الإثنين 19 فبراير 2018 م - ٢ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح

لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح

البعد الدلالي لشخوص القصيدة وعتبة النص والبنية للجملة الرئيسة والبناء المعماري

لـ يحيى السماوي من منظور الشعر السياسي ( 2 )

البعد الدلالي لشخوص القصيدة:
ـ الأم: أو الجذر الذي يربط الشاعر كانزياح معنوي ومدلول لدال يحتمل الكثير من الدلالات (الأم الحقيقية ـ الوطن ـ الارتباط) تلتزم حالة واحدة ثابتة من الجمود وعدم التطور، فـ (الصمم) كانزياح لعدم الاتصال والتواصل وبالتالي عدم الأهلية للتطور، ثم (وقد عشيت) دال على فقد الرؤية في الأزمة الحالكة والضبابية عند اتخاذ القرارات، إلا أن الارتباط الوثيق ما يزال قائما كنتيجة حتمية ومباشرة للموقع النفسي لهذا الدال في نفس الشاعر.
ـ الجارة وابنتها: وهو اختيار دال أولا على سلطة المكان والارتباط الوثيق في مجتمع القرية الفطري الأخلاقي ثم نمذجة للتصرف العشوائي والنابع إما عن جهل أو دافعية الهروب من المأزق للمأزق المؤجل في انتظار الحل السماوي للإشكالية الاقتصادية، وهو نموذج للشخصية العربية النقيضة للشخصية الغربية وثنائية تؤرق الشاعر وتجعل من الوحشة شيئا أصيلا لا يمكن الهروب منه، فالجارة تحول من النشاط الاقتصادي الزراعي المتأصل للنشاط الصناعي اللاواعي لأسسه والنتيجة ( الخراف شحيحة ) فسقوط الرؤية الاقتصادية الصحيحة دال على التخبط الجاهل أو المتسرع والملهوف على الخروج من المأزق دون أي حسابات، فقط للهروب، وكما فعلت الجارة فابنتها كذلك تستخدم ما لها من رأس مال في صفقة خاسرة تجبرها الظروف الاقتصادية عليها ( الزواج من ثري ) بغض النظر عن الحالة الصحية بل يمكن أن يكون هذا هو الدافع كدال على الانتهازية النفعية للشخصية الواقعة تحت تأثير الأزمة ومحاولة الخروج أو الهرب ( الغاية تبرر الوسيلة كمبدأ مكيافيلي ) والنتيجة الحتمية للقرار الجاهل أو الانتهازي الفشل ( فلم ترث غير العباءة والسوار ) كرمزي للغطاء والثمن البخس لتلك الصفقة الهزلية المتكررة للمجتمع الواقع تحت ضغط الفقر والحاجة.
ـ ونهلة: الممثلة للحب العذري لدى الشاعر والنمذجة الدالة على الحلم الجميل للمستقبل لدى الصبية تنتهي بأن تكون سببا لتوالد القبح كنتيجة حتمية أيضا لهذا الواقع الذي لا يمكن له إلا أن يلد القبح كاستشراف للمستقبل في ظل الظرف الراهن.
ـ ثم الصداقة كأحد رموز الضلع الاجتماعي للشكل المستطيلي للقصيدة وكدال لقوة التغيير الممكنة في المجتمع وتحت القهر السياسي لحرية الرأي يتحول أيضا إلى مشروع فاشل نتيجة حتمية للقهر مرة و للضعف المجتمعي أخرى.
ـ أما الضلع السياسي من ناطق رسمي و التعامل مع المنطق العلمي من جهة ومع المجتمع والمنطق الواقعي من جهة أخرى، يبدو عليه الإصرار على موقفه المناقض لمنطقي العلم والواقع، بل وادعائه لامتلاك الحقيقة دون غيره، حيث تبدو الإشكالية الحقيقية للوحشة من ظهور الثنائية الخارج لداخل حيث المقارنة بين ما هو كائن لدى الشاعر وبين ما هو حاصل في ارض الوطن، تجعل من الوحشة أمرا طبيعيا، بل ومنطقيا لا يمكن الفكاك منها أو غض النظر عنها.
ـ وأما شخصية حمادة الحمار التي تتماس مع الشخصية الأسطورية في التراث العربي لشخصية جحا فلقد تم استبدال الدلالات حيث المنطق والعقل للشخصية الإنسانية والتهور والحمق المبني على البوح بالحقيقة للشخصية الحيوانية وما ينتج عن ذلك من صراع بين هذا المحور وبين المحور السلطوي للزعيم وممثليه، ما استدعي الحيلة مرة والكذب أخرى بل والعنف ثالثا، مما يجعل الحكاية تتطابق مع سمات الأسطورة والموحية بثبات التصرف للشخصية العربية بالرغم من الفترة الزمنية الكبيرة بين الشخصيتين والتحولات في المفاهيم، ما يعني بالضرورة إسقاط حالة الجمود في المجتمع والشخصية والظرف السياسي الباقي بحاله وإن تغيرت المسميات من ممالك إلى جمهوري.
هذه الأبعاد النفسية والفلسفية للشخوص تبرر لا الوحشة فقط بل التصرف اللامنطقي في كثير من الأحايين ويغطي جانبا هاما من الانفعالية المطلوب نقلها والتعبير بها عن الوحشة كدافعية لكتابة النص بهذه الاستراتيجية، كما أنها تغطي جانبا من جوانب الصورة المطلوب تغييرها كهدف من أهداف الغاية الجمالية للنص، ألا وهو انتقالية الانفعال، كما أنها يبدو معها سلطة المكان المحرك الخفي (الفاعل المؤثر) في تحديد ملامح الشخصية النفسية والفلسفية، وبالتالي منطقة تصرفها تجاه مواجهة الأزمات التي تقع فيها كمؤشر لحتمية الوقوع في ظل النظام السياسي الفاشل (للبطل المجاهد).
ثمة وجهة آخر لسلطة المكان محددة لملامح الدافعية لكتابة النص، بل والانحياز لاستراتيجيته ونقصد بذلك ثنائية الداخل والخارج للمكان، ذلك المكون الرئيسي للشاعر والذي من خلاله أنشأ ما يسمى مسافة التوتر، تلك المسافة الدافعة لانبعاث النص من الفكرة المجردة إلى رؤية جمالية ومن ثم استراتيجية مكتوبة محققة للغاية الجمالية، حيث أن التباين بين البيئتين (الوطن / الغربة) تحدث أثر الثنائية الداخلة والخارجة معا، ما يعني وقوع النص تحت مؤثرين، الأول ناشئ جراء النشأة الأولى للشاعر حيث البيئة الزراعية الداعية للتأمل والصبورة والعارفة لمعنى التغيير الهادئ لا الثوري ما حدا به يكشف ولا يثير الحمية والحماسة للثورة ضدّ الطغيان، كما أن البيئة الحياتية للغربة تدفعه لأن يقارن ويوازن لتبدو السخرية نابعة عن المعرفة لأبعاد الوحشة وبالتالي المأساة ليكون الشعر في نهاية المطاف (ليس خلقا للتوازن أو استعادة لتوازن مفقود، أو تنسيقا للدوافع وتنظيما لها، بل خلقا للتوتر والقلق أو بكلام آخر أدق خلقا لمسافة التوتر) ـ في المصطلح النقدي / أحمد مطلوب.
إذا نحن أمام مسافة توتر ناشئة من وقوع الشاعر تحت سلطة ثنائية المكان الداخلة والخارجة معا والمقارنة للتباين بين (جنائن الكهف الغربة وبين الوطن الدافئ رغم القهر.

عتبة النص والبنية للجملة الرئيسة:
اختار الشاعر أن تكون عتبة نصه هي الجملة الرئيسة للقصيدة، بل والمنحنى التحولي بين أضلاعها الرباعية، من هنا تصبح لعتبة النص أهمية خاصة حيث أنها الدال على اتجاه النص من جهة ومن جهة أخرى المدلول لحالة التوتر الدافعة للنص ذاته.
ومن الواضح أن عتبة النص مكونة من جملة اسمية بسيطة (لي ما) على اعتبار أن جملة (يبرر وحشتي هذا الصباح) جملة متعلقة باسم الصلة(ما) وهي ليست لها محل من الإعراب ما يعني تأثيرها محدود بتوضيح (ما) ليس إلا، نقول إن الجملة البسيطة من الخبر شبه الجملة المقدم (الجار والمجرور) والمبتدأ المؤخر (ما)، والشبه الجملة مكون من اللام التي تفيد (الملكية) ـ شرح بن عقيل لألفية بن مالك ـ والمجرور (ياء المتكلم) وهو الضمير العائد والدال على الذات، ما يعني تخصيص الملكية للذات مباشرة دون غيرها ولا شيء غيره.
إذا فمن البداية هناك انصبابا ما آتٍ في الذات، يختص بها ويتمحور الموضوع حوله، هذا الانصباب ينطلق من المبتدأ (ما) اسم الصلة العام الذي يفيد (العمومية لغير العاقل) ـ النحو المصفى / محمد عيد ـ ليضفي غموضا يحتاج معه الكثير من التفسير والتأمل، وبذلك يصبح العنوان أو عتبة النص دال على محتوى القصيدة أولا وعلى استراتيجيتها ثانيا.
جانبا آخر من عتبة النص، وهنا ينصب على جملة الصلة الخاصة بـ (ما) والتي وإن كان لا محل لها من الإعراب وتقتصر على إيضاح (ما) والتعبير عنها، فإنها لا تشمل الجدلية الحقيقية لما سيأتي من ثنائيات فحسب، وإنما تلعب دورا هاما في بيان موقف النص واستراتيجيته.
فالجملة فعلية فاعلها ضمير وبالطبع تختلف التقديرات حوله نظرا لاتساع مفهوم (ما) العائد عليها فإن كانت (ما) من المعارف إلا أنها في ذات الوقت بها من الإبهام الناتج من اتساع عموميتها وتعدد الاحتمالات في تحديدها عددا وكما، وفي جانب آخر يعطي هذا الاتساع المسافة الكافية كي ينصب الاهتمام على التباين بين الوحشة والصباح والعلاقة التناقضية بينهما والسببية من الفعل (يبرر)، ففعل (يبرر من برّر) من جهته لذكر السبب، ففي المعجم الوسيط (يبرر عمله: زكاه وذكر من الأسباب ما يبيحه) المعجم الوسيط / باب بَرَرَ.
وعليه فإن الاختصاص يعود على مسنده (ما) وهو في حقيقة الأمر على الفعل (يبرر) الموضح لـ (ما) أي ذكر الأسباب، وعلى الاعتبار أن الأسباب هي الأخرى ترجع لحقيقة التناقص بين (الوحشة / الصباح).
والوحشة / الصباح على النقيض لبعضهما، من حيث المدلول نجد هذا التناقض حيث أن معناها (الأرض المقفرة المستوحشة، ومن الناس الانقطاع، وبعد القلوب عن المودات، والخلوة، والخوف من الخلوة، والخوف والهم) المعجم الوسيط / باب وَحَشَ ـ ولا تكون هذه المعاني إلا في الذات المفعمة بالحزن لأسباب عديدة، ويصبح الحيز المكاني هو الذات، كما أن الوحشة عادة ما تلتصق بالليل، على اعتبار أن الليل وقت الخلوة والانقطاع عن الناس والخوف من المجهول حيث الظلام يلف البشر وليس هناك ما ينير للرؤية والتوضيح، وهذا يناقض تماما الحيز الزمني (هذا الصباح).
فنحن إذا أمام ثنائية جدلية تناقضية تقابلية تنازعية بين الحيز المكاني (الذات) والحيز الزمني (الصباح) المقرون بالوضوح والاستقرار والتفاعل والتفاؤل كمدلول لدال (الصباح).
هذه الثنائية تحيلنا بالطبع إلى استراتيجية القصيدة المعتمدة على السرد كمنطلق طبيعي لمن يشعر بالوحدة وكحاجة ماسة نفسية للشاعر وبالتالي ارتكازها على تآلف الجمل كمدلول حركي وصوتي وسمعي لا الصورة البيانية كمرتكز جمالي، يستطيع النص من خلاله أن يبلغ غايته الجمالية ويحقق مقاييسه بأن ينقل الانفعال المؤكد للوحشة، ناهيك عن الثنائية التقابلية بين الجملتين الاسمية والفعلية، فالثبات والتقريرية للاختصاص المنصب في ذات الشاعر مع الاستمرارية والديمومة والتدفق للأسباب المؤدية لهذه التقريرية داخل إطار الحيز المكاني لذات الشاعر.

البناء المعماري للنص:
أما عن علاقة عتبة النص بالشكل المعماري للقصيدة تبدو واضحة من خلال الجوانب الأربعة للشكل المستطيلي للقصيدة بأضلاعه المتباينة الطول والمتساوية، حيث تعمل هذه الأضلاع على ضبط عملية الاختصاص، فكل ضلع هو في حقيقة الأمر جملة من الأسباب التي تؤدي للوحشة المتدفقة داخل النص ومنه للمتلقي وعلى اختلاف معالجتها الاقتصادية والسياسية والتعاملية بين النظام والفرد في شكل تماسي للأسطورة من خلال حكاية حمادة المشابهة لحكايات جحا المعروفة.
ولعل هذا ما يحيلنا للعلاقة الوثيقة بين البناء المعماري للقصيدة بشكلها المستطيلي والمضمون واتجاه النص، فالشكل الهندسي لها يتميز بتعادلية الأضلاع، حيث تتساوى القاعدة والتي تحتوي على شرائح المجتمع، والتغييرات الناتجة عن الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها، فتبدو أشبه بمن يحاول الخلاص بوسيلته الخاصة، لكن النتيجة واحدة في جميع الأحوال، نظرا لوحدة البيئة والفاعل، نقول تتساوى القاعدة مع الضلع المساوي لها والمرتبط بها برابط الضغط السياسي والاقتصادي، وإن كانت المشكلة في الضلع السقف تتركز في الكشف عن غباء النظام من جهة ومن جهة أخرى عن مدى الخوف والحرص على هيبة النظام المزعوم وحتى لو كانت الهيبة مهددة من حيوان لتدور الحكاية في كيفية الخلاص من المأزق بشكل يتماس مع الأسطورة ويكشف الوجه الساخر من الحكاية،وبالتالي اتصال الضلعين قائم على ضلعي العلاقة بين النظام كفاعل مشترك وبين القوة الشابة المتطلعة للتحرر و العلم أيضا، ليمثل الشكل المستطيلي الانتظامية في الوحشة والارتباط الكامل ببعضهم البعض، حتى لا يمكن الفكاك إلا بإسقاطهم جميعا، كذلك في زواياه القائمة والمتحولة بعنف من اتجاه لاتجاه، والحدة في احتواء الحيز المكاني الواقع بين أضلاعه، بحيث لا يمكن الخروج بأي حال من الأحوال ليظل مرتبط بشكل أو بآخر بوجود هذه الأضلاع وصعوبة الخروج منها إلا باختراق أحد أضلاعه أو بهم كلهم مما يوحي بضرورة الانهيار الكامل أو الجزئي لهذه الأسباب كي تشكل المخرج من المأزق أو الوحشة.
ولعل هذا ما يبرر تحول النص في نهاية كل ضلع من استراتيجية السرد إلى التأمل والمنولوج الداخلي تأسيسا على ما سبق من عرضه، ولعل هذا أيضا يناسب العوامل النفسية للشاعر والواقع بين ثنائية الداخل والخارج لبيئتيه ( الوطن الأم / المنفى أو الغربة ) حيث يرى ضرورة التغيير بشكل هادئ لا ثوري وبالتالي عدم الميل للألفاظ المتعارف عليها في القصائد السياسية التي تنتهج منهج الرفض للأنظمة الاستبدادية مثلما حدث في تجربة الشاعر الكبير أمل دنقل.
ناهيك عن زواياه القائمة (أي الشكل المستطيلي) والتي تبدو في الانفعالية عند كل تحول من ضلع لآخر، والذي يبدأ بالعتبة الرئيسية للنص إلى المقطع الرابع أو نهاية الضلع الأول من الشكل (كأن أصيغ السمع… وأن أعيد صياغة النص… ولا أكف… ولا أمل.. ) فالثنائيات التحولية ( أصيخ / أعيد / لا أكف / لا أمل) سواء بالإيجاب أو السلب تمثل الزاوية التي يتم بموجبها التحول من منطقة لأخرى.
هكذا فالشكل الهندسي يعني الأضلاع المتفقة للوحشة في نفس المتلقي من النص والتحولات التي تدعو دون أن تثور على الواقع بل المطلوبة الخروج من الوحشة، كما أنه يصبح عاملا حاسما في التدفق الشعوري والشعري معا نتيجة تفعيل حركية التحول من جهة ومن جهة أخرى استعراض مبرر للجوانب المختلفة و المؤدية للعملية الانتقالية للانفعال كغاية جمالية مرجوة، وبذلك يصبح الشكل كغرفة مغلقة على نفس الشاعر ومنه إلى المتلقي يعيش في حيزها، وتصبح الوحشة معها محكمة الإغلاق تبرر عدم الاستمتاع بالوطن المنفى أو اللحظة الآنية.

هشام مصطفى
شاعر وكاتب مصري

إلى الأعلى