الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لا يمكن وقف التضليل

لا يمكن وقف التضليل

د.احمد مصطفى

” ربما لا يمكن وقف التضليل، خاصة مع انتشار الأدوات التكنولوجية وتطورها المستمر و”تمكين” الأفراد والجماعات الهامشية من استخدام تلك الأدوات التكنولوجية لترويج الأخبار الكاذبة والدس والتضليل المعلوماتي بالتلفيق وتدوير الشائعات. لكن يمكن بالتأكيد ابتكار السبل التعليمية والتربوية لاستعادة ملكة التفكير النقدي وتنميتها وبناء أسس معرفية سليمة …”

منذ حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية العام قبل الماضي ولا يمر يوم إلا وتقرأ أو تسمع خبرا أو تقريرا عن جهود شركات التكنولوجيا ومواقع التواصل لوقف “الأخبار الكاذبة”. كذلك تسمع تصريحات السياسيين في كافة بلدان العالم المتقدم وغير المتقدم مطالبين شركات التكنولوجيا ببذل مزيد من الجهد لوقف انتشار الأخبار الكاذبة. وتتناول تلك الأخبار طرح شركات التكنولوجيا أدوات وبرامج جديدة لتمييز الكاذب من الصادق من الأخبار، حتى أن بعض مواقع التواصل الشهيرة أعلنت الاستعانة بمستخدميها ليقيموا الأخبار كي تتمكن من فصل الغث عن الثمين. والواقع أن لا أحد يتصور أن كل تلك الاجراءات والاحتياطات يمكنها وقف انتشار الأخبار الكاذبة والشائعات والتلفيقات، خاصة مع مساحة النفاذ الرهيبة لوسائل التواصل وترويجها لكثير من مواقع الانترنت المفبركة. بل على العكس، تضر تلك الاجراءات بمنافذ الإعلام الرصينة وربما تزيل كثيرا من الأخبار غير الكاذبة وتحول دون انتشارها لأن “التكنولوجيا عمياء”.
بداية، من المهم الإشارة إلى أن “الأخبار الكاذبة” والتضليل المعلوماتي ليست أمرا جديدا، ولكن انتشارها الرهيب على هذا النطاق الواسع هو الجديد مع تطور الانترنت ومواقع التواصل. الفارق أيضا أن “الدس المعلوماتي” في السابق كان تقريبا يقتصر على الحكومات وأجهزتها، خاصة أجهزة المخابرات. وكانت تلك الأجهزة تستغل الصحافة التقليدية في نشر وبث معلومات مغلوطة لأهداف معينة، وغالبا ما كانت تغلف في شكل “أخبار حصرية” أو تسريبات خبرية تحمل بعض المعلومات الصحيحة والآخر المفبرك المقصود منه تحقيق غاية محددة. وأتذكر في مرحلة دراسية ما كانت هناك محاضرة عن “التضليل المعلوماتي” Disinformation قدمها لنا عميل سابق لأعتى أجهزة المخابرات في العالم. وقال لنا إنه في منطقتنا كان الجواسيس يعتمدون على الصحفيين اللبنانيين في عمليات التضليل تلك، وشرح السبب بأنه في تلك الفترة كان الصحفيون اللبنانيون الأكثر تنافسا للحصول على الأخبار الحصرية وتحقيق “السبق الصحفي”. وكان ذلك يسهل على عملاء الاجهزة دس التضليل في بعض أنصاف الحقائق فيما يبدو “خبطة صحفية” تغري الصحفي النشيط اللاهث وراء السبق.
لم تكن تلك الوسيلة الوحيدة للتضليل المعلوماتي ونشر التلفيقات المتعمدة، لكن الوسيلة كانت في الأغلب الإعلام التقليدي بمنصاته المعروفة. ولم يكن التضليل كله دس معلومات مغلوطة وتلفيق فبركات فحسب، بل كان أحيانا توصيل رسائل معينة مبطنة في تغطية إعلامية تبدو بريئة إنما القصد من ورائها خبيث. ولعلنا جميعا نتذكر فيديوهات تنظيم القاعدة الإرهابي وزعمائه التي كانت تبث عبر فضائية مشهورة ولعلها ضللت الكثيرين، لكن آخرين بالطبع كانوا يفطنون إلى الهدف النهائي من ذلك التضليل الإعلامي ـ وإن لم يتمكنوا من تنوير الملايين ووقف تضليلهم.والأمثلة كثيرة على وجود ذلك التضليل الإعلامي، حتى من أيام “المنادي” الذي كان يعلن بيانات السلطات بين الناس قبل تطوير النشر والبث. فالجديد إذا هو أن التلفيق والتضليل عبر الأخبار الكاذبة لم يعد حكرا على الحكومات وأجهزتها بل أصبح ممارسة شائعة. وفي عصر انتشار الانترنت و”الوفرة” المعلوماتية الضارة أصبح بمقدور الأفراد (مع تمكينهم، عبر حملات الترويج الهائلة للتمكين والتمييع وقلة الأدب) الدس والفبركة والتضليل إلى حد الخطر.
ورغم محاولات الصحفيين الجادين والمهنيين في السابق لتمحيص الحقائق ومواجهة التلفيق والتضليل، إلا أن ذلك لم يمنع الفبركة أو يوقف التضليل. فما بالك الآن وقد اتسع نطاق مصادر الأخبار الكاذبة والتلفيق والتضليل!! ليس ذلك فقط، بل أصبحت للجماعات والتنظيمات التي كانت هامشية وسيلة سهلة للدس وإيصال رسائلها عبر الانترنت في شكل يلبي أذواق المستخدمين الجدد من الأجيال الجديدة التي تميل إلى “الاستسهال” وتبتلع الإثارة بسهولة ويسر. وربما يكون ذلك المدخل الأفضل لمواجهة هذا التضليل ـ ولا نقول وقفه ـ باعتماد أدوات تربية تعزز التفكير النقدي والالمام بالأساسيات بجهد ودون استسهال كي يتمكن النشء من التمحيص والتمييز دون ما تبدو أنها وصاية من الكبار على ما يستهلكون من معلومات. وهنا تأتي أهمية التعليم، خاصة في المراحل المبكرة، واعتبار تنمية قدرات البشر على “الانتقاء” من الوفرة الحالية هدفا تعليميا وتربويا أساسيا.
ربما لا يمكن وقف التضليل، خاصة مع انتشار الأدوات التكنولوجية وتطورها المستمر و”تمكين” الأفراد والجماعات الهامشية من استخدام تلك الأدوات التكنولوجية لترويج الأخبار الكاذبة والدس والتضليل المعلوماتي بالتلفيق وتدوير الشائعات. لكن يمكن بالتأكيد ابتكار السبل التعليمية والتربوية لاستعادة ملكة التفكير النقدي وتنميتها وبناء أسس معرفية سليمة (بعيدة عن الخرافة والدعائية الفجة) نمكن الأفراد فيما بعد من عدم الوقوع في فخ التضليل. لا ندعي أن تلك مهمة سهلة، ولا حتى أن أنظمة التعليم الحالية تسمح بها بشكل يسير، لذا ندعو إلى الابتكار الأصيل لأفضل السبل لتربية النشء على مواجهة ذلك الخطر. وهنا يتعين على خبراء التربية والتعليم الابتكار الأصيل، وليس النقل والتلفيق من مواد منشورة على الانترنت يسهل محرك البحث “غوغل” الوصول إليها ـ فلربما كان في ذلك تضليل ومعلومات مفبركة !!! اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.

إلى الأعلى