الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / متطلبات العقيدة العسكرية العمانية في ضوء تحولات القوة والصراع في النظام العالمي القادم (2-3)

متطلبات العقيدة العسكرية العمانية في ضوء تحولات القوة والصراع في النظام العالمي القادم (2-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” رفض دخول السلطنة في أي نوع من التجاذبات والصراعات المتعلقة بتوازنات القوى الدولية عبر تحالفات وتكتلات عسكرية أو أمنية خصوصا تلك القائمة على التوجهات ذات الطابع العسكري والأمني الموجه ضد الدول . على أن ذلك لا يمنع من الانضمام إلى التحالفات القائمة على مبادئ الأمن الوقائي أو الدفاعي. والذي تقوم فيه الدول على ( مساعدة بعضها البعض بالتعاون والتكاتف لدرء العدوان….)”
ـــــــــــــــــــــــــ

من أبرز ما يمكن الإشارة إليه على سبيل المثال لا الحصر على صعيد المعرفة والوعي الاستراتيجي العماني بمتغيرات واحتمالات التغيير في النظام العالمي وما يمكن أن يحمله ذلك من تحولات على صعيد تجاذبات القوى الدولية والتغيير في مفاهيم التحالفات وموازين الصراع والسلطة والنفوذ والهيمنة على رقعة الشطرنج العالمية استنادا إلى الرؤية السلطانية منذ العام 1970م . وانعكاس كل ذلك على البيئة الوطنية العمانية, ووجهة النظر العمانية إلى تلك المتغيرات سواء كان ذلك على الصعيد الإقليمي أو الدولي. والذي بدوره ساهم بشكل كبير على تطوير منظومة الأمن العسكري الاستراتيجي للسلطنة. الجوانب التالية:
أولا : على صعيد بناء العقيدة العسكرية العمانية وطنيا ” الهياكل البنائية العامة”: من أبرز ما يمكن الإشارة إليه على سبيل المثال لا الحصر في جانب المرئيات والتوجهات الوطنية التي تم بناء عليها بناء العقيدة العسكرية العمانية من الناحية الفكرية والاستراتيجية. أو ما يطلق عليه ” هياكل بناء العقيدة العسكرية “:
1- بناء الجيش السلطاني العماني بطريقة عصرية ومتطورة سواء كان ذلك من حيث التسلح المادي أو المعنوي, وقد ربط جلالته أمن البلد واستقرارها بقوة جيشها فقال ( إن أمن البلاد واستقرارها مرتبط بتطور الجيش العماني وتأمين ما يحتاجه من معدات وأجهزة ). فكان اهتمام جلالته برفد هذا القطاع بمختلف أسلحته بأفضل المعدات والتقنيات الحديثة والمتطورة , والتي يمكن أن تساهم في تحقيق الرؤية السلطانية لتطلعات الأمن والاستقرار على الصعيد الوطني والإقليمي في ظل تلك المتغيرات المتسارعة والخطيرة في النظام العالمي وتجاذبات القوى ومساعي الهيمنة والقوة والنفوذ .وتوازنات القوى الدولية .
2- رفض دخول السلطنة في أي نوع من التجاذبات والصراعات المتعلقة بتوازنات القوى الدولية عبر تحالفات وتكتلات عسكرية أو أمنية خصوصا تلك القائمة على التوجهات ذات الطابع العسكري والأمني الموجه ضد الدول . على أن ذلك لا يمنع من الانضمام إلى التحالفات القائمة على مبادئ الأمن الوقائي أو الدفاعي. والذي تقوم فيه الدول على ( مساعدة بعضها البعض بالتعاون والتكاتف لدرء العدوان والوقوف مع بعضها في قضاياها العادلة والمصيرية وتحقيق استقلالها وحريتها, ولكنه يرفض كل أشكال التحالفات والتكتلات مهما كان شكلها ما دام الهدف من ورائها الاعتداء على سيادة الدول واستقلالها, أو السعي لاستعمارها واحتلالها أو قلب أنظمتها السياسية أو غير ذلك من التوجهات السياسية أو العسكرية العدوانية, وهو ما تؤكده الواقعية العمانية وواقع تطبيق الفكر السياسي لصاحب الجلالة على سلوكيات وتصرفات وسياسات الدولة العمانية في سياساتها وعلاقاتها مع دول العالم منذ العام 1970 وحتى يومنا هذا )( ).
والدليل على ذلك كمثال لا على سبيل الحصر سعيها لإقامة تكتل إقليمي لمجابهة المخاطر التي يمكن أن تعطل الملاحة بمضيق هرمز( ) والتي ( تراها مسؤولية جماعية لا فردية , وهو كذلك تدبير لإجهاض أية خطوة لتمركز قوة أجنبية به بتعلة حمايته ويقيد أي مبرر لتدخل الدول الأخرى ولا سيما القوى العظمى فيه وفي المنطقة عموما ) ومن هذا الأساس والنظرة تقدمت عمان عام 1979م بمشروع عرف لاحقا بالمشروع التقني العماني( )ويبين المشروع أن المخاطر على المضيق تأتي إما بزراعة الألغام أو باحتلال الممر قوة بحرية معادية ( ). وكذلك مشاركة السلطنة في تحالف الدول الإسلامية ضد الإرهاب في 2016م .
ثانيا: على مستوى العقيدة العسكرية العمانية “إقليميا” : فقد قامت على مجموعة من الأسس الاستراتيجية :
( أما الأول : فيتحقق عن طريق بناء القوة وإقامة التعاون والتنسيق بين دول الخليج متسلحة بالإرادة السياسية التي تدفعها نحو هذا التوجه من دون أن تكون الاستراتيجية قائمة على تشكيل الأحلاف – انطلاقا من مبادئ العدوان أو المبادرة بالعدوان. ثانيا : فمؤداه إيجاد مساحات من التفاهم والتعاون بين دول الخليج العربية , وكذلك بين هذه الدول والدول الأخرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة التي يهمها أصلا أمن الخليج واستقراره – لذا – حصرت سلطنة عمان مطالبها بالمساندة الخارجية في الجانب السياسي وما يتعلق بالمعدات والخبرات, وهذا يشير إلى أنها ترى أن أمن الخليج يمكن أن يتحقق من خلال تنمية قدرات دوله الدفاعية واقامة مستوى من الاعتماد المتبادل بينها وبين القوى الدولية الأخرى. استنادا إلى المنفعة المتبادلة )( ) .
يضاف إلى ذلك أن سياسات وأدوار السلطنة في ما يخص التحولات والنزاعات الإقليمية قامت على رفض كل اشكال العنف والصراعات التي بلا شك ستهدد امن المنطقة برمتها. الأمر الذي دفعها الى أن يكون لها من الأدوار الحاسمة في تهدئة الكثير من صراعات المنطقة العربية منذ عقد الثمانينيات من القرن الـ20 وحتى يومنا هذا. وفي هذا السياق وعلى سبيل المثال لا الحصر قال جلالته “حفظه الله”: ( إن سياستنا كانت ولازالت تعبر عن اهتمامها الدائم بتهدئة الأوضاع في المنطقة وتعزيز فرص الحوار بين الأطراف المتنازعة لحل خلافاتها بروح الوفاق والتفاهم. …)( ).
ثالثا: على مستوى منظور العقيدة العسكرية العمانية للشؤون الدولية: لا شك أن هناك الكثير من الجوانب والأمثلة التاريخية التي يمكن الارتكاز والاستناد عليها للتعرف على كيفية بناء أسس وقواعد الرؤية السلطانية لمستقبل العقيدة العسكرية العمانية في جانبها الدولي منذ العام 1970م . سواء كان ذلك في جانب المرئيات السياسية أو العسكرية لمستقبل الصراع بين القوى الدولية في منطقة الشرق الأوسط , أو في جانب الاستراتيجيات المطلوبة لمواجهة ذلك من الناحية التنظيرية أو الواقعية التطبيقية في البيئة العمانية.
ومن أبرز تلك الأمثلة على ذلك. الصراع على مصادر الثروات في المنطقة والتي يقع على رأسها النفط. حيث وفي هذا السياق قال جلالة السلطان قابوس “حفظه الله ” ( لا شك أنه لم يعد يخفى على أحد أن الجزيرة العربية بما فيها الخليج, في كل بقعة منها أكثر من ثروة , ولعل في مقدمتها البترول … لا جدال إذا أن هذه الأرض المليئة بالخير تصبح مطمعا . إن هذه الثروات تفتح شهية الآخرين أينما كانوا شرقا أو غربا )( ).
جانب آخر . وهو الدور العماني في صناعة الاستقرار والأمن وتوازن القوى الدولية في الشرق الأوسط منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد قال جلالته ( قد نادينا في الماضي إلى اتباع سياسة التعقل ودعونا قادة المنطقة إلى فهم حقيقة التوازنات بين القوى السياسية والاقتصادية الدولية ومن ثم التعامل معها بحكمة واتزان بما يحقق المصالح الحيوية لشعوب أمتنا العربية )( ) وفي سؤال وجه لجلالة السلطان قابوس بن سعيد “حفظه الله ورعاه في العام 1982م . المحرر : يقال أن التسهيلات المعطاه لأميركا دعمت موقف الروس بطريقة غير مباشرة في عدن. وأن المحصلة النهائية زج المنطقة في خضم الصراع بين أميركا وروسيا ؟
فأجاب جلالته ( لابد أن أرفض هذا الكلام لأن الوجود الأميركي أو الأصح الغربي في المحيط الهندي والمنطقة المحيطة بنا هو لإيجاد نوع من التوازن مع الوجود السوفياتي. ولابد من القول أن الوجود في المحيط الهندي ليس أميركي فقط بل غربي بشكل عام, وحتى أستراليا لها وجود, السؤال هو :لماذا؟ الواقع أن ذلك كله نشأ نتيجة الوجود الروسي في المنطقة. مما حتم الوجود الغربي لإيجاد نوع من التوازن, ونحن نؤمن بالتوازن لأن التوازن يزيل الخطر, وعدم وجود التوازن يزيد الخطر. فإذا رجحت كفة جهة على أخرى فإن ذلك سيشجع الأولى على اتخاذ خطوات قد تكون مضرة. وأنا أرفض القول أن هذا يجعل المنطقة أكثر اشتعالا . بل أعتقد أنه يحقق نوعا من التوازن )( ).
ما يؤكد بدوره على أن ( حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله – يعد من القلائل الذين تنبهوا إلى أهمية البعد الجيوسياسي وأثره على السياسات الدولية في الشرق الأوسط من جهة, وإلى أهمية المنطقة العربية التي تشكل قلب كل الاقتصاد العالمي في جملة تلك التوجهات والطموحات والسياسات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الدولية من جهة اخرى. وكان لتلك المعرفة الاستراتيجية المبكرة دور فعال ومهم في تشكيل – العقيدة العسكرية والأمنية العمانية وكذلك – السياسة الخارجية . ما جعل من هذه الأخيرة تسير على نهج سياسة النأي بالنفس بعيدا عن دائرة الصراعات الدولية ومركز التوترات السياسية وتنافس الدول الكبرى أو طموحات بعض الدول الإقليمية في هذا الجزء شديد المخاطر الجيوسياسية من العالم. فكانت تلك الوسيلة الناجعة لعبور ذلك الامتداد مرتفع المخاطر الجيوسياسية والذي نشاهد آثاره وانعكاساته اليوم على الواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط بوجه عام والجغرافيا السياسية للمنطقة العربية على وجه الخصوص.)( )

إلى الأعلى