الجمعة 25 مايو 2018 م - ٩ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (7 ـ 10)

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (7 ـ 10)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
وقال: وقد يكون بالمصلحة المرسلة ومثالة عدم إنتهاء عقد المزارعة بموت العاقدين أو أحدهما وذلك إستحساناً على خلاف القياس. وقد يكون الإستحسان بالضرورة. عندما توجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس تيسيراً على الناس ورفعاً للحرج عنهم مثل قبول الشهادة بالتسامع، والعرف الصحيح يعتبر مصدراً من مصادر الفقه وأصلاً من أصوله، وقد أخذ به الأئمه الأربعة على وجه الإجمال وبنوا عليه كثيراً من الأحكام الفقهيه ووضعوا على أساسه القواعد الفقهيه التي تنطبق على فروع كثيرة مثل قاعدة: العادة محكمة والثابت بالعرف كالثابت بالنص، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أستعمال الناس حجة .. وهكذا مما يدل على أن الفقهاء إعتبروا العرف في بناء الأحكام الشرعية إذا توافرت شروطه وهي:
1 ـ أن يكون العرف مطرداً أو غالباً
2 ـ أن يكون موجوداً ومعمولا به عند إنشاء التصرف.
3 ـ ألا يكون مخالفاً لتصريح أحد المتعاقدين.
4 ـ ألا يكون مخالفاً لأدلة الشرع.
وقال: ومن أهم الأحكام التي بنيت على العرف، في المذهب الحنفي: التمن المطلق في البيع ينصرف إلى غالب نقد البلد لأنه المتعارف وكل ما جرى عرف البلدة على أنه من مشتملات المبيع يدخل في البيع من غير ذكر، وفي الفقه المالكي: من المقرر فقهاً أن بيوع الغرر غير جائزة، لما ورد ان النبي (صلى الله عليه وسلم) نهي عن بيع الغرر ومن الغرر أن يكون المبيع مغيبا داخل ظرف، واستثنى من ذلك ما إذا ذكرت أوصاف المبيع ثم وحدت موافقة لما ذكر وسمى هذا النوع من البيع بالبيع على البرنامج وحكم بصحتة ولزومه على المشتري لتعارف الناس عليه، وفي الفقه الشافعي: حفظ الودائع والأمانات يحفظ كل شئ فيما جرى العرف بحفظة فإذا حفظ في غيرة كانت مضمونة، وإجارة وسائل النقل. فهي تحمل على المعتاد من المسافة والإماكن وكذلك ما يحق للمستأجر تحميلة فيما إذا كان الإستئجار للسفر أو للنقل داخل البلدة، وفي الفقه الحنبلي: البيع بالمعاطاة وهو بيع صحيح لان الله تعالى أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف، وهكذا يفهم أن العرف ـ إذا كان صحيحاً بتوافر شروطه يصح دليلاً شرعياً تبني عليه الإحكام الشرعية، مع ملاحظة أن الإحكام المبنية على العرف تتبدل وتتغير بتغيره على نحوما بينا سابقاً، وهذا يعني صلاحية العرف دليلاً شرعياً لتطوير الفقه الإسلامي وبيان الإحكام الشرعية للمسائل المستحدثة في المعاملات.
رابعاً ـ الإستصحاب:
وقال الباحث: الإستصحاب في اللغة بمعنى: اللملازمة وعدم المفارقة، وفي إصطلاح الأصوليين: الحكم بثبوت أمر في الزمان الحاضر بناء على ثبوته في الزمان الماضي حتى يقوم الدليل على تغيره. وبعبارة أخرى بقاء ما هو ثابت بالدليل، وهو من الأدلة الشرعية التي إختلف العلماء في إعتباره، والحق في ذلك أنه من الصعب إنكار حجية الإستصحاب في جميع أنواعه، لأن حجيته في البعض منها يؤكد إستقرار الواقع وملاحظة الشرائع فلا خلاف بين الفقهاء على حجية الإستصحاب فيما دل الشرع والعقل على ثبوته ودوامه حتى يزول بدليل معارض، فالزوجة زوجة حتى تثبت الفرقة، والملك ملك مستمر لصاحبة حتى يزول بدليل، ولا خلاف أيضاً في عدم الإحتجاج بالإستصحاب عند قيام دليل على خلافه ولا خلاف في إستصحاب العدم الأصلي.
موضحاً بأن من المعلوم أن الإستصحاب أنواع وهي: إستصحاب حكم الإباحة الأصلية وهو الحكم الأصلي للأشياء وبناء عليه كانت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وعليه إذا عرضت للمجتهد مسألة أو واقعة ولم يجد نصا يحكمها، وليس فيها ضرر ظاهر فإن عليه أن يحكم بمشروعيتها إستناداً إلى الأصل أو الحكم الأصل في ذلك وهو الإباحة، ومن هذا النوع أحكام المعاملات فالأصل فيها الإباحة حتى يقوم الدليل على المنع، وإستصحاب البراءة الأصلية، فالأصل براءة الذمة من كافة التكاليف والإلتزامات، وإستصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يقوم الدليل على زواله كثبوت الملك عند وجود سببه كالبيع والإرث ولا يزول حتى يحكم بزواله.
وقال: ولا شك أن مما يخفف من حدة الخلاف بين العلماء في حجية الإستصحاب أنه لا يرث يثبت حكماً جديداً كغيره من الأدلة بل يفيد أستدامة الحكم السابق الثابت بدليله كالإباحة الأصلية أو العدم الأصلي فهو حجة لبقاء ما كان على ما كان حتى يرد ما يغيره، كما لا شك في أن ما يفيد في هذا المقام من أنواع الإستصحاب هو إستصحاب الحكم الأصلي للأشياء وهو الإباحة الأصلية. فذلك هو الأصل في المعاملات والعلاقات الخاصة بها، فهي في أصلها طلق مباحه لا يحرم منها إلا ما يحرمه الشرع. وبذلك يتسع المجال للمجتهدين في كل عصر أن يستنبطوا أحكام ما يستجد لهم من حوادث ومستجدات يسايروا بذلك القوانين الوضعية وتطوراتها بتطور المجتمعات.
مؤكداً بأنه تبين من خلال هذا العرض الموجز لهذه الأدلة الشرعية المصلحة والمعرف والإستحسان والإستصحاب أنها تسهم مع النصوص ولأجماع والقياس في تطوير الفقه الإسلامي، وتؤكد على مرونته وحيويته وملائمته للحياة البشرية وإتساعه لمختلف أطوارها، وإستجابته لحاجات ومطالب المجتمع المتطور في شئ المجاملات دون إعتماد على مصادر أخرى من نظام قانوني أخر، وهذا ما يدعم فكرة التجديد دائماً في الفقه الإسلامي كلما دعت إليه الحاجة.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى