الخميس 18 أكتوبر 2018 م - ٩ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو (2 ـ 2 )

وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو (2 ـ 2 )

علي عقلة عرسان

” من بين مسرحيات يوجين يونيسكو القصيرة والطريفة، مسرحية بعنوان “الثغرة”. وهي، على الرغم من قصرها، بعيدة المغزى.. تكشف عيوبا كثيرة لأشخاص كبار. والغرابة، التي لا بد وأن توجد في معظم أعمال يونيسكو، وغالبا ما تظهر في الشكل، أو في البنية، أو في علاقات الشخصيات بعضها ببعض.. تظهر في مسرحية الثغرة بشكل أكثر منطقية، بل وأكثر غرابة، في ماضي رجل كبير. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت مسرحية يونيسكو الأولى، باسم “المغنية الصلعاء”، والعنوان مضلل، فليس هناك مغنية صلعاء في المسرحية.. ولن نتعرض لتفسير أعمال يونيسكو أو تلخيصها، لأن لذة ذلك المسرح وتفسيره، إذا وجدت تلك اللذة وذلك التفسير، إنما يكمنان في ثنايا العمل ذاته.. والقارئ في مسرح يونيسكو يكتشف، ويلقي مزيدا من الأسئلة، ولا يتلقى درسا أو موعظة أو خطبة أخلاقية، فيونيسكو ينفر من الدعاية لأي شيء، حتى للمثل العليا والأخلاق. لم يلق يونيسكو نجاحا في مسرحيته الأولى التي عرضت على مسرح صغير في باريس عام ١٩٥٠ وكتب بعدها مسرحية “الدرس”، ثم “جاك أو الطاعة”، وكتب عام ١٩٥٢مسرحية ” المستقبل في البيض”، ومسرحية الكراسي. وعام ١٩٥٣ كتب ” شهداء الواجب أو ضحايا الواجب”، وفي عام ١٩٥٤ كتب “أميدية” و “الساكن الجديد”، وفي ١٩٥٥كتب “اللوحة” و “ارتجالية الماء”، وفي عام ١٩٥٦ عرضت له مسرحية “الخرتيت”. وهي أول مسرحية لاقت نجاحا، ولفتت الأنظار لمؤلفها، فتناوله النقاد بمختلف التفسيرات. ثم عرضت له مسرحية “قاتل بلا أجر” و “رباعية”، ومسرحية “التحيات”. وفي عام ١٩٦٠كتب مسرحية “تعلم المشي”، وكتب عام ١٩٦٢ “الملك يحتضر”، وعام ١٩٦٣ كتب “السائر في الهواء”، وفي عام ١٩٦٦ عرضت له مسرحية “الجوع والعطش”. ويمكن بعد هذا الاستعراض الممل بعض الشيء، لأسماء بعض مؤلفات الكاتب، أن نقول: إن أعمال يونيسكو تنقسم إلى قسمين: أعمال صغيرة لم تتجاوز الفصل الواحد، قصيرا كان أم مطولا.. وأعمال طويلة في ثلاثة فصول. والأعمال الأولى امتازت بتجسيم أعمال الهدم لكل شيء في الوجود: اللغة، والشخصيات، والحوار، وكل شيء.. أما الأعمال الطويلة، فقد أخذت تتضح فيها، على الرغم من معارضة يونيسكو أو “نفيه”، القصة البوليسية التي هاجمها، ولا سيما في مسرحية “قاتل بلا أجر”. وامتازت مسرحياته الطويلة بروح بناءة بعض الشيء، اتضح فيها تسلسل يكاد يكون فيه بعض المنطق، لحوادث مسرحية ترمي إلى نهاية. وسوف نتوقف عند بعض المسرحيات القصيرة، لنعطي فكرة عن بعض معالجاته للفكرة والحوار والمواقف.
من بين مسرحيات يوجين يونيسكو القصيرة والطريفة، مسرحية بعنوان “الثغرة”. وهي، على الرغم من قصرها، بعيدة المغزى.. تكشف عيوبا كثيرة لأشخاص كبار. والغرابة، التي لا بد وأن توجد في معظم أعمال يونيسكو، وغالبا ما تظهر في الشكل، أو في البنية، أو في علاقات الشخصيات بعضها ببعض.. تظهر في مسرحية الثغرة بشكل أكثر منطقية، بل وأكثر غرابة، في ماضي رجل كبير. إنه أحد أعضاء المجمع العلمي الفرنسي، ورئيس لجنة منح درجة الدكتوراه في الإنسانيات، ومحاضر كبير في جامعات العالم، يزين صوره بالأوسمة، ويحمل سيف أعضاء المجمع العلمي، ويزدهي كِبْرا.. يعلق شهاداته التي حصل عليها في حُجرة، ويستيقظ أحيانا من النوم ليتأملها، إنه مأخوذ بها، ومأخوذ أيضا بعبقريته.
ويريد يوما أن يعلق شهادة الليسانس بين شهادات الدكتوراه الفخرية وغير الفخرية التي حاز عليها، فيذهب إلى الجامعة ليحصل عليها. يرحبون به، ويبحثون في سجلاتهم، ثم يعودون إليه متغيري ألوان الوجوه وتقاطيعها.
_ ” هنالك ثغرة يا دكتور.
- ما هي؟
_ إنكم لم تحصلوا على شهادة البكالوريا الثانية، قبل انتسابكم للجامعة.”
أمر غريب.. ولكنه حصل، وعلى عضو المجمع أن يحصل على تلك الشهادة الآن.. وبين الجد والمزاح يقف على حقيقة مرة. ويقرر أن يتقدم إلى شهادة البكالوريا التي هو رئيس لجنة منحها أيضا.. وقبل ذلك، يتقدم بالاستقالة من رئاسة اللجنة حتى تكون الأمور قانونية. تظهر النتائج، ويأتي صديق مكلف بمتابعة الحصول على النتيجة، يحمل الخبر لزوجة الأستاذ الكبير.. لقد رسب، واسمه على رأس قائمة الراسبين، وصفوف الناس والطلبة تتفرج على القوائم.
يحتج الأستاذ الكبير، ويرغي ويزبد، ويتهم لجنة الامتحان والممتحنين.. ثم يسأل عن علاماته، وإذا بينها صفر في الرياضيات، صفر في اللغة اللاتينية، صفر في اللغة الإغريقية.. ولكن هذا لا يهمه، فهو أستاذ الإنسانيات، ويسأل عن مادة اللغة الفرنسية، فيجد أن علامتها لا بأس بها، ولكنه على الرغم من ذلك، رسب في الامتحان.
إنها مهزلة كاملة.. يحتج مرة أخرى ويتصل بصديقه رئيس الدولة، ليبلغه استنكاره.. ويرد رئيس الدولة على الهاتف، ولكن ليبلغ صديقه الدكتور أمرا عجيبا، يقول له، قبل أن يضع سماعة الهاتف:
” أمي منعتني من الاختلاط بأواخر الطلبة والراسبين”.
هنا تبلغ سخرية يونيسكو مداها. وتنتهي المسرحية والأستاذ يحطم سيف عضو المجمع، ويقلع أوسمته ويدوسها، بينما تجمع الزوجة الحطام وهي تقول:”هذا كل ما بقي لنا”.
المسرحية لاذعة في سخريتها، عميقة في طرحها، تجري بعلو وارتفاع مستويين، تكشف رجالا فارغين، أو تكشف عن موطن ضعف وخداع، في ماضي أشخاص كبار، كان يمكن ألا يكونوا كذلك، لو لم يغشوا أو يخدعوا، وتقدم مفارقات لاذعة في منطقها، يسخر من انعدام المنطق فيها.
المسرحية قصيرة جدا، والحوار فيها بسيط ومعبر ودقيق، وفيها جاذبية ممتازة، وقدرة على شدِّ قارئها ومشاهدها إلى المتابعة بمتعة كبيرة.
فتاة في سن الزواج
عرضت هذه المسرحية عام ١٩٥٢ في باريس، وتجري حوادثها في حديقة عامة، وأشخاصها محدودو العدد، ثلاثة أشخاص فقط. رجل وامرأة يجلسان على مقعد في حديقة عامة يتحدثان.. ربما كانا زوجين، من يدري، فعالم يونيسكو عامر بالغرائب.. فقد أجرى في مسرحية من مسرحياته تعارفا مدهشا، بين زوج وزوجه منذ دخولها البناية التي يسكنانها، حتى اكتشفا عندما دخلا شقة واحدة، أنهما زوجان.
في الحديقة العامة، تحدِّث المرأة الرجل عن ابنتها الشابة الرقيقة التي في سن الزواج، وينتقل حديثهما، الذي تبدو فيه الرصانة والعقلانية، إلى متاعب الحياة العامة، وغلاء الأسعار، واختلاف أوضاع الناس عن العهود السابقة التي سبقت اختراع الآلة، وصولا إلى العهود الحاضرة.. وأن الإنسان الآن، بعد العصر التقني، في حالة أسوأ مما كان عليها سابقا. وبين الانتقال من وضع عام أو خاص إلى وضع آخر، تذكر المرأة ابنتها التي في سن الزواج، وتشيد بمحاسنها وأنوثتها ورقتها. واخيرا تظهر الفتاة، موضوع الحديث والإشارات المتكررة.. وإذا هي رجل كامل الرجولة، في الثلاثين من العمر. وتصر المرأة الأم على التأكيد أن ابنتها_ أي الرجل المشار إليه_ جذابة في عمر الزواج، لم تتجاوز الثالثة والتسعين من العمر. وهي بذلك تضيف عمرها إلى عمر الرجل_ أو الفتاة. ويتبين أنها تريد أن تصل إلى أن عمر الفتاة الرجل 12 سنة فقط. وهنا يسأل الرجل الذي يستمع إلى الحديث:
أنت إذن قاصر؟
فيجيبه أو تجيبه:
- نعم ولكن لا تنس: جزاء القاصر قاصر ونصف.
وتنتهي بذلك المسرحية في وسط من ذهول الجميع ودهشتهم.
المسرحية قصيرة من فصل واحد قصير، ولا نجد فيها بنية فنية نتحدث عنها، وكل ما فيها غرائب يونيسكو، المعتمِدة أساسا على الفكرة، وعلى علاقات الشخوص وبنيتها.
مشاجرة رباعية:
كتبت هذه المسرحية في الخمسينيات، و قدمت عام ١٩٥٩ في مهرجان سبوليتو. تدور حوادثها في شقة عادية، وأشخاصها أربعة: ثلاثة رجال وسيدة واحدة. الرجال الثلاثة يرتدون ملابس متشابهة، حتى لا تكاد تميز أحدهم من الآخر. يبدأ اثنان منهم في البداية حركة متضادة، يرافقها كلام متضاد أيضا، نشأ عن خلاف تافه ” لا تقلب المزهرية ” نعم – كلا.. نعم _ كلا.. أنت. كلا.. أنت. و هكذا يدور حوار بينهما لا يخرج عن هذا المعنى. و يبرز ضمن المشهد شخص ثالث، يملك وعيه وعقله، و يحركه المنطق، فيحكم على الاثنين بأن ما يقومان به سخف، و بأنهما لا يقولان شيئا.. فيدخلان معه في جدل سفسطائي: كيف يمكن أن نتحدث ولا نقول شيئا، إن من يتحدث يقول شيئا، ومن يقول شيئا لا بد أن يتحدث. وشيئا فشيئا يصبح الرجل الثالث جزءًا من اللعبة، ويدخل حقل السخافات، ويردد كلاما مثل كلامهما، و يصبح جزءًا مكملا لهما، بل يصبح الثلاثة وحدة متكاملة، تتبادل الاتهامات والسخف و الحركة المكرورة. ولا يخرجنا من هذه الدوامة، مؤقتا، إلا دخول سيدة أنيقة جميلة تعترض على شجارهم، فيتقدم كل منهم إليها لتحكم بينهم. وابتداء من كلمة: عزيزتي، ينطلق كل منهم ليعلن أن المرأة خطيبته. تجد نفسها ضمن الدوامة، يتخاطفون أشياءها، وبعض ملابسها، ثم بعض أطرافها.. وفي نهاية المشهد، تتقدم السيدة الجميلة من الجمهور، وهي على ساق واحدة فقط، ومن دون يدين، وتخاطب الجميع بقولها:
” سيداتي سادتي.. إنني متفقة معكم تماما، هذا غباء مستحكم.”. وبهذه الكلمات تنتهي المسرحية.
