الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “مشهد من دلفت” لـ “يوهانس فيرمير”

“مشهد من دلفت” لـ “يوهانس فيرمير”

اللوحة التي تنبأت بالانطباعية
يوهانِس فيرمير (Johannes Vermeer) والمعروف باسم فيرمير (1675-1632م) هو رسَّام هولندي، ولد في بلدة دلفت الهولندية. يعتبر من أكبر فناني القرن الـ17 الميلادي في أوروبا بالرغم من قلة عدد اللوحات التي تركها مقارنة بغيره من فناني جيله. هذا الفنان كان انطباعيا قبل الانطباعية، فمن خلال لوحتين فقط رسمهما “فيرمير” لمشاهد خارجية استطاع التنبؤ بمبادئ الانعطافة الجذرية للانطباعية، الا وهي اولا تغيير أسلوب النظر الى الطبيعة والعالم الخارجي بحيث ينعكسان في اللوحة تلقائيا من حيث الزمن والاحساس، ثانيا السعي الى اللحاق بالواقع في حركته المستمرة وخاصة اللحاق بتأثيرات الضوء التي تغير وجهة الاشياء وحقيقتها، وثالثا المهم ليس تفاصيل الموضوع المختار ولكن احساسه به في لحظة نادرة ستصير اللوحة. وقد كانت لوحة “مشهد من دلفت” لوحة تسبق الانطباعية وتبشر بها، وقد قيل عنها انها أجمل لوحة في العالم من قبل الروائي الفرنسي مارسيل بروست الذي كتب عنها وعن دلفت في روايته (البحث عن الزمن المفقود) والتي يصف فيها دهشته والانطباع الذي انتابه لحظة لمحها ولقائها لأول مرة سنة 1921 بمتحف «جو دي بوم» خلال المعرض الاول من نوعه في مدينة باريس للفن الهولندي، حيث كانت ضمن 3 لوحات للفنان. هذه اللوحة تعد من المرّات النادرة ان لم نقل الوحيدة التي خرج فيها الرسام الى خارج أسوار البيوت والغرف لينتبه الى تفاصيل أخرى الى جانب مشاهده الداخلية التي ترسم بدقة وبراعة وفصاحة تفاصيل الحياة اليومية واسرارها التي يشاهدها الجميع ولكن لا يفقه سحرها الا هو بريشته وقدراته البالغة على اقتناص جماليات الضياء وانعكاسها على اليومي والمعتاد لتخليده في أبهى صوره.
اذا مشهد من دلفت كان نقلة نوعية في مسيرة الفنان ليس فقط من حيث الانتقال من رسم المشاهد الداخلية الى رسم منظر خارجي فحسب بل من حيث تغيير زاوية النظر لجوهر وحقيقة الطبيعة الجامدة للأشياء، حيث نوّع في طرق التعامل مع التأثيرات الضوئية، التي تخللت وتسللت بعمق أكثر الى تفاصيل هذه اللوحة ولم تؤثر ابدا على إبراز التفاصيل والبنية المادية لأشياء والموجودات. فبالرغم من أن فيرمير إستخدم عددا محدودا من الالوان في اللوحة من رمادي وأزرق، والوان الترابية بداية من تدرجات الاصفر وصولا الي البني بدرجات مختلفة، الا ان ذلك لم يؤثر على دقته وبراعته في نقل إحاسيسه فهو يجيد جيدا توظيف قدرات كل لون، حيث يستهل مشهده برسم بمجموعة من الناس بملابس زرقاء داكنة بعضهم يتجول على حافة الميناء والبعض الاخر يقف قرب مراكب صيد احتلت الجانب الايسر للمشهد، الذي يتوسطه الماء ويأتي في جزئه الثالث ذلك المشهد العمراني الاخاذ لمشهد مدينة دلفت، تلك المنازل المختلفة الاحجام والاشكال والتي توسطتها «الكنيسة الجديدة» في قلب المشهد وقد عكست أشعة الشمس المشرقة ضيائها عليها وأعطتها مكانة مركزية في عمق اللوحة كتحفة معمارية تستحق الاحتفاء ليختتمه في جزء رابع برسم السماء الملبدة بالغيوم. والمتأمل جيدا في تفاصيل رسم السماء رغم تلبد غيومها وسطح المياه رغم هدوئه وانعكاس ظل المشهد المعماري عليه وبعض تفاصيل رسم اسطح المنازل يلاحظ تسلل اللون الازرق تدريجيا والذي سيمثل فيما بعد إحدى أهم قواعد رسم رواد الحركة الانطباعية مقارنة بالواقعيين حيث حذفوا اللون الاسود واستبدلوه باللون الأزرق.
أيضا عدم تركيز الفنان على رسم ملامح الشخصيات والبنايات الموجودة في المشهد بل رسمها على الطريقة التي سيرسم بها مونيه فيما بعد كما لو من طرف مراقب عابر، فلم ترسم أي من هذه الشخصيات كبورتريه بل وقع التركيز على هيئاتها فقط وعلى المشهد في كليته، مما يثبت لنا جليا انه ركز على رسم مناخ عام لنهار عادي وهادئ لهذه المدينة التي تسكنه. ورغم ان الالوان لا تزال هنا معتمة بعض الشيئ وكذلك التكوين مزال متأثرا بالموديلات الكلاسيكية الا ان بوادر التغيير بدت واضحة وجلية المعالم، حيث أدرك أن ضوء الشمس ليس عنصرا متشابها لكنه يتكون من مجموعة من القيم اللونية ليصبح اللون لديه هو من يحدد الفضاء والحدود بين الاشياء التي لن يعيد تحديدها الخط الخارجي، من هذا المنطلق ومن خلال هذه اللوحة تحس ان طريقة فيرمير في الرسم هي تعبير حر رغم التزامه برسم مشهد محدد، كما باتت رغبته في الرسم بطريقة جديدة واضحة من خلال جعله المرئي أكثر ذاتية وخصوصية وأكثر تلقائية، فلرسم مشهد من مدينته لم يختر الفنان يوما خاصا او احتفاليا بل رسم يوما عاديا بغيوم ملبدة ومياه راكدة، كما باقي الايام الاخرى مراهنا على جماليات المعتاد وتفاصيله الحالمة للإنتاج حقيقة مدركة بالحواس وحساسة، فتحس انه رسم مشهده بحب وعشق كبيرين من خلال كل ما ذكرنا من تفاصيل وتقنيات ورغبة كبيرة في رسم الواقع بطريقة ذاتية تتجاوز المعطى المرئي الى الجماليات التي تقبع في جوف الاشياء والموجودات الجامدة، فيصبغها برهبة ذلك اللقاء النادر. بحيث يمكن لنا اعتباره الفنان الذي يلتقط المشهد واللون والضوء بأسلوب مميز، حتى في مشاهده الداخلية كانت الضياء تتسلل الى مواضيعه من النوافذ وهذا دليل على ان الفنان كان يعي جيدا قيمة الضياء ونور الشمس لحظة انعكاسها على الأشياء وما يمكن ان تقدمه من حلول تشكيلية وجمالية جديدة، وهذا ما اعتمده الانطباعيون فيما بعد فصاروا يعيدون رسم المشهد الواحد تحت تأثير درجات الضياء الطبيعية المختلفة لتثبيت وتثمين التغيرات التي تحدث في فترات زمنية من النهار والقدرات التشكيلية والجمالية المتنوعة التي يمكن ان تعطيها للمشهد الواحد. حيث يقول الناقد والروائي الفرنسي “أندرو مارلو” في هذا السياق “إن ما يعني فيرمير في ميثولوجيا السعادة اليومية هذه، هو أن يصادر خيط الزمن المعلق، الواهي جدا، حركة، أو نظرة، أو ابتسامة عابرة وإطلاقه على طريقة المصور، إنه يحتبس بحنان لحظة حياة هاربة، وعادية، في زخرفة كل ما عداها، وبذلك يترجم إلى الأبد، دوام السلوك البشري”. وبالتالي يظهر للمتمعن جيدا في تفاصيل هذه اللوحة التي توثق لاحد مشاهد مدينته دلفت، والتي تعد الى اليوم من اقوى اللوحات في تاريخ الفن، أن الفنان سبق الانطباعية الى أهم ادواتها، ويمكن ان نعتبر بانه تنبأ بأهم اليات اشتغالها، فهي البداية النموذجية للانطباعية حيث تتميز اللوحة بانها فاتحة وبحقيقتها الوثائقية بدون الدخول في تفاصيل لا اهمية لها، يعتبر السحر الخاص لهذه اللوحة قيامها على التكامل بين الاشكال الشاخصة في مستوى اول وفي المشهد المنعكس على الماء في مستوى ثان وعلى المشهد المعماري في مستوى ثالث من ثمة السماء في مستوى رابع، كما بعمق غير معهود مرسوم في درجات من الفاتح والغامق وتجاورهما سواء على حافة الميناء بين الأرضية والشخوص او في السماء وتحديدا الوان الغيوم او في رسم البنايات وتلك الاضاءة التي انعكست تحديدا على بناء الكنيسة الجديدة في شكل انعكاس لأشعة الشمس. ورغم ان المشهد هادئ الا ان الفنان استطاع من خلال هذا التجاوز بين الفاتح والغامق من ان يعكس لنا ديناميكية الحركة التي تسكن اعماق هذا المشهد، فبلغنا مثلا من خلال تلبد الغيوم تلك الحركة الحثيثة التي تسكن السماء، كما استطعنا تخيل ما يمكن ان يدور على حافة الميناء، كما حركة المياه الراكدة عندما نقل الينا مجموعة من الالوان المتدرجة الفاتحة والالوان الكادرة او الوسخة من الرمادي والبني عبر طبقة لونية تغطي سطحها. هذه المراوحة بين الفاتح والغامق اذا تشير الى ما هو مضمن ومعتصر فبين السطح والعمق تتراءى للعين الالوان متحركة، وقد كان الضوء هاجسا لفيرمير استطاع من خلاله ترجمة انطباعه الجمالي للحياة اليومية بمختلف تفاصيلها تشكيليا من خلال اختلاف الدرجات اللونية الناتجة عن انعكاسه على اللون. وهذا بالضبط ما سيمثل فيما بعد اهم عوامل الرسم التي سترافق عبوره من الاكاديمي نحو الانطباعية.
توفي “فيرمير” سيد الضياء مبكرا جدا عن عمر يناهز 43 عاما، تاركا وراءه عددا من اللوحات لعائلته قيل فيما بعد على لسان زوجته انها كانت بديلا لديونه، رحل في صمت يضاهي هدوء وعمق لوحاته، ولم تشهد طريقته في الرسم ونبوغه اهتماما الا بعد مرور وقت طويل على موته، حيث تحولت حياته وحياة بعض لوحاته الى افلام وقراءات تعيد نوعا ما الاعتبار لتجربة رسام مرّ بتاريخ الفن كعابر سبيل حكيم، لا يحب أن يطيل البقاء بقدر ما يفضل ترك حكمه التشكيلية المفخخة بالجمال والغموض خلفه لتواصل هي اثارة الحواس بعده.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى