Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

حذف الحرف وذكره في القرآن الكريم (2)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: إن كلمة (مسحّرين) التي وردت في آي الذكر الحكيم والتي أوردناها بالأمس لها معنيان: يمكن أن تفسر بالمسحورين الذين أصيبوا بمس واختلط الأمر عليهم, ويمكن أن تفسر بمن لهم معدة ورئة يأكلون ويشربون , ومن هذا القبيل ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين سحري ونحري), وقد ذكر المفسرون ابن جرير والزمخشري والرازي هذين القولين أما الزمخشري والرازي فلم يرجحا قولا دون آخر، وأما ابن جرير فقد رجح أن كلمة مسحرين في الآيتين تعني أنهم بشر يأكلون ويشربون.
والذي نراه هنا التفصيل فما قاله قوم صالح ـ عليه السلام ـ قصد به هذا المعنى الأخير وهو ما رجحه ابن جرير وما قاله قوم شعيب عليه السلام قصد به المعنى الأول أي من المسحورين وحجة ذلك.
أن كلمة (مسحّر): حينما تفسر بصاحب المعدة والرئة الذي يأكل ويشرب فإنها تكون مساوية للبشرية, أما إذا فسرت بالمسحور, فإنها لن تكون كذلك, بل كل منهما فيها معنى غير الذي في الأخرى, وقد قال قوم صالح:(إنما أ،ت من المسحرين*ما أنت إلا بشر مثلنا), فلم توسط الواو بين الجملتين, لأن معناها واحد, إذ معنى المسحرين الذي قصده قوم صالح هو أنك ذو رئة تأكل وتشرب, ثم جاءت الجملة الثانية تؤكد هذا المعنى (ما أنت الا بشر مثلنا), فإن كونه يأكل ويشرب معناه أنه بشر فالجملة الثانية إذن ليست أجنبية عن الأولى, بل هي تأكيد لها, فبين الجملتين كمال اتصال كما يقول علماء البلاغة, لذا لا يجوز أن تتوسط الواو بينهما, لأن العطف يقتضي التغاير ولو وسطت الواو لكان لكل من الجملتين معنى يختلف عن معنى الآخر.
وعلى العكس من هذا ما قاله قوم شعيب:(قالوا إنما أنت من المسحّرين، ما أنت إلا بشر مثلنا), فكلمة (مسحّرين) يجب أن تفسر بالمسحورين الذين مسهم الشيطان واختلط عليهم الأمر, وهذا يختلف عن كونهم بشرا فقوم شعيب ألصقوا بنبيهم تهمتين: كونه مسحوراً أولاً, وكونه بشراً ثانياً, ولا شك أن كلا من التهمتين تختلف عن أختها, لذا وسطت واو العطف, لأن العطف يقتضي التغاير كما قلنا ذلكم هو الاعجاز البياني في الآية.
بقي نوع آخر من الاعجاز, وهو اعجاز تأريخي, لكنه متفرغ كما رأينا عن الاعجاز البياني, فالاعجاز البياني هو الأصل والأساس, فما هو هذا الاعجاز التأريخي؟.
إننا ونحن نقرأ كتاب الله تبارك وتعالى يحدثنا عما كان يدور بين الأنبياء عليهم السلام, وأقوامهم, نجد أن التهمة بفرية السحر, لم تكن معروفة عند الأنبياء الأول, وإنما كانت متأخرة, وكأن قضية السحر لم تكن مشتهرة عند القبائل الأولى: عاد وثمود, وكل الذي يجيبون به أنبياءهم أنهم بشر يأكلون ويشربون, وأنهم اتبعهم الأرذلون, لذا لا نستطيع أن نفسر كلمة (مسحرين) التي قالها قوم صالح بمن أصابه السحر, لأن السحر لم يكن معلوما لهم ولا معروفا عندهم, إن السحر ظهر متأخرا وقد حدثنا القرآن عن السحر عند المصريين القدماء, ونحن نعلم قرب المسافة بين مصر ومدين منزل شعيب عليه السلام , لذا كان السحر معلوما لهم معروفا عندهم.
وهكذا ندرك نوعي الاعجاز في الآيتين ــ أعني البياني والتأريخي كما قرر من قبل, والله أعلم فلله در هذا التنزيل وما أعظم وأجمل رسالة الحرف, ونسأله أن يلهمنا الصواب, وأن يفتح علينا في فهم كتابه الكريم.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر


تاريخ النشر: 26 يناير,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/240423

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014