السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : هل أعادت شبكات التواصل الاجتماعي برمجة اللغة الخطابية للمؤسسات؟
في العمق : هل أعادت شبكات التواصل الاجتماعي برمجة اللغة الخطابية للمؤسسات؟

في العمق : هل أعادت شبكات التواصل الاجتماعي برمجة اللغة الخطابية للمؤسسات؟

يبدو أننا نعيش مرحلة تتسم بالحساسية المفرطة، تستدعي من المؤسسات امتلاك أدوات احتواء الواقع الاجتماعي وتعزيز حضورها في فعالياته ومناشطه، وبناء منصات الترويج والتسويق لبرامجها بما يعزز فرص المعرفة بها وإدراك معطياتها في واقع حياة المواطن اليومية عبر أساليب تضمن الاستدامة والتنويع والقوة في اللغة الخطابية المتفائلة المتفاعلة في قراءتها للواقع وتشخيصها للمعطيات والتحديات، في ظل لغة اتصال ذكية تتحول من فردية المرسل والمستقبل إلى عالم الفضاء التفاعل الشبكي، ومن نبرة خطابية ضيقة وكلمات شديدة اللهجة (شفهية أو مكتوبة)، إلى لغة خطاب متوازنة مؤثرة قادرة على بناء الثقة وتعزيز ثقافة عمل داعمة للتطوير.
لقد أعادت شبكات التواصل الاجتماعي هيكلة المضمون الرقمي وشكل الأسلوب الخطابي المتناغم معه، فأوجدت له هوية جديدة تلتزم مساحات تتسع لتعددية الأنماط الخطابية واتساعاها، وضعت المؤسسات أمام عملية تحول في بنيتها الفكرية والمعرفية والإعلامية وأشكال التعبير اللفظي، فالشكل التقليدي السابق في الخطاب ووجوده ضمن قالب خطابي واحد، ولغة سردية متباينة تهتم بالشكل على حساب الجوهر وبالإسهاب والتطويل على الاختصار والانتقاء، لم تعد قادرة على التعاطي مع الشكل الجديد للمعرفة ومستجدات العمل المؤسسي بشكل يتناغم مع فكر الشباب وطموحاتهم وطبيعة التحول في لغة الخطاب الإعلامي الرسمية.
كما ارتبط التحول في اللغة الخطابية بالمضمون الخطابي نفسه ومستوى السلاسة والمهنية في العبارات والمصداقية والشفافية فيه، ووجود دلائل وشواهد الإنجاز حاضرة في ارتباطها بواقع حياة المواطن اليومية، والطريقة الرسمية غير المتكلفة المستخدمة في الرسائل والردود والتعامل مع الشكاوى والمقترحات ووجهات النظر والأفكار المطروحة والانتقادات أو أدوات التصحيح المستخدمة والاجراءات المقرة، وبالتالي قدرة المؤسسة على اختيار لغة تتناغم مع ثقافة المستهدفين وتراعي محددات الذوق العام وآلية التعامل مع الحالات الفردية وامتصاص الغضب وحالات الانزعاج، وبالتالي ما يصاحب اللغة الخطابية التعبيرية الموجهة لوصف المشروعات والبرامج من نماذج عمل وبرامج تشغيل ومبادرات جادة، بحيث تصبح اللغة الخطابية المؤسسية في بعدها اللفظي ومنتجها الحسي جسرا ممتدا يستكشف الجهود النوعية التي تقوم بها المؤسسات ويعطي فرص لقراءتها في صورتها المكبرة المتناغمة مع اتجاهات المرحلة ولغة الشباب.
على أن بناء المداخل التطويرية في اللغة الخطابية بالمؤسسات يستدعي جاهزية البيانات واكتمالها وتفاعلها مع المعطيات المجتمعية وقدرتها على تشخيص الواقع المؤسسي وبناء موجهات واضحة، سوف يقوي من الاعتراف بالجهود المبذولة والتعريف بها وتقييم مدى ارتباطها بحياة المواطن وطموحاته واحتياجاته بالشكل الذي يجعل من عملية تبنيها منطلقا لإعادة قراءة البعد الخطابي المؤسسي بطريقة تضمن له القوة والاستدامة والتنوع والمهنية، فيتجه إلى خطاب يشخص واقع المرحلة وسيناريوهات العمل المؤسسي باعتبارها الطريق الأنسب لتجنيبها مشتتات الإشاعة أو التكهنات التي تنبئ عن عدم وجود عي مجتمعي بالجهود التي تقوم بها المؤسسات، أو تؤصل لثقافة جديدة على المؤسسة أن تتبناها في سبيل ترقية الفكر المؤسسي في ثقافة المواطن وسلوكه عبر حضورها المستمر مع المواطن وإجابتها الفورية عن الاستفسارات والتساؤلات المطروحة.
إنّ التناغم المطلوب في اللغة الخطابية للمؤسسات لا يقتصر على ما تعرضه في مواقعها الالكترونية وصفحاتها التواصلية، بل عبر التغييرالممنهج في الخطاب الإعلامي المؤسسي الرسمي بشكل يتجه به إلى تعظيم قيمة الإنجاز والأطر التي يبرزها في واقع منتج المؤسسة، وما يرتبط به من اختصار الإجراءات وفاعلية مركز الاتصالات، وتوظيف البيئات الالكترونية الذكية لتقديم الخدمة المؤسسية بشكل أفضل وبصورة متجددة تراعي معايير الجودة وكفاءة التنفيذ وتعدد الوسائط وأشكال العرض، كما تشكل منظومة التواصل الداخلي والعلاقات الإنسانية منطلقات لتعظيم القيمة التنافسية للمؤسسة وإدارة المشاعر وروح المسؤولية مع العاملين واللوازم، والتعايش مع ظروف المواطن، واستقطاب كفاءاته وخبراته عبر بيئات داعمة.
من هنا فإن رسم خريطة تفاعلية للغة الخطابية لشبكات التواصل الاجتماعي بالمؤسسات تضمن لكفاءة التواصل الفكري والتعايش المعرفي بين دوائر المؤسسة النمو، يستدعي بناء سلام داخلي مع التقنية بالشكل الذي يشعر فيه المسؤول والموظف بأنها استطاعت أن تحقق له رصيدا ثريا في منجزه المهني واستيعابه لمحاوره، والتكيف مع موجهات التطوير والتحديث التي تنتهجها ليبقى على تواصل مستمر معها واع بالتغيرات الحاصلة فيها وطبيعة الدور المأمول منه نحوها، بالشكل الذي يصنع تحولا في عمل المؤسسة واختصار اجراءاتها وتمكين لغة التفاؤل والابتكار منتشخيص الحالة المؤسسة واستشراف نواتجها على الأداء، وفق أطر تشريعية واضحة وأنظمة عمل مقننة لا تخضع للمزاجيات أو شخصنة الممارسة ووقتية التنفيذ، بل عبر موجهات ضبطية مستدامة تبرز في إنتاجية المؤسسة وقدرتها على الاستجابة المقننة لمعطيات الواقع الاجتماعي ومتطلبات بناء شراكة مجتمعية فاعلة مع المواطن بحيث تنتقل خلالها المؤسسات الى المجتمع وتتجه فيها الإجراءات إلى العدالة والتقنين والضبطية والاختصار، لنيل استحقاقات التقدير المجتمعي لها وتعظيم حضوره في مشهدها اليومي ويبقى دور المؤسسات التشريعية والرقابية الوطنية في امتلاك أدوات تأطير هذا السلوك وتعزيز مناخات المنافسة فيه، لتشمل نمط الخطاب بين وحدات المؤسسة وتقسيماتها الداخلية وموظفيها والمستفيدين منها وشراكتها الخارجية في استيعاب نواتج التغيير القادم وتناغمها مع أولوياته .

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى