الأحد 25 فبراير 2018 م - ٩ جمادي الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفنانة التشكيلية سوسن وتي: الفن عندي هو بُعد إنقاذٍ من شمولية خطيرة.. وعملية تثوير الثقافة تقع على عاتق الفن دائماً

الفنانة التشكيلية سوسن وتي: الفن عندي هو بُعد إنقاذٍ من شمولية خطيرة.. وعملية تثوير الثقافة تقع على عاتق الفن دائماً

تؤكد أن أول وآخر ميزة واجبة في رسومات الأطفال هي أن تحمل الحب لهم

أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا:
اعتبرت الفنانة التشكيلية سوسن وتي أن الفن هو بُعد إنقاذٍ من شمولية خطيرة، أياً كانت هذه الشمولية؛ دين، دولة، مجتمع، إيديولوجيا.. وعملية تثوير الثقافة تقع على عاتق الفن دائماً، والفنانة سوسن وتي، من مواليد 1964 حاصلة على إجازة في البيولوجيا، عملت كمدرسة بيولوجيا في ثانويات دمشق لأكثر من 12 عاماً، وأعدت أكثر من 15 مؤلفاً في أدب الأطفال (كتب تعليمية أو إرشادية “بطرق غير مباشرة”، رسماً ونصا).

*ـ من المعروف أنك اتجهت الى الفن التشكيلي متأخرة بعض الشيء. مما يطرح تساؤلاً عن هذا الهاجس الذي دفعك في هذا الاتجاه… ؟
هو هاجس واضح لي، وموجود منذ زمن بعيد، لكنني كنت أؤجل الانغماس به كلياً حتى يصل ولدّاي لعمر 18 ليكون لدي متسع من الوقت من جهة، ومن جهة أخرى كنت أؤسس لمرحلة التقدم بالعمر، والهدف هنا، هو أن أتوازن في نهاية حياتي؛ فيما لو وجدت نفسي وحيدة، أي بعد أن يكون لإبنتي وإبني حياتهما الخاصة، رغبة مني بعدم تكرار نمط المرأة العربية الكهلة، التي قد يأخذ شكل تعلقها بأسرتها وبأولادها شكلاً مرضياً. والمحرك الأساس والأهم بكل هذا وذاك هو أن العيش بالإيمان العقلي(هذا التراكم المعرفي العلمي الثقافي الذي أمضيت حياتي به)، يعني الإنتاج،ويعني الإثمار، وهذا ما أعمل عليه. وربما أيضاً استناداً لباولو كويلو في الخيميائي، هي اسطورتي الشخصية.
*ـ ملفتة جدا أسماء المعارض، المقتبسة جميعا من قصائد محمود درويش، “وحده كزهر النار أو أبعد”.. ” واقعيا كالسماء “.. الحقيقة مجازاً”.. ” سعيا للمعنى”. ما الذي يمكن قوله عن هذه التسميات..وهل يمثل كل معرض حالة خاصة تستوجب هذا العنوان او ذاك..؟
طبعاً، فالفن أرشفة، كما رسم الفراعنة على الجدران وقبلهم السومريون، كما أن الفن التشكيلي يحمل في طياته أثرا إنسانيا خاصا. أما عن محمود درويش فهنا يقال الكثير والكثير وقد لا ننتهي، لكن باختصار، محمود درويش دائما هو القادر على زعزعة كياني، غنيّ عن الشهادات وعن المدح والإطراء، في كل معرض جديد كنت أحاول الخروج عنه، أبحث عند جبران “الوجداني”، أو نزار “العملاق”، أو سواهما، أبحث بدأب، وأفشل، وأعود لدرويش، لاغنى عنه إطلاقا ولا مخرج لي منه، على الأقل في المدى القريب.
في المعرض الأول “كزهر النار أو أبعد” مقتبس من عنوان ديوان درويش كزهر اللوز أو أبعد؛
لا موسوعة الأزهار تسعفني
ولا القاموس يسعفني
يلزمني اختراق الجاذبية والكلام.
كنت أشعر بنفسي كالبركان، وكان الفن عندي ومازال طبعا، هو بُعد إنقاذٍ من شمولية خطيرة، أياً كانت هذه الشمولية؛ دين، دولة، مجتمع، ايديولوجيا.. وكانت أعمالي وقتها تتحدث عني.
الثاني كان “الحقيقة مجازاً”؛ مأخوذ من قصيدة وجوه الحقيقة
الحقيقة أنثى مجازية
حين يختلط الماء والنار في شكلها
والحقيقة نسبية حين يختلط الدم بالدم في ليلها
والحقيقة بيضاء ناصعة حين تمشي
الضحية مبتورة القدمين على مهلها.
فيه رثيت لحال المرأة العربية، لحالنا، وراعني كم نحتاج من الوقت، وكم هو المشوار طويل، لنكون كما نستحق، فحقوقنا مغيّبة، ودورنا باهت.
الثالث “واقعياً كالسماء”؛ من قصيدة تعاليم حورية
كن واقعيا كالسماء
ولا تحن إلى عباءة جدك السوداء
أو رشوات جدتك الكبيرة
واحمل عبء قلبك وحدك.
هنا كانت جروحنا كسوريين قد فاقت قضيتنا النسوية، فقد تشرذمنا كسوريين، ونسينا أننا الإنسان وأن موطننا هو الكرة الأرضية، ليست سوريا وحدها، فبرأيي أن مفهوم “الوطن” هو مفهوم محتكر على شعوب العالم الثالث فقط. فمعلوم أن اللعبة الحالية هي لعبة كبيرة جداً، وهو صراع على شرق المتوسط، ونحن شعب غير محظوظ بموقعه الجغرافي.
الرابع حمل عنوان “سعياً للمعنى”؛
اكتب تكن
واقرأ تجد
وإن أردت القول فافعل، يتحد ضداك في المعنى
وباطنك الشفيف هو القصيد.
حاولت فيه أن أخرج لأفق أرحب معتمدةً على تقاطعات ماقرأت في الفترة الأخيرة لباحثين وعلماء، أمثال إيريك فروم مثلا أو نعوم تشومسكي أو ادوارد سعيد أو جلال الدين الرومي، وسواهم.
*ـ المعاناة حاضرة في جميع لوحاتك؛ هل هي تعبير عن قناعاتك بأن الفن لابد أن يكون إنسانياً…؟
بالفعل، هو كذلك بالدرجة الأولى، ووجهة الفن هي وجهة إنسانية بحتة، الفن وجودي، علمي، فردي، في زمن غابت فيه الفردية تماماً، وليس هذا فحسب بل نحمل ثقافة عربية محطمة، وإرثاً ثقافياً هو خاطئ بمجمله. نحتاج لصعقات كهرباء حتى نصحو..
غاب الايمان بالعمل، ذاك العمل الذي يجب أن يأخذ الوقت والجهد الكثير ليعطي ويبدع.. أغلب الإيمان الحالي هو إيمان لاعقلي، الايمان الحالي لا يعتمد على البرهان والنظرية والتجربة؛ هو غير علمي، وهذا خطير على البشرية وعلى سلامتها وتطورها.

*ـ لماذا المرأة، الحزينة تحديدا، هي المحور الأساسي دائمًا في أعمالك “.. وكيف تكون “المرأة فرصة نجاة المجتمع”. كما تقولين…؟
هي الحقيقة التي تُشعرنا بالحزن.. فمعلوم أن النفاق هو الذي يجعل الناس سعداء، ليس سعداء فحسب بل كسالى متقاعسين.. ومن الطبيعي أن تكون المرأة العربية “حزينة” في ظل التشريعات والقوانين المدّنية العربية، وانا فيمنست أولا وأخيرا. ووجودية طبعا.
في أعمال بيكاسو الأخيرة مثلا؛ استبدل شكل المرأة الخاضعة بالمرأة المسيطرة التي تؤثر في الرجل بسحرها ويصبح الرجل في حال الانسياب التام، كان شكل تلك المرأة المسيطرة مشوهاً مهشماً، أي أن بيكاسو انتقم لضعف الرجل أمام مفاتنها.. وتلك هي حقيقة، المرأة لها قدرات استثنائية عن الرجل، هي فرصة نجاة للمجتمع وهي التي تتقدم الحقيقة وتسبقها ذاتيا، المرأة عبر التاريخ حملت تسميات الحياة، كألهة الوفاق والألفة والوئام والبيت والموقد والشباب والنضارة القادرة على التجديد.. هكذا كانت المرأة وما تزال. وهي مغيبة في ظل مجتمع ذكوري، كان هناك المجتمع الأموي وكانت المرأة هي القائدة، لو قدر للمرأة لعب دور رئيسي وقيادي، حينئذ ستختفي الحروب وينتشر الحب. إن ضباع العالم ووحوشه لا يريدون لهذه الأرض السلام والأمان والحق. وهؤلاء الضباع هم رجال وليسوا نساء.
*ـ وكأن هناك شبها كبيرا بين ملامح المرأة في معظم لوحاتك وبين الفنانة سوسن وتي..ما قولك..بالتالي إلى أي مدى تشكل مضامين لوحاتك انعكاساً حقيقياً لذاتك…؟
برأيي هو أمر طبيعي كما قال درويش: “لا بد لي من نرجس لأكون صاحب صورتي.. أمشي وتتضح الجهات”… وهذا ما أفعله، أنا أمشي وأطور نفسي وأراكم المعرفة وأصرّ على طريق صعب، أُدرك تماما أنه خالي، إلا من أصحاب عصر النهضة الأوروبية، زمن القرن الخامس عشر والسادس عشر، وأعلم تماما أنني أغرد وحدي.
وصحيح أنها انعكاس ذاتي، أحيانا اللوحة تمثل حالة عندي، وأحياناً مقالة طويلة أريد إيصالها وتدوينها، أما عن الشبه فهو رمية من غير رامي، أي أنني لا أتعمد أن تشبهني لوحاتي، إنما هكذا يخرج العمل، فدائما هناك صوت داخلي يدفعني للعمل وهو لا يكلّ ولا يملّ. ما ارسمه الأن، أقصد الاسلوب أوالطريقة أو المدرسة؛ إن شئنا أن نتبع مدارس الفن التشكيلي المعتمدة، لا أستطيع التحكم به، صدقني.. أريد أن تكون اللوحات أقل اكتظاظا أو أبسط أو أخف، لكنني لا أستطيع، ففي كل مرة أُشّبعها رموزاً، ربما لأن الفن أداتنا في معرفة مانحب وما يجب أن نكون عليه، وثمة ماهو أفضل دائما، لذا نحن نسعى. الإنسان المتمدن يسعى للرقي الروحي والفكري، وبالفن يعبر عن وعيه هذا.
*ـ يلاحظ خروجك بعض الشيء عن المرأة في معرضك الأخير ( سعيا للمعنى )..؟
صحيح، فقد اقحمت الرجل في اللوحات أو بدأت بإقحامه، طبعا لأنني أحبه، وانا لست من مناشدي المساواة، لا.. بل التكامل. أدرك أن العلاقة بينهما هي علاقة تكاملية تعاونية. لاغنى لي عنه. والحب الذي بين الرجل والمرأة هو القوة التي تحول روح العالم وتحسنها، وهي اليد التي كتبت أو صنعت كل شيء.
وذاك السعي للمعنى؛ لأن الانسان يدرك أنه خائب وجودياً حتى الأن وهو يبحث عن نموه الأفضل، وهذا النمو الأفضل لا يتحقق إلا بالحب والحرية اللذين هما خاصتان متأصلتان في نظام الدماغ البشري. ووحده التشجيع والحنو يبقي الدماغ بحالة نمو مدى الحياة.. وكما اسلفتُ فقد كان معرضي الأخير جملة قراءات وتقاطعات لعلماء وباحثين.
*ـ هل أنت مع مقولة الفن النسوي..وهل تقدم المرأة فعلا فنا مختلفا…؟
نعم هو موجود، دماغ مختلف عن دماغ الرجل، سيعطي نتاجاً مختلفاً لامحالة. وكلما تحررت المرأة أكثر؛ كلما قدمت فناً مختلفاً بشكل أوضح وأعمق. وهذا السؤال يحيلني إلى المقارنة بين الغرب والشرق، فعلى صعيد أوروبا قائمة أسماء الأديبات والكاتبات والفنانات طويلة، كماً وكيفاً. المقارنة ستكون محبطة لا ريب.. لكن ما أريد قوله أنه ليس هناك تحول اجتماعي بدون تحول سمعي بصري معرفي انتاجي، أي أن النساء العربيات بحاجة إلى كسر صمتهن، بحاجة إلى الكتابة والرسم، والفن التشكيلي تحديداً هو ذاك الساحر المبهج المختصر، والعّالمُ بالاسرار كلها، هو العلم المرح.. ينبغي لنا أن نكتب ونحن نحلم، ونرسم ونحن نحلم.. لا عيب في ذلك ابداً.
*ـ هل ترسمين بناء على أفكار مسبقة ومخطط لها، أم تتركين اللوحة تأخذك إلى حيث تريد…؟
نعم، أخطط لعملي وأندفع للوحة، تلك هي من أصعب المراحل وأطولها، مرحلة التأسيس، والحّكَمْ هو عيني.. يجب أن ترتاح عيناي للعمل بكل تفصيلاته.. مهم جداً أن ترتاح عيني. وغالباً لا تأخذني اللوحة بعيداً، فأنا مكبلة بعقلي وما ملكت حينها من معرفة وتصميم، أعالجها لأرتاح ولا أعالج عقلي.
*ـ ماهي المواد التي ترتاحين للتعامل معها من غيرها… ؟
بشكل رئيسي الأكريليك على القماش، طبعا الجد الأكبر للخامات هو الزيتي الأصيل، ذو الرونق الآخاذ، أعمل به أحياناً. الباستيل موجود أي أنني أتعامل معه وهو يعطي إحساساً فريداً مميزاً، قد يفشل الزيتي في إيصاله.. لكنني أعتبر الاكريليك خامة غنية سريعة الجفاف وعصرية، وتعطي إنطباع الزيتي في حال استخدمت مباشرة بدون ماء.. وهذا يتبع الانفعال، أي حالة الفنان وقتها.
* ـ تميلين كثيرا الى استخدام اللون الأحمر والأزرق..حتى لاتكاد لوحة تخلو منهما..لماذا؟.. والى أي مدى يعكس اللون الحالة النفسية للفنانة سوسن…؟
الأحمر هو الثورة، والأزرق هو الامتداد لما بعد الثورة. الأول ساخن والثاني بارد.. فعملية تثوير الثقافة تقع على عاتق الفن دائماً. ومرة أخرى لا أستطيع الخروج حالياً عنهما.. أتطلع لحدوث تغيرات مع الزمن، وأتمنى ذلك، وهذا ما أسعى إليه من خلال تطوير ذاتي، عبر الدراسة والعمل والقراءة والتحديث والتراكم المعرفي أكثر وأكثر.
*ـ أيضا.. نرى ” أن الطيور ترافقك في معظم اللوحات وتتلبسك بقوة “…؟
هي الحرية المنشودة لي وللبلاد العربية.. الطيور هي كائنات مدهشة جداً بكل تفاصيل حياتها وحريتها وهجرتها وجمالها، حتى بعنايتها لصغارها، هي الأقرب لنا في سلم التطور حسب دارون ، فشعبة الفقاريات تضم خمسة صفوف سأرتبها بدءاً من الأقل تطوراً حتى الأكثر، الاسماك-البرمائيات- الزواحف- الطيور- الثدييات. والإنسان هو من الثدييات طبعا ويتربع على قمة سلم التطور وهو أشد الكائنات تعقيداً ورقياً..
ليتنا بقينا طيورا.
*ـ تستند لوحاتك إلى الواقعية والانطباعية.. ويرى بعض النقاد أن كل فن واقعي لا جديد فيه، بل إن كل التجديد هو في التجريد…؟
نعم لوحاتي تستند إلى الواقعية، لكنها ليست واقعية بالمعنى الكامل، ولا حتى انطباعية كلاسيكية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاتجاه الواقعي أصعب من غيره. إن لوحاتي تشكيلية أي أنني أشكل من جملة أفكار ومفردات وقيم واعتبارات وحجج وحقائق، نهجا خاصا بي، وطالما أنني موجودة وأنتجت هذا العمل؛ إذن ففني موجود، وعلى المصنفين أن يصنفوه. شأني شأن أي فنان آخر، ربما أنتج سواي من نهجه الخاص به؛ تجريدياً أو تكعيبياً أو سريالياً أو ربما اتجاهاً جديداً غير مدرج بين المدارس الفنية المصنفة.. لا أحد يستطيع البت في هذه القضية، أي من هو الأفضل، لأن الفن التشكيلي يتنكر للبيئة وهو سرمدي أي لا بداية ولا نهاية له.. وهو أيضاً قائد للتطوير. وعلينا أن نرحب باختلافنا فكل منا يأخذ جانباً، وكل جوانب الكتلة هي الكتلة ذاتها. أما عن فكرة الحداثة بذاتها “الجديد”، أنا معها وأنشدها وأسعى إليها.
*ـ استوقفتني لوحتك التي تناولت فيها الحرب والسلام…؟
لا تقاطع بينها وبين الحرب والسلام لتولستوي. فالحروب لا تُرسم، لأن الحرب خالية من الجمال تماماً، ذاك الجمال الذي يعتبر أهم عنصر في الفن، الجمال هو الكمال، والحرب هي النقيض بذاته، ففي الحروب الجميع خاسر، ولايوجد خلف الحروب أفكار عقلانية أبداً، والبشرية ترتقي للسلم والسلام فقط لاسواهما.
من هذا المبدأ لم ارسم مايجري في بلادنا، ابتعدت ما أمكن عن تجسيد مايحدث، إضافة إلى أنني لا أريد أن أكون أداة بيد وحوش العالم، لأنني أدرك تماما أنها حرب مصطنعه بشعة، إعلامية بالمقام الأول، شوهت الحقائق وقلبت المفاهيم، لكنها قتلت للأسف، وقتلت الكثير، ياللحزن الشديد. ضحيتها الانسان والشجر والحجر.. لكن كان لابد من تلك اللوحة، اسميتها الحرب والسلم، لها جانبان قريبان بعيدان بآن.
* ـ أشرت إلى تأثرك بالحالة الصوفية في تركيا.. وسؤالي كيف انعكس هذا على لوحتك…وما هو مفهومك للوحة الصوفية…؟
يوجد بعد خامس في الصوفية، بالإضافة إلى الأبعاد الأربعة المعروفة، ألا وهو البعد الإلهي، وهو البعد الذي لا يمكن تفسيره ولا يمكن التحكم به، معلوم أن الصوفية تنشد الوحدانية وتضع سبع مقامات لبلوغها. كما تضع أربعة مستويات من البصيرة. وأهم ركيزة فيها تقول أن الحب هو ماء الحياة. وهو ما أردت توضيحه في اللوحة من خلال تداخل الماء من الطبيعة إلى الرقصة الصوفية الشهيرة، وبحركات الصوفي المتتابعة والمدروسة بعناية، نراه يأخذ الحب من الإله في السموات ويوزعه على الأرض حيث المرأة بحداثتها تخرج الأزهار من وقع “جلال” الرومي.

*ـ ما هي المواضيع التي تتناولينها حالياً، وما هي المعالجات الفنية التي قدمتها أو أنجزتها ولم تطلعي عليها أحد… ؟
الفن التشكيلي التركي هو ما أهتم به حالياً، وأراه فناً عريقاً يمتد لقرون خلت، وهو قوي بتنوعاته وبأصالته واهتمام تركيا به، كما أن الاتجاه العلماني فيه واضح وكبير، مما يجعلني أقف وكلي دهشة في أغلب المرات التي كنت أزور فيها المعارض الفنية الكثيرة في اسطنبول.. هو أفق كبير أحاول أن اكتسب واتعلم منه ما استطيع.. أعالجه بالدراسة الاكاديمية هنا في اسطنبول، حاليا أدرس الفن التشكيلي في معهد للفنون الجميلة، أغوص عميقاً بهاجسي الذي أعشق، وهو الرسم.. أتطلع وأعمل على خلق منهج جديد قد يكون نسبوياً، أي ذو منحنى فلسفي واضح، تنعدم فيه وجود حقيقة مطلقة. وبالفعل لم أطلع أحد عليها.
لكن عادتي لا أغيرها ففي كل نهاية سنة، أجمع أعمالي الجديدة وأبحث عن صالة لعرضها تحت عنوان جديد يعكس المرحلة، ولا أنسى طبعاً أن أجهز مبلغاً من المال لإنفاقه على معرضي، فالفنانون بالمجمل وضعهم المادي بائس وأغلبهم لا يبيعون ” هذا ما أعزي نفسي به بعد نهاية كل معرض”. وربما أكون كالقول الشهير للجندول على ما أعتقد: أنا من ضيع في الأوهام عمره.
*ـ من المعروف أنه لديك تجربة الرسم للأطفال، ما الذي ممكن أن نتحدث فيه عن هذه التجربة.. وماهي المهارات الخاصة التي يتطلبها الرسم للأطفال… ؟
هي تجربة متكاملة رسماً واعداداً، بدأت بها في نهاية القرن الماضي 1999 ومازلت أمارسها حتى الأن من وقت لآخر، بوتيرة أقل إنتاجاً، حيث تعاملت مع عدة دور نشر سورية، وصدر لي أكثر من 15 مؤلفاً، اعدادا ورسما، استندت على اختصاصي الاكاديمي في علم الاحياء، البيولوجيا، وعلى خبرتي كمدّرسة في ثانويات دمشق، في إعداد كتب تعليمية للأطفال حملت عناوين متعددة بدءاً من الأبجدية الى الديناصورات أو الخلية الحية مثلا..
أول وآخر ميزة واجبة في رسومات الأطفال هي أن تحمل الحب لهم، ثم البساطة والوضوح وربما المباشرة.. تجربة أحبها كما أحببت مهنة التدريس وما أزال.

إلى الأعلى