الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: من أجل كلمة !

باختصار: من أجل كلمة !

زهير ماجد

تعلمنا انه في البدء كانت الكلمة .. وتعلمنا ايضا ان ثمة حروبا بدأت بالكلمات .. عندما تقول حب مثلا، فهي عكس كلمة كراهية، أو أن تقول حربا لتعني عكس سلام وهكذا.
لبنان بالأمس كاد يشتعل من أجل كلمة قيلت بحق سياسي كبير، ومن أجل كلمة يجب أن تقال وهي اعتذار عما بدر من كلمة ادى الى الاشتعال. هل نشك بأساس وطن ام هي غلطة التاريخ الذي اخرجه من رحم ام حنون اسمها سورية.
ولأن لا اعتذار عن الكلمة حتى الان، فمعنى ذلك ان الجمر متقد، وان رب شرارة قد تشعل السهل كله كما يقول المثل الصيني .. وهكذا يبدو، ان بين اهل السياسة في لبنان ركاما من عدم التعاطف في ما بينهم، او قل هو المخبأ والحقيقي رغم بسمات الوجوه عند التلاقي او اجتماع الضرورة.
وما يجري فوق عند أهل السياسة ينعكس على اللي تحت .. فالكل إذن مأزوم ومتوتر في طبيعته، وحالة الاحتقان قائمة وان كانت مخبأة، ولا يلزمها سوى كلمة كي تنفجر، ويتحول الشارع الى معرض للقوة بين الطرفين .. ثم ان كلمة خاطئة من هنا ترمى في وجه اخصام السياسة تؤدي الى مسرح قتال لايعرف له نهاية، في الوقت الذي يصر الجميع ومنهم من هم حول لبنان بإبداء النصائح من أجل الحفاظ على الوضع السلمي القائم فيه.
يقال في التاريخ القريب أن كلمة ” عزل ” حزب الكتائب كان لها مفعول القنبلة التي فجرت لبنان عام 1975 ، جاء الخطأ من الاحزاب المخاصمة للكتائب باطلاق ” العزل ” اثر قيام هذا الحزب باطلاق الرصاص على باص كان عائدا من سورية مما ادى الى مقتل عدد كبير من الفلسطينيين الذين كانوا بداخله.
ثم كلمة من هنا واخرى من هناك ادت الى تصعيد المواقف فالتشنج فنزول السلاح الى الشوارع ، فالمتاريس بين الشوارع، فانقسام بيروت، فالقتال الضاري بين الطرفين، فخراب وطن بأكمله، حرب استمرت خمسة عشر عاما قتل فيها اكثر من ربع مليون من اصل اربعة ملايين لبناني.
وفي التاريخ انه حين اعلن هتلر الحرب وقام باحتلال بولندا، تم التوافق على ان لايقترب من الاتحاد السوفياتي آنذاك، فارسل ستالين اليه وزير خارجيته ميكويان من اجل توقيع اتفاقية عدم اعتداء .. وبينما كان الوزير يوقع، ضربت الطائرات البريطانية برلين فاهتز مكان التوقيع مما دفع ميكويان للمزاح مع هتلر بكلمة حول الزعم الالماني بالقدرة على حماية اجواء العاصمة الالمانية، فما كان من هتلر الا ان نهره بالتوقيع. وعند عودة ميكويان سعيدا بما انجز، اخبر ستالين على الفور بما جرى، فكان رده ان القوات الالمانية اجتاحت الاراضي السوفياتية وسأله عما اذا كان اخطأ في الكلام مع هتلر.
هنالك العديد من الحروب بين الدول والجماعات والقبائل والعشائر وغيره تسببها كلمات من هنا واخرى من هناك .. والمشكلة ان الانسان بدمه الحامي كما يقال، تغير الكلمات من طبعه، ويضربه العناد الى اقصى حد فتقع الاخطاء الكبرى حيث العنف يؤدي الى العنف، والدم الى الدم .. ومرة قال لي رئيس الوزراء اللبناني الراحل رشيد الصلح، ان الحرب اللبنانية لم تتوقف بسبب دم من هناك ودم من هناك وعنف من هنا وآخر من هناك، وثمة من يصب الزيت فوق النار كي تبقى مشتعلة لاسباب اخرى لدى من يقفون عادة وراء الحروب.

إلى الأعلى