الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جبهة ثقافية من أجل القيم والإنسان..

جبهة ثقافية من أجل القيم والإنسان..

علي عقلة عرسان

وقفت شبه ذاهل عن ذاتي، حزينًا حد الكآبة أو مشارف مهاويها، وأنا أتأمل في موقفين من العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة، وأسأل نفسي: أين نحن مما كنا حتى قبل نصف عقد من الزمن، وأنا أقارن بين موقف إنساني لمذيعة روسية تعمل في قناة روسيا اليوم باللغة الإنجليزية، وقد تأثرت بمأساة غزة فأخذها انفعال وغضب إنسانيان ساطعان، فتحدثت عن “البشر الذين يقتلون في غزة” وعن التواطؤ الإسرائيلي الأميركي ضدهم .. أما الموقف الآخر فهو لمذيعة عربية تشمت بغزة وأهلها ومقاومتها، وترى أن ما تفعله “إسرائيل” سوف يوقف تدفق الإرهابيين الغزاويين على بلدها؟! لا أملك إلا أن أحيي الروسية بوصفها إنسانة، وأسأل العربية بوصفها إنسانة أيضًا: ألم تلاحظي أنه طوال أيام العدوان الصهيوني المجرم لم يُقتل صهيوني واحد بينما وصل عدد قتلى الفلسطينيين في غزة 96 قتيلًا حتى الآن عدا مئات الجرحى، وبينهم أطفال ونساء في الثمانين من العمر وأسر بكاملها أبيدت..؟! ألا تجمعك بهؤلاء صفة البشر، أوليس أولئك من لحم ودم ولهم آمال وحقوق وحياة يجب أن تحترَم؟! ومن ثم بأي سلاح قتلوا وبأي سلاح يتصدى المقاومون في غزة لآلة العدوان الصهيوني؟! ومن أين جاءك أن الإرهاب يتدفق على بلدك/بلدنا من غزة؟! هل هذا جزء من تسويغ ادعاءات مسؤولين يطيب لهم أن تفنى المقاومة ولو قتل مليون فلسطيني في غزة المحاصرة منذ سنوات؟! أم أن ما تقومين به أنت وأمثالك تشجيع مجاني لإجرام نتنياهو وأمثاله؟! من أسف أن يصبح أصحاب “الرأي”، في هذا الزمن السياسي الرديء بكل المقاييس، هم أعداء أنفسهم وأمتهم وعقيدتهم وهويتهم والإنسانية، ومن يجهلون معنى القيم والمشاعر الإنسانية بوصفها قيمًا سامية تميز الإنسان عن الوحش.
لا يقع اللوم فيما وصلنا إليه من حال، هي أبأس حال، على هذه التي أشرت إليها ولا على أمثالها في مهنٍ أخرى ومواقع شتى، وأقطار عربية مترامية الأطراف، ممن “يأكلون لحم أخيهم ميتًا”، ويضاهون في تبلدهم وسطحيتهم وجهلهم بل وبوحشية تصرفهم الذي يمليه الحقد.. يضاهون من يَقتلون بوحشية من دون وازع ولا رادع، ومن يشوهون وجه الحقيقة والإنسان بإدمانهم الباطل والانحياز الأعمى وعدم اقتدارهم على المحاكمة لتبين الصواب، ومثابرتهم على الانتفاع بتقديم الولاء لمن لا يستحقه، وبترويجهم لأنواع من الهذيان في مدحهم أباطيل ذوي القوة والسلطان، من دون أن تتحرك إنسانيتهم تجاه القتل والظلم والعدوان والعنصرية البغيضة، وتجاه غمس الإنسان القيمة في مستنقعات الذل والهوان، حيث يقوم أعداء للبشر من بني البشر بذاك الفعل الوحشي الشرير دون وازع من خلق أو ضمير. لا يقع اللوم على من يجعل نفسه سلعة تباع وتشترى بالمال، ولا على من يأكل بثدييه من الرجال والنساء، ولا على من يجد البراعة والشطارة والقدرة في انتهاز الفرص والاصطفاف وراء الصاعدين على جثث الناس وقيم العدالة والأخلاق .. بل يقع اللوم على ساسة جعلوا من ذلك السقوط البشري ولاء يضع المرء تحت مداسه .. ساسة يفتحون بمال الدولة أسواق النخاسة ويدفعون لمن يروجون ما يشتهون، ويرفعون الطبالين والزمارين والرقاصين والمشعوذين والانتهازيين والزاعقين بباطلهم في وجه الحق ليتردى بين أيديهم فيدوسونه بأرجلهم .. يرفعونهم فوق أهل المروءة والعقل والعدل والمعرفة والقيمة والموقف الشجاع والرأي الصائب الذي يقيم الحكم على قوائم العدل، ويحيي الأمة بإحياء الإنسان والقيم، ويرفع الشأن العام فوق الخاص، ويستقيم كما أمر ولو دفع ثمن الموقف بعد أن أوقف الظلم وأقعد أهله ولو كانوا حكامًا، وأمات قوة البطش التي يعتمدها الظلمة ليخافهم الناس فيتنازلون لهم عن كل شيء بما في ذلك الكرامة؟! ويقع الحق على علماء دين وفقهاء يتلطون في مواكب الساسة، ويدخلون فيما دخل فيه الفريق الأول من قول وفعل، وهو ما لا يليق بهم .. ويقع الحق في ذلك أيضًا على مثقفين جديرين بحمل الاسم “مثقف” أخلوا الساحة لأدعياء الثقافة وتجار السياسة وأبواق الإعلام ممن يتعيشون “معرفيًّا” على السمعة ويدعون أنهم المعرفة وأهل الحكم على الثقافة والإبداع والمثقفين والمبدعين .. الحق على أهل الثقافة لأنهم أهملوا رعاية هوية الأمة وقيمها وضميرها وحكمتها المتوارثة وحضارتها المتجلية في صروحها المادية والمعنوية، وهم حراس ذلك .. الحق عليهم لأنهم أخلوا بواجباتهم، وزعزعوا جبهتهم، وطعَن بعضهم ظهر بعض، وتسابق من تسابق منهم على أعتاب الحكام لينالوا مالًا أو وجاهة أو..، وأزالوا أنفسهم عن مواقعهم الرفيعة في المجتمع حين تفرق جمعهم وتخاذلوا عن نصرة الحق، وأسقطوا حجتهم وهيبتهم حين تركوا المدعين يصنعون البؤس الثقافي ويقدمونه “إبداعًا” يقفون وراءه دعمًا له صفوفًا متراصة، بينما أهل الثقافة والأدب والمعرفة والقيمة الإبداعية فرادى يتصيدهم الأدعياء، وشراذم يبحث الواحد منهم عن مجد ذاته فيفقد ذاته والمجد معًا، إذ هم/هو في موقف الوحيد أمام من لديه الاستعداد لأن يزلزل القيمة وأهلها والمعرفة وقيمها ومكانتها ليبقى هو .. ويعمل كل ما بوسعه ليطوح بالمقتدرين بعيدًا عن الضوء والتأثير والتدبير، ليبقى أمر الثقافة ودورها والمطلوب منها تحت سيطرة الجهلاء والمدعين الانتهازيين الذين يحكمون بوابات الشهرة والإعلام وأسواق الكلام بأنواع الدجل والافتراء وأشكال الولاء والادعاء..؟! ويقع الحق على مجتمع لا يحتشد خلف العدل والعلم والمعرفة والقيمة، فيسقط في العتمة وهو يبحث عن ضوء، ويفترش الأرض مستسلمًا للظلم والبطش والقوة العمياء وجحافل الأدعياء، حتى ليغدو للتخلف والجهل حضنًا دافئًا وأمًا رؤومًا، وللفساد والإفساد بيئة حاضنة، وللسراق والمجرمين فِراشًا وغطاء؟! .. ويقع الحق من ثم على تربية تنهل من هذا المحيط وتصب فيه وتجتر ما فيه، وتتنازل عن قيمها ودورها لتضع مكانها قيم السوق وأخلاق السوق وبضائع السوق الرائجة، فتَسقُط وتُسقِط عند أبسط امتحان وأقل مضاربة.
لا مجال الآن للصمت، ولكن بكل الأسف الذي يمكن التعبير عنه بكلام، لا جدوى من كثير من الكلام .. وبينهما يقبع أمر واقع يدعوا إلى الاستسلام له، ونحن مع الرفض الكامل الشامل المثابر لأي نوع من أنواع الاستسلام لأمر واقع فيه التردي والسم الناقع. الصمت قتَّال نعم، والكلام في مثل الوضع الذي صرنا إليه يشبه الصراخ في فضاء الصحراء، حتى لا نقول في الفراغ، حيث لا وجود للفراغ، بالمعنى العلمي للكلمة، إلا في تجارب علمية وفي مجالات إنتاج تتطلب إحداث الفراغ .. لكن أن نصرخ معنى هذا أننا على قيد الحياة ونحتج أو نستنفر من يساند الحياة .. وأن نصرخ فربما نساعد ما تبقى من حياة فينا ونشق درب أمل إلى أفق واسع في الحياة .. أما الصمت من دون عمل فموت بطيء يتبعه موت الأمل، فهو سكون يغزونا ولا نلبث أن نعتاد عليه ثم ندمنه ثم تخمد نارنا وتهمد ونترمَّد في مواقد هياكلنا العظمية..
الفراغ في السياسة يفيد بوجود شاغر ذي أهمية سياسية ودستورية لا بد من أن يُملأ وإلا توفر مناخ ملائم لتفرخ في ظل ذلك الفراغ اضطرابات وتحدث تجاوزات وقد يقود ذلك إلى فوضى وصراعات .. وشاغر السياسة يُملأ بشخص يأتي بشكل ديمقراطي أو توافقي أو تسلطي أو انقلابي أو .. إلخ ليشغل المكان السياسي الفارغ، ومن ثم تدور عجلة السياسة والدولة وفق الدستور والقوانين .. أما الفراغ الثقافي الذي نحصد زؤانه في حقولنا ونكدسه في نفوسنا، بالمعنى البناء للثقافة والصحي للمثاقفة التي لا غنى لأمة عنها، فهو فراغ في النوع وخلل في التواصل والتعامل مع المعطى الثقافي، ينعكس في التكوين الفردي والتوجه الاجتماعي والخيارات السياسية والإدارية وغيرها .. ولا يملآن هذا النوع من الفراغ بمجرد العزم على ملئه، فذاك فعل بنوي يحتاج إلى تكوين عناصر بشرية تكوينًا خاصًّا نظيفًا حيويًّا وديناميًّا، على أرضية صلبة من الانتماء والاعتقاد وحمل الهوية القومية والقدرة العلمية والإبداعية باقتدار وصبر وإيمان .. ومن الطبيعي أننا في هذا لا ننطلق من فراغ أو قحط لا في الذاكرة والتاريخ والإنجازات ولا في واقع الرجال والكفاءات .. ولكننا نواجه خللًا كبيرًا وزبدًا غليظًا وبقعًا من الزيت على مساحات الماء تحاد تخنق الأحياء .. ونواجه واقعًا وبيئة يغصان بالألغام والأوهام وبالمتجذرين في أرض الادعاء المثابرين على الرغاء .. ومن الطبيعي أن الوصول إلى إصلاح وتوازن بناء وتصحيح للأخطاء ومن ثم إلى نتائج إيجابية في هذا المجال يحتاج إلى زمن وسياسات وتصميم وخطط ومال ورجال وبني تحتية وعناصر بشرية من نوع خاص جدًّا “تكوينًا وسلوكًا وتحصيلًا معرفيًّا وقيمة إنسانية وأخلاقية.. إلخ”، وهذا يستدعي تغييرًا في العقليات والمعايير وفي أساليب العمل والتعامل، ولا شك في أنه يعطي للمعرفة احترامًا ومكانة وقيمة ودورًا رئيسًا في التخطيط والإنتاج والإدارة ورسم السياسات وترتيب الأولويات، ويخلق مناخًا صحيًّا لاكتساب الثقافة والانتفاع بها والمحافظة عليها وتطويرها .. وجعلها أساسًا في تكوين الفرد وتعليمه وتقويمه وتوليه ما يستحق من مهام، وجعلها ركيزة ثابتة في أمور تقدم المجتمع وتماسكه وحيوته وتضامنه وتكوين مواقفه من القضايا، وفي حماية الدولة وقدرتها على القيام بواجباتها والنهوض بالمجتمع وبدور حضاري، فضلًا عن دور قومي وتحريري نحتاج إلى العمل عليه تربية وممارسة يومية.
إن الأوضاع العربية السائدة الآن لا تساعد على تحقيق كل ما نصبو إليه وكل ما نراه ضرورات في هذا المجال، ولكن ترك الأمور تسير على عواهنها من دون تدخل أو تركيز على الأمر الثقافي البنيوي الحيوي في حاضر الأمة ومستقبلها، لا سيما ما يتصل من ذلك بالموقف من العدو والعدوان عندما يطول هذا القطر أو ذاك، هذه الفئة من المجتمع أو تلك .. يحيل إلى خسران يضاف إلى ما نراه من خسران. في الحياة العربية اليوم تشوهات وصراعات دامية مذهبية وغير مذهبية، وفيها تجاوزات على كل القيم التي كانت عليا ومقدسة وجامعة للشعب العربي والمشاعر القومية، وكل ذلك أو معظمه سببه السياسات والتآمر والتدخل الخارجي “الصهيوني ـ الاستعماري” والغزو والتخريب الثقافيان، واستهداف القيم القومية والإسلامية الجامعة، ومحاولات اجتثاث الأصيل المتأصل من القيم والأخلاق والعادات والعلاقات العربي ـ العربية، وتشويه الثقافة بأشكال عدة من التزييف والنفخ والتعتيم والتقزيم في مقابل إضاءة وتعتيم وفق برامج لجهات ذات سياسات أو ارتباطات .. وبتمويل خارجي معروف يقف وراء وجود وجهود تنظيمات ومؤسسات وجهات وأحزاب وجمعيات يرعاها الممولون الأجانب ومن يخدمهم ويستخدمونه من العرب والمسلمين، الذين ينخرون في جسد الأمة منذ عقود من الزمن من دون ردع أو حتى من دون تحصين ثقافي وحذر وطني وقومي. والمدهش المذهل أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الاستهانة بقيم الأمة وثوابتها .. ولكن ذلك حدث ونراه ونلمسه ويستفزنا ونحن في بيوتنا .. فمن منا كان يتوقع أن تصل الأمور إلى تفرق المجتمع وتمزق الناس على هذا النحو، وجعل أفراد من الشعب يشمتون بشهداء من يطالهم عدوان الأجنبي المحتل والعنصري الحاقد من أبناء وطنهم وأمتهم؟! إن هذا يحصل والسياسة تستطيبه وتشجعه أو هي تصمت على ممارسته بعجز في أفضل التفسيرات .. وكل هذا يجعلنا نعيد الدعوة لتكوين جبهة ثقافية عربية نظيفة واعية للوضع قادرة على فعل شيء، وعلى وقف التدهور الملحوظ ذي العواقب السيئة على الأقطار والسياسات والمجتمعات .. إنها دعوة لجبهة ثقافية لا ترتهن للسياسات ولا للصراعات المذهبية والطائفية والعرقية، جبهة تحرر ساحتها من أي تبعية، وتعمل على صون الهوية القومية وتعزيز القيم الروحية والعلاقات الأخوية والروابط العربية والإسلامية والإنسانية، جبهة ترفع الإبداع فوق كل شكل من أشكال الادعاء، ولا تسمح بفتح أسواق الكلام لتفسِد ببيع وشراء، على حساب العدل والحق والحرية والحقوق وبنية المجتمع السليم ومستقبل الأجيال الصاعدة، وعلى حساب دور المثقف البناء والثقافة المنقذة، جبهة تعزز المقاومة ضد الصهيونية والعنصرية والاحتلال والتطبيع مع العدو الصهيوني والاعتراف به دولة على حساب الشعب الفلسطيني وعروبة فلسطين، جبهة ثقافية ضد الاستعمار والتدخل الخارجي في الشأن العربي أيًّا كان شأن طالب التدخل، وتعمل على إطفاء نيران الصراع المذهبي والأهلي الذي يمزق الأمة ويضعفها، وتحجم الصراع السياسي، وتقف ضد الطغيان والاستبداد والفساد والإفساد، وضد الإرهاب بأشكاله، وتعري الدور التآمري الخارجي والداخلي على الأمة وأقطارها وأبنائها وثقافتها وعقيدتها ومستقبلها، وتفضح من يقوم بذلك ومن يستدعي الأجنبي للتدخل في الشأن العربي أيًّا كان شكل ذلك التدخل وشأن الداعي للتدخل .. جبهة تحدد العدو بثبات موقف ووضوح رؤية ودراية تقوم على قراءة التاريخ واستقراء الواقع والتطورات، وتصحح الاتجاهات وفق ذلك التحديد، وترفع من شأن الثوابت النضالية والتحررية والتحريرية للوطن العربي وفيه، ولا تهادن من يجور علي الشعب ومن يسرقه ويفسده ويخونه، ولا من يفرض وجوده بالقوة الغاشمة على حسابه، ولا تسكت على من يرهن الوطن العربي وقدراته وطاقاته وخيراته لقوى أجنبية من أجل أن يبقى بالقوة ويحقق ما يسميه “انتصارًا” على سواه بإثبات ذاته ومحو سواه، فاعلًا ذلك باسم الشعب وعلى حسابه وحساب والعدل والحرية والقانون والقيم والأمة العربية .. جبهة تعلي شأن الحق والعدل والإنسان وتعمل من أجل رفعة القيم والإنسان، وتجعل الفكر والإبداع والثقافة بمفهومها الشامل في خدمة الأمة العربية بأبعادها القومية والإسلامية والإنسانية، وتعمل على ما يعزز وجود الأمة ويقضي على أشكال الصراع والتنافر والتمزق بين أقطارها وأبنائها..
إن جبهة تعمل على ذلك بقوة وإخلاص وإيمان سيكون مفعولها كبيرًا ولو كان عدد من يرفعون رايتها قليلًا.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى