الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م - ٧ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العفو والصفح (2)

العفو والصفح (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
.. ومن كمال عفوه سبحانه أنه مهما أسرف العبد على نفسه، ثم تاب إليه ورجع، غفر له جميع جُرمه وخطيئته، كما قال سبحانه:(قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ـ 53)، وعن أَنَس بْن مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ:(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)، وهو سبحانه الحليم، الذي لولا كمال عفوه، وسَعة حِلمه، ما ترك على ظهر الأرض من دابّة تدِبّ ولا نفس تعيش:(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (النحل ـ 61)، وهو سبحانه العفو القدير، الذي لم يزل ولا يزال ينعم على جميع الخلق، ويعفو عن المذنبين والمجرمين، مع قدرته على عقابهم والانتقام منهم.فسبحان المولى الكريم الذي يعفو عن زلات العباد، وذنوبهم العظيمة، ويُسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام، الصادر عن قدرته.
واللهِ إنَّهُ لا أَسرَعَ في إِطفَاءِ نَارِ الخِلافَاتِ، وَلا أَنجَعَ في تَخفِيفِ العَدَاوَاتِ,مِن إِلقَاءِ بَردِ العَفوِ عَلَيهَا وَمُعَاجَلَتِهَا بِغَيثِ الصَّفحِ والتَّسَامُحِ لِتَتَطَهَّرَ القُلُوبُ مِن دَنَسِهَا وَتَنقى مِن وَضَرِهَا، وَمِن ثَمَّ تَرجِعُ لِلصَّفِّ وِحدَتُهُ، ويكونُ الاجتِماعُ،وتَعِيشُ الأُمَّةُ في اطمِئنَانٍ وَتَآلُفٍ، فَتَتَفَرَّغُ لِمَا فِيهِ صَلاحُهَا وَفَلاحُهَا، وَتَتَعَاوَنُ عَلَى مَا بِهِ فَوزُهَا وَنَجَاحُهَا.
ولَقَد جَاءَ الإِسلامُ العظيمُ بما يَردَعُ الظُّلمِ وَيَكُفُّ نَزَوَاتِ الانتِقَامِ، وَيَمنعُ شَهَوَاتِ الانتِصَارِ لِلنَّفسِ! بَل جَاءَت نُصُوصٌ تأمُرُ بِحسنِ المُعَامَلَةِ وَعدَمِ مُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِسَاءَةِ، وَحَثِّهِ على الدَّفعِ بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ، وَتَرغِيبِهِ في الصَّفحِ عَنِ الأَذَى وَالعَفوِ عَنِ الإِسَاءَةِ، وَالاتِّصَافِ بِالحِلمِ وَتَركِ الغَضَبِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الانتِصَارِ لِلنَّفسِ، قَالَ تَعَالى:(وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ)، وَقَالَ سُبحَانَهُ:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالمِينَ).وَبِالعَفوِ وَالصَّفحِ أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ:(خُذِ العَفوَ وَأْمُرْ بِالعُرفِ وَأَعرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)، وَقَالَ تَعَالى:(فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ). وَبِالعَفوِ وَالصَّفحِ أَمَرَ اللهُ المُؤمِنِينَ،وَجَعَلَ نَتِيجَتَهُ مَغفِرَةُ ذُنُوبِهُم وَرَحمَتُهُ إِيَّاهُم، فَقَالَ تَعَالى:(وَلْيَعفُوا وَلْيَصفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وقال:(وَإِن تَعفُوا وَتَصفَحُوا وَتَغفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وَقَالَ تَعَالى في وَصفِ المُهَيَّئِينَ لِجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ:(وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ).
وَكَانَ العَفوُ خُلُقَ نَبِيِّنَا الأعظَمِ، فَلَم يَكُنْ لِيَنتَقِمَ لِنَفسِهِ، بَل كَانَ يَعفُو وَيَصفَحُ، وَيَفعَلُ الخَيرَ وَيُحسِنُ إِلى مَن أَسَاءَ إِلَيهِ، عَن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت:(مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امرَأَةً وَلا خَادِمًا، إِلاَّ أَن يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنهُ شَيءٌ قَطُّ فَيَنتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ إِلاَّ أَن يُنتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ تَعَالى فَيَنتَقِمُ للهِ تَعَالى) ـ رَوَاهُ مُسلِم.
العفو يؤثر في القلوب القاسية، فيجعل المسيء نادماً متأسفاً على سوء فعله وتصرفه. فهذا عليّ بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ كلمه رجل فافترى عليه، فقال:(إن كنا كما قلت فنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفر الله لك، فقام إليه الرجل فقبل رأسه، وقال: جُعِلتُ فِداك، ليس كما قلتُ أنا، فاغفر لي. قال: غفر الله لك).
في العفو رحمة بالمسيء، وتقدير لجانب ضعفه البشري، وامتثال لأمر الله، وطلب لعفوه وغفرانه، وتوثيق للروابط الاجتماعية التي تتعرض إلى الوهن والانفصام بسبب إساءة بعضهم إلى بعض، وجناية بعضهم على بعض وسبب لنيل مرضات الله سبحانه وتعالى، وسبب للتقوى وبالعفو تُنال العزة، والعفو والصفح سبيل إلى الألفة والمودة بين أفراد المجتمع في العفو والصفح الطمأنينة والسكينة وشرف النفس.
بالعفو تكتسب الرفعة والمحبة عند الله وعند الناس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة” العفو والصّفح هما خُلُقُ النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، فأين المشمِّرون المقتَدون؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين؟!)، وسئِلَت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلُق رسولِ الله فقالت:(لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) ـ رواه أحمد والترمذي.

إلى الأعلى