السبت 26 مايو 2018 م - ١٠ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأعشاب.. طب البيوت الوقائي

الأعشاب.. طب البيوت الوقائي

النقد الثقافي
تشكل البيئة المجتمعية العمانية القديمة مناخا خصبا للمشاهدات والقراءات المتصلة بطبيعة الخصوصية التي جعلته يكون على وفاق جيد مع التفاصيل المرتبطة بهم، يوميّها وأسبوعيّها وشهريّها وسنويّها، وهي بهذه الصيغة تشكل معالم قابلة للقراءة الثقافية، وإن بدت – في ظاهرها – أنها بعيدة كل البعد ذلك، بسبب ما يوحيه ظاهرها من اختصاص ما، بينما نبتعد عن ما يقربنا من الممارسة الفعلية لذلك الظاهر، التي تعتبر هي لب الفعل الثقافي للمجتمع، وهي فلسفته التي ارتآها وارتضاها للكيفية التي يتفاعل بها مع الأشياء، من واقع أنها كانت معنية باهتمامه وصميم جوهره، تماما مثلما تفعل الأعشاب ذات الوظيفة الوقائية في البيوت العمانية القديمة.

نظن أن الغوص بعيدا في الممارسات المجتمعية القديمة بشتى أوجه حضورها لم يخرج عن طابع الوصف العام، ولم يفحص الأبعاد التي شكلت المعرفة الثقافية لتلك الممارسات وأسبابها، وهو ما نميل إلى الاعتماد عليه لتفكيك الفكرة السائدة حول فحوى التمسك بخارطة ذهنية بيتية تتخذ من الأعشاب نافذة لمستقبل يتم إعداد الأفراد فيه للمستقبل من خلالها، والأعشاب السائد الاصطلاح حولها الآن بأنها طبية، تشكل حجر زاوية معرفية أصيلة ومهمة في البيئة العمانية القديمة.

عين ويد

اعتمد المجتمع العماني في مراحله التي سبقت مرحلة السبعينات على التعامل مع مختلف التفاصيل من واقع العين واليد.

العين بصفتها أداة إبصار وتأمل وتقصّ واستنطاق واستعلام وانتباه شديد الحرص لصلته المباشرة بالتشخيص المبني على الخبرة والتجربة من ناحية، أي الذكاء في التقاط المفارقة بين ماكان عليه الشيء قبل وبعد المشاهدة، هو ما يجعلها ذات أهمية قصوى، ولذلك تبدو لنا دربة العين على الفهم كبيرة وضرورية، لأنها حائط أمان أول لمعرفة وتقدير حجم المشكلة أو الضرر، وبالتالي لتحديد آلية التعامل بشكل ما مع ما هو مستجد.

اليد، وهي العنصر الثاني الذي اعتمده المجتمع العماني القديم، يتخذ منها وسيلة للتحقق، وله في ذلك أشكال سلوكية مختلفة، وهو إذ يفعل من خلال أفراده المعنيين بهذا السلوك، يفتح نافذة لتقدير مستوى ما يمكن أن يقع من ضرر، ليرى المناسب له على سبيل الحماية والوقاية من تكراره أو عودته في المستقبل، وهو يفعل ذلك لكون الفعل ذاته صار دارجا ومألوفا، من واقع الدربة أو الخبرة، ولهذا صارت اليد لا غنى عنها في معاونة العين في التعامل مع التشخيص، لتحقيق وظيفة وقائية أو علاجية.

هذه التفاصيل، ربما ليست ضرورية أو مهمة، وربما تكون عادية في بيئتنا المعاصرة، باعتبار أن مساحة فهم ذلك وتقديره هي سمة فطرية أو طبيعية من زاوية النظر بالعين أو اللمس باليد، لكن الفارق هنا هو الخبرة في دقة التشخيص، وهي سمة لا تمنح إلا لمختصين في زمننا، بينما كانت في الأزمنة القديمة بمثابة ضرورة، فالأب والأم والجار وكل من بلغ من العمر مبلغ مسؤولية، لا بد من أن تكون لديه هذه السمة والصفة والوعي.

يفهم هذا النوع من الثقافة الضرورية من كان رقيب سلوك أهله في معرفة كيف يشخصون الأشياء بدقة، وكيف يقطعون الطريق على المرض كي لا يتفشى، وكيف يزاولون مهنة الوقاية الطبية بمعناها الحديث وبأساليبها التقليدية بمهارة واحتراف ومسؤولية، وهو لن يدرك هذا البعد إلا بعد أن يكبر، ليعيد النظر في مجمل السلوكيات التي شكلت حجر زاوية اهتمام بيتية مجتمعية شاملة.

وقاية مبكرة

لا يعتمد قدامى العمانيين والعمانيات على فكرة العلاج، بل تشغلهم الوقاية، والوقاية المستمرة، وخاصة على مستوى الأطفال، من واقع الأعشاب ذات الوظيفة الطبية التي يؤمنون بها، فلديهم عدد من الأعشاب هي في الأساس مستودع الفكرة الوقائية، وتكاد بعض الأسر أن تكون تتعامل معها بشكل أسبوعي ثابت، فـ الجعدة والباطلي والمر والصبر والخيل من الأعشاب التي لا تفارق البيوت، ويندر أن يخلو منها بيت، ونحن نقصد هنا أنواع البيوت كلها، سعفية وطينية وصاروجية، إذ بعضها يتم غليه على النار، وبعضه يتم تبييته من الليل حتى الصباح في وعاء صغير، وبعضه يتم وضعه في الماء ويشرب مباشرة، وكلها يتم استخدامها على الريق، أي على معدة خاوية، مما يجعل المفعول ذا نتيجة مفيدة.

يؤمنون أن المعدة بيت الداء دائما، ولهذا يجتهدون من أجل سد ذريعة عدم الاهتمام المبدئي بالجسم الطفلي، ومنع أمراض المعدة وتأثيراتها على الصحة المستقبلية من الظهور، عن طريق مكافحتها مبكرا، بهذا النوع من الأعشاب الوقائية.

يدركون أن الطفل لا بد له من أن يكبر، ولدا كان أو بنتا، ولا بد من أن يكون مهيئا لطبيعة دوره المجتمعي، وجميعها أدوار ليست سهلة، وتتطلب جلدا وصبرا، والجسد يجب أن يكون مستعدا لهذا الدور، لذلك يقومون بتقويته وصيانته وتجهيزه من هذا الواقع الوقائي، الذي ينظرون من خلاله إلى المستقبل، لأنهم مروا بهذه التجربة صغارا، فيعيدون تكرارها مع أبنائهم وبناتهم، أي أنها لازمة ثقافية بمنظور طبي تقليدي وقائي.

خزينة الأعشاب

لكل بيت خزانته الخاصة بالأعشاب، ليست الوقائية فحسب، ولكن ينضاف إليها ما هو علاجي، وهم يشترونها بعدة أشكال وطرائق، ولكن أسهلها هو ما يجلبونه من أشخاص يكون اختصاصهم هو بيع الأعشاب، وبائعو تلك الأعشاب لديهم معرفة شاملة حول وظيفة كل عشبة، أو الأصناف المستخرجة من أعشاب معينة، ولذلك يجلبون كميات للاستخدام المنزلي طويل الأمد نسبيا، حتى يكون لديهم حاجتهم مما يريدونه في الصنفين، الوقائي والعلاجي.

يمكن النظر إلى خزانات (الأوليّين) في البيوت العمانية، ويمكن مشاهدة : الجعدة، الباطلي، المر والصبر، الخِيل، أصابع الكركم، صْلُوب ‘أعواد’ التتن ‘الغليون’، ورق الغليون بحجم كف اليد، الإثمد، عرج اللَّيّ، وغيرها مما يتم (صَرّه) وحفظه في أوعية قماشية، بعضها متين وبعضها خفيف، بحسب نوعية المخزون، فبعضه يحتاج إلى وضعية خاصة للحفظ، وتبقى تلك الخزانة المندوسية، سواء كانت من الحديد أو الساج، هي أهم ما يتم وضعه في (السبلة/الغرفة) الأساسية في البيت، حفظا وأمانا من ناحية، وسهولة وسرعة وصول إليها من ناحية ثانية.

بين زمنين

شهود على زمنين لا يزالون يعيشون بين ظهرانينا، يدركون أن ما نقوله الآن كان يعتمد على كون البيئة القديمة خالية من وسائل الوقاية الطبية المتوافرة الآن بكثرة، وأن قدامانا ممن عاشوا ضنك العيش وعدم وجود حماية طبية، وقائية وعلاجية، اجتهدوا كي يوفروا أقصى ما يجيدونه لأطفالهم، وللتعامل مع مرضاهم من البالغين ذكورا وإناثا.
لكن ما يهمنا جذريا هنا، هو إمكانية تفعيل القراءة الثقافية لفهم الوعي العام الذي جعلهم يثقون في الخبرة والدربة والتجربة للتعامل مع الأعشاب، وتلقينها الأجيال اللاحقة، والتعاطي مع فكرة الوقاية بمنظور اجتماعي صحي وظيفي مشترك، لصنع جسد يتناسب مع ما ينتظره من مهمات جسيمة مستقبلا.

خاتمة

ما يجدر قوله حول ثقافة العمانيين عن الأعشاب هو أنه في حاجة إلى إجلاء بصيرة الواقع الذي عاشوه في مراحل كانوا يتجاوزون فيها الحاضر بنظرتهم الشمولية نحو المستقبل، فضلا عن التعاطي المختلف مع مفهوم الطفولة في شقها الوقائي الطبي، والأسباب الجوهرية التي جعلتهم يتوارثون المنظومة الذهنية بتلقين مدروس الأثر والنتيجة بفعل الخبرة الاجتماعية المتراكمة.

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى