الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر على طريق الإصلاح الاقتصادي

مصر على طريق الإصلاح الاقتصادي

سامي حامد

أثار قرار الحكومة المصرية خفض الدعم على أسعار الوقود والطاقة ردود أفعال متباينة، فهناك من رآه قرارا تأخر كثيرا، وهناك من اعترض على صدوره لتأثيره السلبي على الطبقة الفقيرة .. وهناك من رأى أن توقيت صدوره غير مناسب بالمرة خاصة وأنه صدر خلال شهر رمضان الذي تزداد فيه أصلا مصروفات المعيشة .. وأيا كان الأمر فقد نجحت الحكومة المصرية في اجتياز عقبة كبيرة لم تجرؤ الحكومات السابقة على مدى 30 عاما من الاقتراب من مسألة الدعم خشية من قيام مظاهرات حاشدة مثل التي حدثت إبان حكم الرئيس الراحل أنور السادات في يناير العام 1977م!!
لقد قامت الحكومة المصرية برفع أسعار الوقود بنسب بلغت 78% للبنزين “80″ و40% للبنزين “92″ و63% للسولار و120% للغاز الطبيعي الأمر بهدف تقليل العجز في الموازنة العامة للدولة من 300 مليار جنيه إلى 240 مليار جنيه، وكان إجمالي الدعم في الموازنة يبلغ 251 مليار جنيه، وبعد خفض 51 مليار جنيه أصبح الدعم في حدود 200 مليار جنيه، ورغم رفع أسعار الوقود إلا أن الدولة لا تزال تدعم لتر البنزين بحوالي جنيهين ولتر السولار بأربعة جنيهات وقد أدى رفع أسعار الوقود إلى ارتباك في الأسواق واحتجاجات محدودة بين السائقين سرعان ما انتهت برفع أسعار تعريفة الركوب بشكل مبالغ فيه في كثير من الأحيان، وهو ما دفع المحافظين إلى النزول إلى الشوارع لضبط الأسواق وإلزام أصحاب وسائل النقل الخاصة بتعريفة ركوب موحدة للركاب!!
لقد كشف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال لقائه قبل أيام برؤساء تحرير الصحف المصرية أن حجم الدين المحلي الداخلي يبلغ حوالي 2 تريليون جنيه؛ أي ما يعادل نسبة 83% من إجمالي الناتج المحلي، بينما يصل الدين الخارجي 169 مليار جنيه؛ أي ما يعادل 7% من الناتج المحلي. وتسعى الحكومة من خلال إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية، سواء بالنسبة لمنظومة الدعم أو الضرائب إلى خفض العجز في الموازنة العامة للدولة إلى 10% من الناتج المحلي ليبلغ العجز 240 مليار جنيه مقارنة بالعجز المتوقع للعام المالي الماضي الذي انتهى في الـ30 من يونيو والذي يبلغ 243 مليار جنيه بنسبة 12% من الناتج المحلي.
وفي الواقع فإن منظومة الدعم كانت في حاجة إلى إعادة نظر بشكل جذري، فهناك من يرى ضرورة تطبيق الدعم النقدي باعتباره أنسب الأنظمة لإنقاذ الاقتصاد القومي من كبوته، كما أنه كان من الضروري قبل خفض الدعم ترشيد الإنفاق الحكومي وتطبيق سياسات مالية من شأنها زيادة إيرادات الدولة، وهو ما عملت حكومة المهندس إبراهيم محلب على تنفيذه حيث اعتمدت على 3 خطوات: الأولى تخفيض دعم الطاقة عن طريق رفع أسعار الكهرباء والمواد البترولية .. والخطوة الثانية تصحيح منظومة الضرائب من خلال إصدار 3 قوانين ضريبية جديدة تهدف إلى تحقيق العدالة ومكافحة التهرب الضريبي.. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في ترشيد الإنفاق الحكومي قي جميع مؤسسات الدولة!!
لقد بدأت مصر بالفعل تخطو أولى خطواتها على الطريق الصحيح لإصلاح مسارها الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ترشيد الدعم الذي يستفيد منه الغني قبل الفقير، حيث تذهب الاستفادة الأكبر من دعم المنتجات البترولية إلى أصحاب المصانع الذين يستخدمون الطاقة بسعر مدعم، وفي المقابل ينتجون سلعا يبيعونها للمصريين بالسعر العالمي كالحديد والإسمنت مثلا، كما قامت الحكومة بفرض ضريبة على أرباح البورصة وضريبة إضافية 5% على من يزيد دخله السنوي على مليون جنيه، وهي ضريبة مؤقتة مدتها ثلاث سنوات، فضلا عن تطبيق الحد الأقصى للأجور على جميع العاملين بالدولة بحيث لا يزيد عن 42 ألف جنيه شهريا، وينطبق هذا الأمر على أصحاب الكادرات الخاصة كالعاملين في البنوك وشركات البترول، وهو مطلب فشلت كل الحكومات السابقة في تحقيقه!!
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قال لرؤساء تحرير الصحف المصرية إنه رفض التصديق على الموازنة العامة للدولة بعجزها الذي يبلغ 300 مليار جنيه لأنه لو وافق على ذلك، فهذا يعني أن حجم الدين العام سيبلغ 3 تريليونات جنيه خلال عامين أو ثلاثة، وبالتالي كان لا بد من خفض الدعم على الطاقة بحوالي 51 مليار جنيه، لافتا إلى أن الدولة تدفع كل يوم 600 مليون جنيه لخدمة الدين و500 مليون جنيه للأجور ومثلها للدعم قائلا نحن في حالة حرب على الجبهتين الداخلية والخارجية ومصر تواجه مؤامرات من أطراف لا تريد للدولة النجاح، مشددا على أن ما حدث في السنوات الماضية من أطراف في الداخل والخارج الهدف منه هو ما وصلت إليه الأوضاع في مصر والمنطقة الآن وانظروا إلى دول الجوار العربي واسألوا أنفسكم هل العراق الموحد موجود الآن؟! هل سوريا الدولة موجودة؟!
لقد أوضح الرئيس السيسي أن تحريك الأسعار في منظومة دعم الطاقة يأتي في إطار تحريك يتم لأول مرة منذ 50 عاما وذلك حتى نستطيع بناء دولة قوية حديثة، ولكي يتحقق هذا الأمر لا بد من مواجهة التحديات الجسام بكل جدية والتصدي لكافة الأطراف التي تسعى بشتى الطرق لإفشال أي نجاح لمصر. وأوضح أن مصر تمر بظروف صعبة في ظل وجود فصيل “ما يعرفش ربنا” “عايش وسطنا” ومستعد لتدمير البلد وموجود في بعض مؤسسات الدولة، وهؤلاء لا يريدون أن تقوم للبلد قائمة ويتمنون استعادة زمام المبادأة في الشارع وإنهاء الحالة الوطنية التي تشكلت في الاشهر الماضية مستغلين القرارات الاقتصادية الأخيرة لإثارة الشارع المصري!!
المصريون لأول مرة يجدون أنفسهم أمام رئيس دولة يصارحهم بالحقيقة حتى وإن كانت مؤلمة؛ فالتحديات صعبة وعلى الجميع أن يتجرع مرارة دواء الإصلاح الاقتصادي حتى يسترد الاقتصاد المصري عافيته من جديد، وهذا يتطلب من الجميع المزيد من العمل والإنتاج والتضحيات حتى تعود مصر قوية كبيرة فلا يعقل أن تبقى مصر في انتظار مساعدات الأشقاء الذين وقفوا إلى جانبها في أحلك الفترات إلى الأبد؛ فالشكر الجزيل لهم ويبقى الدور على المصريين لبناء دولتهم الحديثة.

إلى الأعلى