الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كأداء هي الطريق إلى انفصال كردستان العراق

كأداء هي الطريق إلى انفصال كردستان العراق

أ.د. محمد الدعمي

يعتقد العديد من الإخوة في القيادات الكردية، واهمين، أنهم إذا ما تمكنوا من ليّ موقف إسرائيل لصالح تأييد انفصال إقليم كردستان عن العراق، فهم إنما يضربون عصفورين بحجر. وهذا جدل شديد التبسيط، إن لم نقل السذاجة، لأن موافقة القوى الكبرى، وأقصد الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا خاصة، لا ترتهن فقط بالمصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط، على أهمية هذه المصالح بالنسبة لهم. أما الأكثر شائكية في هذا الموضوع، فلا يكمن في مواقف القوى الكبرى أعلاه ولا في بيع النفط لإسرائيل، وإنما هو يكمن في كيف يمكن للكرد الانفصال دون توقع استجابات، قد تكون عسكرية عنيفة، ليس من بغداد فقط، ولكن من أنقرة وطهران اللتين لا بد أن تريا في هذا “التشبث” الكردي بالانفصال تهديدًا لأمنهما القومي. ولم تخفِ الدولتان رفضهما المطلق للمشروع.
وثمة تعقيد إضافي آخر يتمثل في أن أكراد العراق لا يزيدون عن نسبة صغيرة للغاية، سكانًا ومساحة، مقارنة بالشعب الكردي الذي تمتد مستقراته الجبلية من أرمينيا شمالًا إلى شمال بغداد جنوبًا. وبكلمات أخرى، لن يكون انفصال كردستان العراق (وهي لا تزيد عن 10% من كامل كردستان الكبرى) إلا فاتحة لحروب لا تبقي ولا تذر، إن لم تكن مع تركيا، فمع إيران أو سوريا.
ويبدو أن المتحمسين من الإخوة الكرد لكسب ود إسرائيل قد تجاوز عواطف الشعب الكردي الشديد التدين، خاصة الجماعات الكردية الإسلامية التي لا تختلف كثيرًا عن الجماعات الإسلامية الجديدة، أي الراديكالية والإرهابية المضادة لإسرائيل، ناهيك عن أن مثل هذا التوجه سيعزل الإقليم الكردي، إن انفصل عن بيئته الإسلامية الإقليمية وسيجعل منه إقليمًا “خارجًا عن الطاعة”، كما يقال.
وإذا كان وضع الشعب الكردي المتشرذم هذا يعود، أصلًا، إلى خطأ بريطانيا وفرنسا بحقهم، فإن تصحيح هذا الخطأ لا يمكن أن يحدث بـ”العنتريات” ولا بـ”الانتهازية”، لأنهم إن أرادوا فرض الأمر الواقع، إنما يقعون في ذات المطب الذي سقط به صدام وأسقطه؟ وأقصد عندما حاول فرض ضم الكويت وتغيير خارطة الإقليم، فلم يفلح.
إن طريقة فرض الأمر الواقع على بغداد لا يمكن أن تقبلها أنقرة ولا طهران ولا دمشق، لأن الأسلوب القسري سيقود إلى ولادة إقليم كردي أو دولة كردية في حالة حرب من تاريخ ولادتها، ضد دول الإقليم المحيطة، وأغلبها دول متمكنة عسكريًّا وسكانيًّا واقتصاديًّا، خاصة إذا ما تمكنت طهران من ترتيب شؤونها مع العالم الغربي على نحو سلمي بخصوص ملفها النووي.
إن هذا الجزء الصغير مما يسمى بـ”كردستان الكبرى” يبقى حبيس حقائق جيوستراتيجية معيقة: فتضاريس الإقليم جبلية وعرة، بينما لا يمتلك الإقليم أي مرفأ بحري يمكنه من الاستغناء عن خدمات مرافئ دول الجوار العراقي والتركي والإيراني.
لذا أجد محاولة تقمص شخصية بسمارك كردستان، مقابلًا لبسمارك ألمانيا الأصل، قد لا تكون مجدية في عصر مختلف وتعقيدات شائكية لا تسمح بالبطولات القومية التي تشبث بها زعماء عرب من ذي قبل ولم يفلحوا قط.

إلى الأعلى