الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. صاروخ يرسم وطنا

باختصار .. صاروخ يرسم وطنا

زهير ماجد

بفضل ذلك الصاروخ صارت غزة عزة، ترسم مستقبلها ولو على ضوء شمعة فيما عرب يملكون كل أنواع الكهرباء ولا مستقبل لهم. صاروخ غزة يفهم الطريق والاتجاه، أليس فلسطينيا يعرف بلاده مترا مترا وهو يتحرق شوقا لملامسة ثراه ..
يذهب الصاروخ بعيدا منطلقا بقوة حنينه إلى أرضه .. عندما ينفجر يكون قد امتلأ قوة تعبير عن حالة هيامه بالمكان الذي وصله، لذلك هو يرفضه في وضعه الحالي .. قيل إنه قبل أن ينفجر يشتم رائحة التراب، يمرغ رأسه به، يهلل ..
ليس من صاروخ عبر التاريخ قص على البشرية قصته مثلما فعل الصاروخ الفلسطيني. كل صاروخ ينطلق من القطاع يروي مأساة شعب وفيه حكايات طويلة عن المؤامرة الدولية التي أدت إلى قيام إسرائيل .. يقال إن أميركا وإسرائيل تتشاركان مفهوم الاستيطان، فالأولى قامت على حساب شعب طردته من أرضه، والثانية كذلك، الأولى طردت الأصليين، والثانية مثلها تماما. الأولى لا تخجل من فعلها بل تتحدث جهارا نهارا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتفعل العكس تماما، فيما الثانية تتشبث بالمكان الذي ليس لها وتحاول بالقوة وبما تملكه من سلاح مصنوع عند غيرها أن تقنع نفسها بالبقاء، ربما صارت تتمناه لأنها باتت عاجزة عن تحقيق أمنيات واعدة كتلك التي حققتها في السابق. لقد جاء عصر العربي المنتصر قبل أن يقاتل، بعدما تراجع أو انقرض العربي االمهزوم قبل أن يقاتل، أو ذاك العربي الذي باع شرف انتمائه لفلسطين بأن انقلب عليها، هو يقدم نفسه على أساس أنه موضوعي وبراغماتي، لكنه يعرف أن بقاء إسرائيل بقاء له.
هكذا يصنع الصاروخ الفلسطيني اليوم مثلما صنع شقيقه اللبناني قبل سنوات .. إنه ذات الصاروخ الذي يرسم الوطن الذي ينتمي إليه والمكان الذي يبدأ منه رحلة الشوق إلى أرضه الحبيبة. نرسم له عينين يرى بهما بلاده بكل صخورها وجبالها ووديانها وأنهارها ومياهها العذبة وأشجارها، يشتم رائحة هوائها، يتغذى من شمسها المنطلقة في سمائها كأنما تصافح المجد الذي من أجله انطلق. لو شئنا أن نرسم الحقيقة من باب الخيال فلهذا الصاروخ دموع الشوق التي تصاحبه منذ انطلاقته حتى هدفه. وكلما راح في أجواء بلاده فلسطين زادت عزيمته أكثر وزاد شوقه للقيا المكان الذي سيراه بعد حين. هو يرسم سياسة، لكنه أيضا يرسم وطنا، يعود إلى وطنه .. إنه يعود بلا إذن، بل هي العودة التي ينتظرها كل فلسطيني يفرح بأن ثمة من سبقه، وصنع له مقدمة العودة الجماعية ذات صباح فلسطيني.
المستوطنون يهربون كالجرذان ومثلها يختبئون. الصاروخ ليس آلة فقط، بل هو روح تهوم فوق فلسطين لتجعل من هؤلاء المستوطنين أرانب، فيما تملأ الدنيا حكايات كاذبة عن قوة ليست موجودة، بل هي أوهن من بيت العنكبوت.
صنعتها أيها الصاروخ لله درك أيها الصاعد والهابط، أيها المشتاق الدائم الذي تنتظر بحرارة لحظة عودتك إلى بلادك لتستقر في الأرض التي طوتها السنين ولم يطوها حنينك لها.
الصواريخ الفلسطينية تفهم لغة بلادها .. فهي دائما عائدة لها وسنراها دائما على سفر إلى حيث أحب الأجداد والرجال والأحفاد ومن لم يولدوا بعد.

إلى الأعلى