الخميس 16 أغسطس 2018 م - ٥ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (3)

العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (3)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
عرضنا في لقاءٍ سابقٍ كيف يكون العلماء الذين هم على صلة بالله أكثر الناس حبّاً في مجتمعاتهم، وأصدق الناس عطاءً لها وتطويراً لكل جوانبها، وسعياً إلى بذل أقصى الوسع ومن غير أن يطالب منهم أحد بذلك، مبتغين فيما يقدمون وجه الله، والدار الآخرة، وخصوصاً أهل الخشية منهم، وأهل محبة الله، القائمين على شؤون الدعوة، وأخذ العاصين المشركين إلى طريق النور والتوحيد، وقصة سيدنا سليمان مع بلقيس وقومها خير شاهد على ذلك، ونواصل توضيح هذه الفكرة حيث إن صاحب العلم الذي أورثه العلم الخشيةَ يُعيد كلَّ الخيرات، والنعم إلى الله، ودائما صاحبه في معية الله، وأبدا أبدا لا ينساه ـ جل في علاه ـ ثم بدأ سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ في استغلال كل ما تحت يديه من فنون وعلوم لهداية هؤلاء القوم، والدخول بهم إلى ساحة الإيمان، والتُّقّى، وكمال العبودية الحقة لله:(قال نكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ)، فقامت علوم الزخرفة والديكور والهندسة والسيراميك وتجميل المباني .. ونحوها مما منَّ الله به عليه بوضع لمسات الحضارة على العرش، حتى كأنه عرش جديد ولذلك فعندما حضرت ملكة سبأ، وقيل لها: ادخلي الصرح ذُهِلت بما عند سليمان ـ عليه السلام ـ من علوم وفنون، وقدرات تفوق قدرات أيِّ بشر، وأنها مسبوقة بمئات المرات بما عندها من حضارة وعلم وإبداعات وعروش عظيمة:(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا)، لم تتعود هذه الحضارة المختلفة تماما عما هي فيه من نعيم وتحضر، لأنها حضارة متصلة بالسماء، وأهلها أهل محاريب وبكاء، بين يدى الله ـ عزَّ في سماه.
كانت الهندسة الزخرفية والديكورات قد لعبت دورها في التمويه حتى إن الملكة عند دخولها الصرح كشفت عن ساقيها خشية أن يصيبها الماءُ ظناًّ منها بوجود لُجة من الماء، ستتعثر فيها، أو قد يصيبها منها بعض البل، فتكون في وضع مخجل كملكة معروفة ومشهورة، ولكن سليمان وملئه المستقبلين لها ردُّوا ردّا علمياً حضارياً:(قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ)، والكلمة تحكي دلالتها (ممرد) أي: أملس يضوي ويصدر ألوانا زاهية مختلفة كأنها ماء يتموج، كالمرمر، وهو كذلك مصنوع من الزجاج النقي (قوارير)، وهو يدل على بلوغه شأوا كبيرا في التقدم والصناعة وهندسة التشييد والبناء والزخرفة، وغيرها من ألوان الفنون التي تعاونت في سبيل تغيير وتنكير العرش، حتى إنها قالت عندما سئلت:(أهكذا عرشك)؟! كلاماً عجيباً، وأجابت إجابة دبلوماسية قالت: (كَأَنَّهُ هُوَ)، فلم تقر أنه هو، ولم تثبت أنه غيره، وانظر على تعقيب سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ قال:(وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)، فالعلم واتصاله بالله عز وجل كان وراء هذا التقدُّم، وتلك الحضارة المتفردة عن بقية حضارات الأرض بل حضارات الكون، حضارة ذات صلة وثيقة بالسماء في كل خطاها، وقد جرى على لسان سليمان ـ عليه السلام ـ قوله:(هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي)، فأرجع الفضل في كل تطور وتحضر وارتقاء إلى المسبِّب الأول، وهو الله ـ عزَّ في علاه ـ فما كان من هذه الملكة التي تعرف وتوقن ـ بعدما رأت بأم عينها ـ أن العلم الحقيقي المتصل بالله، هو أساس التحضر، وسبيل الرقي، ولكن يلزم أن يكون مرتبطا بالسماء ، فأقرت واعترفت بقلب الخاشع المتبتل الخائف الوجل:(رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: بالكفر، وعدم القرب منك، وحسن عبادتك، (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)، ولم تقل:(وأسلمت لسليمان)، بل قالت: (مع سليمان)، دخلت معه في إسلام الوجه لله، وسرعة العوْد إليه، وكان العلم وسائر التخصصات الدقيقة سببا في إسلام مملكة بلقيس لله رب العالمين.
هذا نموذج ومثال من نماذج وأمثلة القرآن الكريم في تسخير العلم في هداية الخلق إلى طريق الحق، وعدم تحجره في عقل صاحبه، ووجوده في كتب مرتكنة، ومخزنة على الأرفف، قد أكلها الغبار، وهى في طريقها إلى النسيان حقاً، وكما قال القرآن الكريم:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، وكما ورد فيه:(قل هل يستوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) استفهام غرضه النفي، فلابد أن يكون للعلم أهداف سامية، ومرامٍ غالية راقية، وأن يوصل الى الله تعالى، وينير المجتمعات، ويصلح البيوتات، ويعيد الناس إلى رب الأرضين والسماوات، قال القائل:
لا تحسبن العلم ينفع وحده
مالم يتوج ربه بخلاق
وقال آخر:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم
لم يُبْنَ ملكٌ على جهل وإقلال
وقال ثالث:
العلم يبني بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والشرف
وقد وردت أكثر من أربعمائة وأربعين آية في كتاب الله، تكرِّم العلم وأهله، والسالكين دروبه، وتمدح العلماء العاملين المخلصين الربانيين، الذين سخروا علمهم لخدمة دينهم، وتبصير الناس لطاعة ربهم، وهداية الخلق إلى مولاهم الحق، لا كما راح قارون يغترُّ بعلمه، ويُرْجع ما هو فيه من نعمة آتاه الله إياها وسؤدد وسدَّه الله عزوجل فيه، ولكن كلامه هذا لم ينطلِ على مَنْ آتاهم الله العلم الحقيقيَّ، فعرَّفوه الناس، وبصَّروهم به، ولم ينجرُّوا مع من اغتر من الناس به، وتمنوا ما هو فيه من الثراء الفاحش، والمال الكثير، وارتكنوا إلى الله وثوابه، يقول الله تعالى:(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، فكان رده ردّ واحدٍ غبيٍّ، وشخصٍ عَيِيٍّ لم يُحْسِنْ تقديرَ النعمة، ولا شكر المنعم على كل ما هو فيه من فضل ونعم، وراح يردُّه إلى علمه هو نفسه، ويتنكر لمولاه:(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي)، فرد الله تعالى عليه بقوله:(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، ثم راح يغتر بعلمه وملبسه وذهبه ورياسته، فخرج مزهوًّا عليهم، متكبرا أمامهم، يدوس الأرض مستعلياً محقِّرا قومَه، فكأنه يمشي على أدمغتهم بحذائه، وهو ما تقتضيه (على) التي تفيد الاستعلاء والصلف:(فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)، والفعل:(خرج) يحمل معنى الظهور، فكأنه خرج أمامهم في مكان عال؛ حتى ينظر إليه قومُه بدليل حرف الاستعلاء (على)، ويأتي الظرف (في) ليبين أنه خرج غارقا في زينته التي تحيط به من كل جانب، حتى أنه لينغمس فيها، فلا يُرَى من كثرة ما وضع على رأسه، وكتفه، وملبسه، وجيوبه من ذهب ونياشين ورياش، ونُسِبَت الزينة إليه، كأنه صاحبها، وهى في ملكه، وطوع يديه:(زينته)، هنا افترق المجتمع بين رجل جاهل محبٍّ للمال والشهرة، ومجرد العلم الزائف الذى لا يفيد، وبين عالم أوتي حظه الكبير من العلم والبصيرة، والفهم وألَمَّ بوظيفة ورسالة العلم في المجتمع، فلم ينسقْ وراء هذا الخائب المغترِّ، المتكبر المزهوِّ بعلمه، وماله، وثرائه:(قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ولكن الصنف الواعي الحصيف كان في الكفة الأخرى:(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)، ثم تأتى العاقبة والنتيجة المحتومة لكل من تسوِّل له نفسه الاغترار بالعلم ، والجري وراء المال، وعدم تسخيرهما لصالح دينه وأمته ومجتمعه والأخذ بأيدي الخلق إلى طريق الحق:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ)، هذا ونكمل حديثنا عن هؤلاء الأصناف من الخلق، والأطياف من البشر في لقاء آخر، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى