فاروق المعروضة في المزاد بأميركا لم تخرج من مصر من الأساس.
أحمد فؤاد الثاني الابن الوحيد للملك فاروق من زوجته الثانية ناريمان ووريث العرش الذي تولى عرش مصر بعد خلع والده في 23 يوليو 1952 وكان عمره لا يتجاوز شهورا قليلة عندما غادر بصحبة أبيه وأخوته مدينة الإسكندرية على ظهر السفينة الملكية المحروسة منفيا إلى إيطاليا في 26 يوليو 1952م , ويعيش الآن في منفاه بسويسرا ـ أصدر بيانا يحمل فيه الحكومة المصرية مسؤولية سرقة غرفة نوم والده, ويطالبها بالحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي لأسرة محمد علي والعمل على حمايته واقتصار عرضه في متاحف الدولة وألاَّ تتركه عرضة للسرقة أو الإهمال, وأكد ترفعه عن المطالبة باسترداد الغرفة المسروقة رغم أنه المالك الأصلي لها ملقيا مسؤولية المطالبة باستردادها على أجهزة الدولة المصرية التي كانت الغرفة في حيازتها.
وأمام إصرار الحكومة المصرية على عدم حدوث سرقة وأنها ليس لها علاقة بالغرفة المعروضة بالمزاد في مدينة نيو أورليانز الأميركية ولا بالصور المنشورة على الإنترنت, تطوع أحد المحامين المصريين بتقديم بلاغ إلى النائب العام يطالب فيه بإعادة فتح التحقيق في الواقعة, سواء كانت غرفة النوم المسروقة تخص حديقة حيوان الجيزة, أو كانت موجودة بأحد القصور أو الاستراحات الملكية, ومعرفة كيف خرجت من مصر ومخاطبة السلطات الأميركية للتحقيق في كيفية عرض قطع أثرية مسروقة في مزاد علني دون وجود شهادة منشأ أو مستندات ملكية ؛ خصوصا والقانون الأميركي يجرم بيع الآثار التي خرجت من بلادها الأصلية بطريقة غير شرعية والمطالبة بإعادتها لمصر.
ولكن المعضلة تتمثل في عدم وجود محاضر جرد حتى الآن تثبت سرقة غرفة نوم الملك فاروق المعروضة على “اليوتيوب” أو وجود مستندات تثبت أنها كانت على الأراضي المصرية في يوم من الأيام, وليس معلوما تاريخ خروج الغرفة من مصر وكيف وصلت أميركا.

لا أحد يعرف الآن مصير الغرفة المسروقة, فقد مسحت دار المزادات الفيديو الخاص بالغرفة من على موقع “يوتيوب” وأزالت الصفحة من على موقع الشركة ولا يعرف أحد هل بيعت الغرفة أو من اشتراها وكم كان الثمن و أين استقرت؟! ولكن المعلوم أن جزءا هاما من تاريخ مصر اختفى ومن غير المقبول أن يضيع بهذه الطريقة الفجة دون محاسبة المسؤول.

إلى الأعلى