الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “العمل” شرط لحياة آدمية!

“العمل” شرط لحياة آدمية!

جواد البشيتي

ما أكثر ما قيل في “العمل”، والحضِّ عليه، والإشادة به، وتمجيده، والإعلاء من شأنه، وتِبْيان أهميته؛ فـ”العمل حَقٌّ”، و”العمل واجب”، و”العمل عِبادة”، و”العمل خَلَق الإنسان”، و”العمل أصل اللغة والحضارة”.
رئيس سابق لشركة بريطانية لصناعة السيَّارات أوْضَح، على خير وجه، وبكلمات قليلة، مفهوم “العمل” لديه، ولدى أمثاله من سادة العمل، إذْ قال: “أنا، في منصبي (الإداري) هذا لا أعمل من أجل صناعة السيَّارات؛ وإنَّما من أجل صناعة النقود”!
في كلامه الجامع المانع هذا، نَقِف على الهدف النهائي لكلِّ ربِّ عمل، ألا وهو تحويل “المال” إلى “رأسمال”، بصرف النَّظر عن الوسيلة، أو عن السلعة التي يُنْتِج، أو الخدمة التي يُقدِّم.
أمَّا المرؤوسون في الشركات، من عمَّال وموظفين، فبعضهم (وهُمْ قِلَّة) يَزْعُمون أنَّهم “مُسْتَمْتِعون” بعملهم، وبعضهم (وهُمْ كُثرة) يَزْعُمون أنَّهم لا يَسْتَمْتِعون بالعمل؛ لكنَّهم يَسْتَمْتِعون، فحسب، بالمال الذي يَحْصَلون عليه من عملهم، وبعضهم (وهُمْ قِلَّة أيضًا) يَزْعُمون أنَّهم لا يَسْتَمْتِعون بالعمل، ولا بالمال؛ وإنَّما بما يَحْصَلون عليه من طريق إنفاق (لا اكتناز) المال.
وليس ثمَّة ما هو أسوأ من حال إنسان تَجْتَمِع فيها “عبودية العمل”، و”عبودية المال”، فتراه يُنْفِق عُمْره في اكتناز الذهب والفضة، لا أهمية لديه لإجابة أسئلة من قبيل “متى يعيش؟”، و”كيف يعيش؟”
نِعْمَة “العمل” لا يعرفها على خير وجه، ويستطيع، من ثمَّ، أنْ يُحَدِّثكَ عنها، ويشرحها لكَ، إلاَّ الذي حَرَمَهُ “الله” إيَّاها؛ فإنَّ فاقِد الشيء (والذي لا يعطيه، من ثمَّ) هو خير من يُحدِّثكَ عن أهمية هذا الشيء.
والعمل نِعْمَة؛ لكنْ بمعناها “النِّسْبي”؛ فـ “كأس العمل” بعضه ممتلئ، وبعضه فارِغ؛ وإنِّي لأعني بـ “الفارِغ (منه)” أوجهه السَّلبية، وما أكثرها؛ و”الإنسان الحُر”، الذي يَلِده “المجتمع الحُر”، إنَّما هو الإنسان الذي تحرَّر من “عبودية العمل “.
“مَنْ لا يَعْمَل لا يأكل”؛ فهل وقَفْتُم على معاني هذا “المبدأ (أو الشعار)”، وعلى ما يكتنفه من إيجابيِّ المعنى وسلبيِّه؟
مَنْ لا يَعْمَل لا يأكل؛ ومَنْ لا يأكل يموت جوعًا (ومرضًا، وتموت قَبْله كرامته الإنسانية). و”العمل” هو أنْ “تُعْطي” قَبْل أنْ تأخذ، وحتى تأخذ؛ فالعمل يشبه “الدَّيْن”، العامِل هو “الدائن”، ورَبُّ العمل هو “المدين”؛ وليس “الأجْر” الذي يتقاضاه العامِل على عمله إلاَّ دَيْنًا له على رَبِّ العمل يُسدِّده هذا “المدين” في نهاية كل شهر (عَمَل). لكنَّ هذا “الدَّيْن” لا يشبهه “دَيْن”؛ فـ”المدين”، في “الدَّيْن العادي المألوف”، يَدْفَع “فائدة” أيضًا؛ أمَّا هذا “المَدين”، أيْ “رب العمل”، فلا يَدْفَع “فائدة”، ولا يَدْفَع “الدِّيْن كاملًا”؛ إنَّه يَدْفَع جزءًا فحسب من هذا “الدَّيْن”، مُسمِّيًا هذا “المدفوع” أجرًا عادلًا.
إنَّني مع ذاك المبدأ (مَنْ لا يَعْمَل لا يأكل) إذا ما كان مبتغاه (في التطبيق) هو أنْ يُعاقِب المجتمع كل مَنْ لا يَعْمَل وهو قادِرٌ على العمل (وعلى عَمَلٍ متاح له).
لكنَّ هذا المُراد عقابه (عَمَلًا بذاك المبدأ) ليس مُمِكنًا عقابه؛ لأنَّه غير محتاجٍ إلى العمل؛ فهو غنيٌّ بما يجعله مُسْتَغْنٍ عن العمل؛ إنَّه من “الذَّوات (أو من أبنائهم)”؛ فلا تتوعَّدوه بهذا العقاب حتى لا يسخر منكم، ويهزأ؛ وهو أقوى منكم حتى في “المنطق”؛ فإذا حاولتم إقناعه بأنَّ مَنْ لا يَعْمَل لا يأكل، فهو سيأتيكم بدليل مُفْحَم على أنَّ مَنْ لا يَعْمَل (مِنَ الذَّوات) يَمْلِك، وعلى أنَّ مَنْ يَعْمَل (من العمَّال) لا يَمْلِك. إنَّه يَمْلِك ما يُمكِّنه من أنْ يُرْغِم مَنْ لا يَمْلِك على العمل عنده، وما يُسْبِغ عليه نِعْمَة التحرُّر من عبودية العمل؛ أمَّا مأكله (وسائر أوجه عيشه الرغيد) فيُحْسَد عليه (أو يُغْبَط).
“مَنْ لا يَعْمَل لا يأكل” إنَّما هو مبدأ للجريمة، يرتكبها “سادة العمل”، مع دولهم وحكوماتهم، في حقِّ مَنْ لا يَعْمَل؛ لكونه لا يَجِد عملًا (وهو القادر على العمل، المؤهل له).
إنَّهم يَنْظرون إلى كل مَنْ تضيق به سوق العمل على أنَّه مِنَ “الفائض السُّكَّاني”، ويستحق “عقاب مالتوس”، عقاب “الموت جوعًا (ومرضًا)”، ودَوِس كرامته. وفي جزءٍ من هذه الفئة الاجتماعية الواسعة المتَّسِعة، يَسْتَثْمِرون جهودًا هي لجهة غاياتها وثمارها “شَرٌّ اجتماعي وأخلاقي..”؛ فَمِن هذه الفئة (التي لا هَمَّ لأفرادها إلاَّ أنْ يدرأوا عن أنفسهم خطر الموت جوعًا) يُجنِّدون أُناسًا لأعمال تترفَّع الوحوش عنها، كمثل “البَلْطَجَة”.
وطالما رَأَيْنا جيش العاطلين عن العمل (وهو في بلادنا جيشٌ، أفراده مهدَّدون بالموت جوعًا) يُمارِس ضَغْطًا في اتِّجاه خَفْض منسوب الآدامية في أجور ورواتب العمال والموظَّفين الصغار، و”سوقًا” تزدهر فيه “حِرْفة النَّخاس”؛ وثمَّة نَخَّاسون كُثْر يحتاجون إلى هذه “البضائع البشرية الرَّخيصة” في تأدية أعمال (ومهمَّات) قَذِرَة، لا يَقْبَل تأديتها إلاَّ إنسان أَفْقَدَه افتقاده العيش الكريم، المتأتي من عَمَلٍ تَعَذَّر عليه الحصول عليه، البقية الباقية من آدميته.
ولقد ابتلانا الله، نحن أهل الشرق، والشرق العربي على وجه الخصوص، بأسياد ورؤساء مؤسَّسات وأعمال لا يُميِّزون أبدًا خِدْمَة العامل والموظَّف لهم (بصفتهم الوظيفية والمهنية) مِنْ جَعْلِه خادِمًا (شخصيًّا) لهم، يؤدِّي أعمالًا لا تمتُّ بصلةٍ إلى عمله الحقيقي أو الرَّسمي؛ فإمَّا أنْ يستخذي ويَقْبَل، وإمَّا أنْ يَجِد نفسه، مع عائلته، في الشارع، موسِّعًا جيش الباحثين عن العمل.
ثمَّ (وشَرُّ البلية ما يُضْحِك) يتساءلون في دهشة واستغراب (وكأنَّهم “الفضيلة” تشكو ضعفها إلى أفلاطون) قائلين: لِمَ كلُّ هذا العنف في سلوك شبابنا؟!
لقد زرعوا الشَّوْك متوهِّمين أنْ يحصدوا عنبًا، وأنْ يجنوا وردًا!
في شبابنا مات كل ما يُحِبُّون؛ فهل نلومهم إذا ما كرهوا حتى أنفسهم؟!

إلى الأعلى