ويونيسكو في هذه اللقطة، يدخلنا ضمن مقولاته حكما، ويريد منا أن نقبل منطقه ذاك.. إن العلاقات الإنسانية لا يسودها التفاهم، واللغة لا توصل الناس إلى شيء، والسخف سيد الموقف في كل حوار، و كل شخص ينصب نفسه حكما على الحوار و العلاقات، ويقول إنها تغرق في الغباء المستحكم. ولكن افتعال يونيسكو لمواقف الغباء هي التي تسمح له بإصدار حكم عليها، وليس بالضرورة أن تكون تلك المواقف هي الحياة، أو تشكل القاعدة العامة فيها، ومنطقها كله.
في هذه المسرحية نجد روح يونيسكو، و أسلوبه، وطريقة معالجته، أكثر تجليا في الحوار و المواقف. ونستشرف عبثه منذ البداية، على عكس المسرحية السابقة “فتاة في سن الزواج” التي وضع مفاجأته في نهايتها فقط.
تخريف ثنائي:
هذه المسرحية كتبت عام ١٩٦٢، شخوصها أربعة.. اثنان من تلك الشخوص يقومان بالعمل كله تقريبا، وهما رجل و امرأة، أشار المؤلف إليهما في المسرحية: هو وهي، رجل متزوج ترك امرأته وأولاده ليعيش مع امرأة متزوجة تركت هي الأخرى زوجها، وجمعهما الحب. إنهما مع بعضهما بعضا بشكل واضح
ومتنافر إلى درجة مثيرة في الوقت ذاته.
المرأة، منذ مطلع المسرحية، على خلاف مع الرجل، والخلاف قد ينشأ حول شيء تافه، كما هي العادة في مسرح يونيسكو.. إنها تريد أن تقول: إن السلحفاة و القوقعة شيء واحد، لأن هناك عناصر شبه خارجية، والرجل يحاول أن يفرق بينهما في أشياء.. ومن هذا ينطلق الخلاف حادا، حتى يصل إلى درجة الشتائم وتبادل التهم. الرجل والمرأة في شقة واحدة ضيقة، و يمكن أن نقول في حجرة واحدة، ويفتقدان إلى أشياء ويحتاجان إليها، في مقدمتها الطعام. وفي لحظة الاستعداد للخروج، يبدأ شجارٌ خارج المكان، ترافقه انفجارات وإطلاق رصاص وماشابه ذلك، ويتطور إلى تفجير قنابل.. والأحداث تنعكس على الشخصين اللذين ينسيان خلافهما للحظات، ويحاولان خلق جدار من الأمن والطمأنينة. يراقبان كل حركة تحدث.. يسدّان الشباك الذي اجتازته بعض رصاصات، بالفراش.. وعندما تقترب الحركة من شقتهما، صعودا على الدرج، يضعان الخزانة خلف الباب، و ينشغلان فترة في تتبع ما يجري خارج المكان، و هما في مخبئهما.
يزداد الموقف سوءًا، ويخف الهواء الموجود في الغرفة حتى ليكاد أحدهما يختنق، ويزداد إلحاح المرأة على ضرورة إيجاد مخرج. يحاول الرجل الخروج، و لكن انفجارا يهدم الشقة المجاورة، ويقطع عليهما طريق النجاة.
وفي هذا الوضع تسعى المرأة للبحث عن طعام في الشقة التي حدث فيها الانفجار، فتحصل على شيء منه، يضعانه فوق كرسي، و يجلسان ليأكلا.. فجأة يسقط شيء من السقف، ويقضي على ما جمعاه. و تكون هذه مناسبة لتبادل السباب والاتهامات.
يستمر هذا الوضع، إلى أن يطرق الباب شخصٌ، يظهر أنه جندي يسأل عن فتاة، فيزول طابور الخوف، ويعود الرجل
والمرأة إلى خلافهما حول السلحفاة
والقوقعة.
هذه المسرحية معاناة من الداخل، و لهاث إنساني على الاطمئنان والأمن والراحة، ينعكس عنه ضيق ومواقف اعتراض على أشكال من العلاقات، وعلى نمطية في الوجود، ولكنها لا تصل إلى درجة المغالاة في مشاهد العبث والمواقف غير المعقولة، إلا في حالات نادرة، مثل هبوط أجسام مقلوبة لأشخاص من سقف الغرفة، تتضح معالمها أكثر من سواها.. كما أن للحدث علاقة بنيوية بأحداث خارجية، فليس هو المحرك الوحيد للشخوص والمواقف، ولا هو ذلك النابع منهما، وإنما هناك تفاعل يؤدي إلى تطور الحدث، ويسهم في بنيته ونموه، وهو آت من الخارج.
إن يونيسكو طوَّر أعماله ومعالجاته كثيرا، ووصل بعد تقليعات اللامعقول التي قصد إلى الشهرة من ورائها، وصل إلى أحضان المعقول في مسرحيات أخرى فيما بعد، كانت بدايتها مسرحية “الجوع والعطش”. و أظن أنه قَبِلَ هذا العالم – عالمنا – على نحو ما الآن؟
وقد وضح يونيسكو أفكاره و أهدافه من اتجاهه المسرحي هذا، في مقالات واضحة جلية، تدل على روحه وعمق تفكيره
وثقافته الواسعة العميقة.. ومن هذه الأبحاث القيمة، بحث بعنوان ” الكاتب و مشكلاته “.
كتب يونيسكو عدة مقالات نقدية، رفع فيها كتابا إلى قمم الفن، ثم عاد إلى الكتاب أنفسهم في مقالات أخرى، فأوضح أنهم نقيض ماقال عنهم في السابق.. ليصل من كل ذلك إلى القول: بأن كل التفسيرات
والرؤى ممكنة، و أنه لا يوجد شيء ثابت، فالنظرة للعمل تختلف في الشخص ذاته إلى النقيض، فكيف لدى الأجيال المقبلة.
وبعد فهذا كاتب مسرحي هدم كل ما نعرفه من تقاليد المسرح، وأتى بنوع جديد من التأليف، يؤكد هو، أنه الأنموذج الذي يجب أن يكون عليه المسرح. كما أنه أتى إلى جانب التجديد في الشكل الدرامي، بتجديد في المضمون. ولم يكتف بهذا، بل أتى بالجديد كل الجديد في كل شيء.. في الحوار، في المنطق، في النظرة إلى الحياة والناس والعلاقات والقيّم والمبادئ، والوجود كله.
فهل نثور على هذا الكاتب الذي حطم كل شيء نؤمن به أو نعتاد عليه، وأراد للأرض أن تميد من تحت أقدامنا؟ هل نحارب من حارب منطقنا ولغتنا الإنسانية وذواتنا وتقاليدنا و..؟
إنني أقول كلا. نعم.. كلا.. على الرغم من كل ما أتى به يونيسكو. إن يونيسكو ذو بصيرة نفاذة، وعقل قوي، يحمل ثقافة واسعة، وذكاء حادا، وخيالا واسعا.. فلنحاول، بدل أن نحطمه ونثور عليه ونرفضه.. أقول فلنحاول أن نفهمه، أن نصل إليه، ونمحص كل ما يقوله، وننظر إليه ببعد نظر، وموضوعية، وبلا غضب.. وبعدها نطلق عليه حكمنا. إن قدرته على الارتياد والكشف لم يتطرق إليها الشك، وربما غير بعض المفاهيم أو هزَّها.. وربما.. ربما زال من الوجود، وكأن لم يكن لأدبه ولأفكاره أثر.. ربما حطم أرسطو والصاروخ.. وربما ذاب في نيران قرنه المحرقة.. ربما وربما.. من يدري؟؟ والدلائل الأخيرة تشير إلى أنه أخذ يهضم منطقنا ويقبله، ويكتب من خلال البنى المعروفة للفن المسرحي، ولكن في حدود.

إلى الأعلى