الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / حضارات وادي سوق وأم النار وحفيت تكشف علاقة عمان مع بلاد الهند وفارس والرافدين منذ آلاف السنين قبل الميلاد
حضارات وادي سوق وأم النار وحفيت تكشف علاقة عمان مع بلاد الهند وفارس والرافدين منذ آلاف السنين قبل الميلاد

حضارات وادي سوق وأم النار وحفيت تكشف علاقة عمان مع بلاد الهند وفارس والرافدين منذ آلاف السنين قبل الميلاد

ظهور اسم مجان لأول مرة في النصوص المسمارية لإمبراطورية بلاد الرافدين منتصف الألف الثالث قبل الميلاد

د.محمد الكندي : ظهور مجموعة من المستوطنات على امتداد جبال الحجر من مسندم وحتى رأس الحد خلال العصر البرونزي المبكر

د.خالد دغلس : سكان المستوطنات كانت تربطهم علاقات تجارية وطيدة مع المراكز الحضارية العالمية

كتب ـ علي البادي :
في الوقت الذي تواصل فيه جامعة السلطان قابوس بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة أعمال المسح والتنقيب الأثري ، التي كشفت عن وجود العديد من المستوطنات على امتداد سلسلة جبال الحجر في السلطنة ، تعود بتاريخها الي حضارات يمتد عمرها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وكان سكانها على اتصال مع بلاد الهند وفارس والرافدين وغيرها من الحضارات ذات النشاط والتبادل التجاري.
“الوطن” استقصت تاريخ تلك المستوطنات والتعرف عليها تاريخيا في ضوء المكتشفات الأثرية التي أعلن عنها مؤخرا ، من خلال اللقاء مع بعض الباحثين المتخصصين في الجيولوجيا والتاريخ والآثار، حيث يشير الدكتور محمد بن هلال الكندي رئيس مركز استشارات علوم الأرض ومحاضر زائر في الجامعة الألمانية للتكنولوجيا ، في كتابة قصة الحياة في عمان (غير منشور) إلى ظهور مجموعة من المستوطنات على امتداد جبال الحجر من مسندم وحتى رأس الحد خلال العصر البرونزي المبكر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد (نحو 2900 عام قبل الميلاد)، حيث أصبحت هذه المستوطنات الإقليمية على اتصال بارز مع غيرها من المجتمعات العربية، وكانت علامةً على نشوء تنظيمات ومنشآت قبلية كبيرة في المناطق الزراعية، وتميزت هذه المنشآت بظهور المقابر الركامية أو ما يعرف بمقابر حفيت (3200-2700 عام قبل الميلاد)، نسبةً إلى جبل حفيت الواقع على الحدود الشمالية من عُمان، وتنتشر قبور فترة حفيت في كافة ربوع عُمان ويقدر عددها بأكثر من مائة ألف قبر، وهي قبور تبدو كالأبراج، وكثيرٌ منها محفوظ بصورة جيدة جدا كما هو الحال فيما يُعرف بمقابر كبيكب الأثرية التي يصل ارتفاعها إلى ثمانية أمتار بقرية الجيلة في قمم جبل بني جابر على ارتفاع 1800 متر فوق سطح البحر، أو كالمقابر الأثرية في قرية العين بالقرب من جبل المشط، أو كمقابر بلدة زكيت، وقد أدرجت بعض هذه المقابر في قائمة التراث العالمي عام 1988م، وهي أبراج دائرية برجية مسطحة من الأعلى يتراوح قطرها بين أربعة أمتار وثمانية، ويصل ارتفاعها إلى أكثر من ستة أمتار، وبها مدخل صغير يتجه نحو الشرق، وقد تكون نادرا بيضاوية أو مستطيلة.
وأشار “الكندي” الى أن هذه الأبراج تتميز بمقدرتها على الصمود ضد العوامل الطبيعية والبشرية، فبالرغم من تعرضها للتخريب مرات متكررة قديما وحديثا لا يزال بعضها صامدا، لقد وزعت هذه المقابر الجماعية على قمم الجبال فوق الواحات القبلية الصغيرة التي انتشرت على ضفاف الأودية، وكأنهم أرادوا بها إشاراتٍ للغرباء على أن هؤلاء الموتى لا يزالون حراسا لخلفائهم.

ظهور المقابر الدائرية
يرى الدكتور محمد الكندي أنه منذ 2700 عام قبل الميلاد حتى نهاية العصر البرونزي عام 2000 قبل الميلاد انتشر نوعٌ جديد من المقابر الدائرية عُرف باسم مقابر أم النار، وهي قبور دائرية أيضا لكنها غير طويلة كقبور فترة حفيت البرجية، وهي تحتوي عادة على بابين في الخارج، وفي العموم تمثل قبور فترة أم النار تطورا في التصميم إذ إنها أكثر اتساعا ومتانة في الأسفل من قبور فترة حفيت، وتصميمها الداخلي أكثر تعقيدا وتنظيما، وتنتشر هذه القبور عادة في السهول والهضاب الصغيرة بالقرب من المستوطنات عوضا عن قمم الجبال، وربما استُخدمت لتحديد النطاق الإقليمي للمجتمع، وقد تعرض كثيرٌ من هذه القبور للتخريب، واستخدمت حجارتها في بناء مساكن حديثة، ما تسبب في زوال كثير منها،كما أن محتويات قبورها الداخلية التي دفنت مع الموتى نهبت في عصور قديمة، وربما يكون موضعها السهليّ مدعاة لنهبها وإعادة استخدام أحجارها خلافا للقبور الجبلية لفترة حفيت، ويوجد نحو أحد عشر قبرا من قبور فترة أم النار في قرية بات بعبري، وهي موجودة أيضا في وادي الفج بولايتي محضة وينقل وفي قرية بسياء بولاية بهلا، كما أنها منتشرة أيضا في سواحل عُمان الشرقية كساحل رأس الجنز، وتضم هذه المقابر بين جنباتها رفاتَ عددٍ كبير من الموتى إذ إن أحجامها اتسعت بمرور الزمن، وهي تحتوي كذلك على كم هائل من الخرز المصنوع من مواد مختلفة، هذا بالإضافة للجرار الفخارية السومرية التي تحمل نقوشا جميلة، وكانت بعض هذه الجرار تستخدم لدفن الأطفال، إذ جرت العادة حينها على دفنهم في جرارٍ فخارية خارج القبور الحجرية، وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه المناطق الأثرية استخدمت تباعا في فترات زمنية أحدث، ولذلك فإن تَأْريخَ آثارها عادة ما يواجه معضلات كثيرة.

مجتمعات حفيت وأم النار
يوضح الدكتور محمد الكندي أن مجتمعاتُ فترة حفيت وأم النار أستغلت المصادرَ الطبيعية بصورة بارزة، وتمكنت من العيش في مواقع جافة نسبيا عن طريق تجميع مياه الأمطار أو حَفْرِ آبارِ مياه بدائية في مجاري الأودية والشراج للوصول إلى المياه الضحلة، ونشأت على إثر ذلك واحاتٌ جميلة ذات نظامٍ زراعي فعال، وظهرت كذلك قنواتٌ مائية متفرعة ومسطحاتٌ زراعية من أشجار النخيل والسدر والشعير وغيرها، وتوجه المجتمع إلى تدجين الكثير من الحيوانات كالمواشي والحمير، واستخدمت الكلاب للرعي والحراسة، وأصبحت للمجتمع طقوسٌ معقدة، ونظام اجتماعي مميز في دفن الموتى، وتحديد نطاقه الجغرافي وامتلاكه للثروة والسلطة، وصارت له أيضا مجموعة من المهارات الفنية والحرفية، كما برزت حينها التحالفات السياسية والقبلية والاقتصادية التي بدأت في تحديد معايير القوى ونطاقات النفوذ، لقد كان ظهور الواحات الكبيرة فاتحةً لنشوء مجتمع ذي سلطة مركزية قيادية له تأثيرات كبيرة وواسعة.

ظهور اسم مجان
وأضاف “الكندي” في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ظهر اسمُ مجان لأول مرة في النصوص المسمارية لإمبراطورية بلاد الرافدين، لقد أضحت عُمان حينها جزءا لا يتجزأ من الحضارة العربية العظيمة، وأصبحت هذه الواحات البديعة وما حولها من جبال مصدرا للسلع المهمة ضمن نطاق التبادل التجاري الإقليمي والعالمي، ويأتي على رأس هذه السلع النحاسُ ومعدن الديورايت والمنتجات البحرية، وكانت مجانُ محطةً لإعادة تصدير الأخشاب التي تستورد من الهند، لقد عُثر في عُمان على عشرات مواقع تعدين النحاس الأثرية، وهي تحتوي على خامات نحاس مختلفة نسبيا في تكوينها، ويمكن التعرف على هذه المواقع اليوم من خلال انتشار صخور خبث النحاس الذي خلفته آثار صهر النحاس، ويبدو من كمية الخبث المنتشرة في المواقع الأثرية أن ذلك التعدين كان هدفه التصدير للخارج، وليس فقط للاستخدام المحلي، لقد قامت مستوطنات كبيرة بالقرب من مواقع استخراج النحاس وصهره، هذه المستوطنات عادة ما تحتوي على منازل متعددة وأفران ضخمة لصهر النحاس، وبها أيضا معامل حرفية أخرى لإنتاج الجرار والأدوات البرونزية، ويمكننا أن نتخيل ما حدث حينها مشابها لما يحدث اليوم من استخراج النفط الخام وتصفية جزء منه للاستهلاك المحلي، في حين تصدر الكمية الأخرى إلى الخارج.

نشأة خطوط الملاحة التجارية
يشير الدكتور محمد الكندي في كتابه قصة الحياة في عمان إلى أنه مع وجود الواحات الكبيرة وظهور عُمان على مسرح التبادل التجاري مع بلاد الهند وفارس والرافدين نشأت أيضا شبكةٌ من خطوط الملاحة التجارية عبر بحر العرب وبحر عُمان والخليج العربي، وأصبح العُمانيون مع مرور الوقت روادَ العالَمِ في ركوب البحر، وأضحت موانئ رأس الحد ومسقط وصحار ومسندم وظفار مراكزَ عالمية لنقل البضائع، كذلك أقيمت مجموعة من المسالك الداخلية لنقل السلع من داخل عُمان إلى سواحلها، وغدت عُمان على رباطٍ وثيق مع ما يحيطها، إن أشهر الآثار العُمانية التي ظهرت في تلك الفترة هو تمثال جوديا حاكم إنسي في جنوب بلاد الرافدين الذي يعود لعام 2200 قبل الميلاد، وقد صنع هذا التمثال فيما يبدو من صخور الجابرو التي تنتمي لصخور الأفيولايت العُمانية، وفي المقابل تدفقت سلعٌ مختلفة من بلاد الهند والرافدين إلى عُمان، من هذه السلع الأخشابُ وقطعُ الفخار والقارُّ الذي استخدم في صناعة القوارب والمعادنُ كالذهب، كما أن كثيرا من الحيوانات الداجنة كالدجاج المُستَأنس جاء من الخارج حينها، وفي نهاية الألف الثالث قبل الميلاد وبداية الألف الثاني قبل الميلاد كان اللبان العُماني يستخدم في عُمان وخارجها، وفي الفترة ذاتها ظهرت أختام حجرية معبرة ورسومات حجرية جميلة على صفحات الصخور، من أشهر هذه الرسومات ما يبدو في حصاة بن صلت بولاية الحمراء التي تُجسد مجموعةً من الرجال مع امرأة نحتوا بطريقة بديعة ومهارية، ولعل هذا النحت الصخري كان يمثل نوعا من الطقوس الدينية التي كانت تتم على سفوح الجبال الشاهقة.

أكبر المستوطنات في عمان
مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد كانت المنطقة تمر بمرحلة تحولية أخرى، تجسدت بظهور أنواع جديدة من الأدوات والأواني المعدنية والفخارية، وأصبح الموتى يدفنون في قبور حجرية مفردة تحت الأرض بعد أن كانت القبور جماعية في السابق، لم تكن هذه القبور غالبا بذات اتساع أو تنظيم قبور فترة أم النار، ومَثلت هذه الفترة أيضا فيما يبدو تراجعا في عدد المباني والسكان، إذ ظلت هذه الفترة لُغزاً محيرا لعلماء الآثار حتى اصطُلح على تسميتها بفترة وادي سوق (من 2000-1300 عام قبل الميلاد)، نسبة إلى وادي سوق الواقع غرب صحار على امتداد وادي الجزي، وهو المكان الذي عُثر فيه على آثارها لأول مرة في السبعينيات من القرن الماضي، وبالنسبة لكثير من العلماء فإن هذه الفترة تمثل عهدا مظلما سادت فيه الحروب بعد أن جاء فيها الغزاة من الخارج، وظهر في الصراع على الموارد، وانتشرت الأزمات الاقتصادية، وتراجع التبادل التجاري مع بلاد الرافدين، وكنتيجة لذلك هُجرت بعض الواحات، وساد نمط الحياة البدوي، واسْتُؤْنِسَت الجمال بصورة واسعة، ويمكننا القول إن مستوطنات فترة وادي سوق أقل بكثير من مستوطنات فترة حفيت وأم النار، وهي مع قلتها وصغرها منتشرة أيضا على حدود جغرافية واسعة، وفي هذا دلالة على تراجع أعداد السكان في تلك الفترة، وقد يكون هذا مرتبطا أيضا بنمط الحياة البدوي الذي لا يخلف وراءه آثارا تحفظ لآلاف السنين، وتوجد أكبر مستوطنات هذه الفترة في بات وبوشر وسمد الشأن والواسط بالإضافة إلى وادي الجزي، لكن أقدم هذه المستوطنات موجودة في رأس الجنز إذ عاش فيها الإنسان فوق أعلى الهضبة على ارتفاع 20 إلى 30 مترا من الأرض بعد هجرة مستوطنات العصر البرونزي المبكر في الأسفل، وربما يكون انتقالُ الإنسان للعيش فوق أعلى الهضبة في رأس الجنز إحدى وسائل الحماية والتحصين في زمنٍ سادت فيه الصراعات، وهذا النوع من تفضيل الحياة في الأماكن المحصنة جغرافيا ربما يفسر اختفاء المواقع الأثرية في جزيرة مصيرة خلال فترة حفيت وأم النار، بعد أن كانت موجودة في العصور الحجرية الأقدم، ثم ظهورها مرة أخرى بصورة كبيرة خلال فترة وادي سوق.

نمط العيش في فترة وادي سوق
ولا يبدو نمط حياة فترة وادي سوق في العموم مختلفا عن سابقه، فأهل الساحل كانوا يقتاتون من صيد الأسماك الكبيرة والصغيرة وتجفيفها، في حين عاش أهل الواحات والبادية على الرعي والزراعة، لكن الأدوات الحجرية والمعدنية والفخارية صارت أكبر حجما وأكثر تطورا وأقل فناء، وانتشرت الخناجر والسيوف والرماح التي صنعت من النحاس العُماني، وربما كان ذلك نتيجةً طبيعية لغياب الأمن وتزايد أهمية الدفاع عن النفس وضرورة اقتناء السلاح، واختار الإنسانُ العيْشَ في مستوطنات أقل تعقيدا حتى يفتح المجال لمجتمعه في التنقل والترحال متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، ويبدو أن الثقافة العامة للمجتمع قد تأثرت بسبب التدخلات الخارجية والهجرات المتكررة.

من جانبه يؤكد الدكتور خالد دغلس رئيس قسم الاثار بجامعة السلطان قابوس أن المواقع الأثرية التي تم إكتشافها مؤخرا في مناطق دهوى ووادي السخن والثقيبة بولاية صحم تضم مستوطنات قديمة تعود بتاريخها إلى ثقافة ام النار (2500-2000 قبل الميلاد )وهذه المواقع تمثل اقدم مستوطنات دائمة في شمال السلطنة حيث تم اكتشاف مبنى يعود في اصوله إلى العصر البرونزي المبكر وبشكل دقيق إلى فترة ام النار ، مشيرا إلي أن اقدم مرحلة استيطان في الموقع تعود إلى فترة ام النار وبالأخص إلى المرحلة المبكرة منها أي حوالي 2500 عام قبل الميلاد وتشير نتائج تحليل الكربون المشع 14 إلى أن الاستيطان استمر في الموقع لخمسة قرون من الزمان أي حتى نهاية فترة ام النار في حدود 1900 قبل الميلاد وعلى ما يبدو أن الموقع اعيد استخدامه لاحقا خلال فترة وادي سوق ( 1900-1300 قبل الميلاد ) على الأقل كحقل للمدافن ، وبعدها اعيد استخدام الموقع في العصر الحديدي حيث عثر على عدد كبير من المدافن التي يعود معظمها إلى العصر الحديدي الثاني (من 1300 الي 300 عام قبل الميلاد) كما اظهرت الحفريات الأثرية أن أجزاء من الموقع اعيد استخدامها لاحقا في الفترة الهلنستية حيث عثر على مدافن من هذه الفترة.

علاقات تجارية
وأوضح الدكتور خالد دغلس أن أعمال التنقيب في منطقة وادي السخن و في الثقيبة التي بدأت مع مطلع العام الجاري 2018م، أسفرت عن اكتشاف عدد من المباني المهمة واللقى الأثرية المثيرة والتي اشارت بوضوح إلى الدور المركزي الذي لعبه سكان المنطقة قبل اربعة الآف سنة مضت، حيث اكدت النتائج على أن سكان المنطقة كانت تربطهم علاقات تجارية وطيدة مع المراكز الحضارية العالمية آنذاك مثل حضارة بلاد الرافدين وبلاد السند وايران كما أشار الدليل الأثري الى أن السكان انتجوا النحاس وبكميات تجارية كبيرة وانهم مارسوا الزراعة خاصة زراعة النخيل واتقنوا صناعة الفخار وكانوا على صلة مباشرة مع سكان الساحل.

إلى الأعلى