الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: لن تغفر الأجيال لكم

في العمق: لن تغفر الأجيال لكم

د. رجب بن علي العويسي

تُلقي الأحداث التي تمر بها منطقتنا العربية والخليجية بظلالها على الأجيال القادمة ومسارات العمل المشترك وأولوياته الموجهة إليها، في ظل حالة من اللا إستقرار باتت تسيئ لأخلاقيات الإنسان العربي الواعي وحضارته وتتنكر للرصيد الثقافي والفكري والقيمي والهوية والتأريخ التي يمتلكها والتضحيات التي قدمها، وتبرز الوجه السلبي المقيت الذي لم يستطع البعض إخفاءه بالرغم من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية وشيوع المعرفة، بما يمكن أن يؤديه هذا التهور من أزمات قادمة تعصف بالنواتج الإيجابية التي استطاع الإنسان تحقيقها بعد حالة الاستعمار التي مرت بها بعض بلدانه، على أن طريقة التعاطي مع هذا الواقع وحالة الشد والجذب وافتقار الحكمة في التعامل مع مجرياته والتنازع الذي تعيشه المنطقة في قراءة هذه الأحداث وطرق المعالجة وما أوجدته من تكريس لغة الفوقية وأسلوب الاستفزاز، وما أنجرت إليه من مساوئ الحروب والتدمير والإساءة إلى مقدرات الشعوب وهويتها وأصالتها وتأريخها وسيادة البلدان والتدخل في شؤون الغير، وافتعال الأزمات وإثارة الأفكار العدائية القائمة على إرباك الشباب وتضليل الحقائق وانحراف الإعلام عن رسالته وتجييش العالم الالكتروني لبناء الصورة السوداوية التي باتت تعيشها بعض السياسات في ظل ازدواجية المعايير وضعف ثقافة الحوار السياسي ومصداقية السياسة الخارجية وإدخال القضايا المجتمعية والقبلية والحدودية وغيرها في خضم هذه الأزمات، بما يرسم لمستقبل يعصف بكل المبادئ والأخلاقيات والمنهجيات وقيم الأخوة والمشتركات الإنسانية والعلاقات والتفاهمات المشتركة، لينتج جيلا آخر يعيش على تراكمات ومفاهيم وأفكار عدائية.
وبالتالي ما يمكن أن يصل إلى ذهن الطفولة والأجيال القادمة في ظل الاحتقان الفكري وممارسات الإعلام وما تبعثه من رسائل مشوهة لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل الأجيال وكيف يوظف التطور الحاصل بصورة إيجابية، وحجم التأثير الذي تتركه مشاهد القتل والدمار ونتائج العدوان على نفسية الأجيال وتأملاتهم في واقع الأمة وتقييمهم لإنجازات الآباء ، وما يحملونه لعالمهم القادم من أفكار سوداوية وسلوكيات عدوانية قائمة على التذمر والتمرد، وظهور أجيال يسهل التأثير فيها بما تحمله من أفكار سلبية تستهدف وحدة الصف العربي وتسلبه حقوقه وموارده وأولوياته واهتماماته وقضاياه الأساسية، وإدخال جيل الشباب في متاهات البحث عن الفساد وملاحقة المفسدين وإيجاد مأوى للمشردين أو لقمة العيش أو البحث عن الوظائف ودور المغردين عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمحسوبين على الإعلام والقنوات الفضائية في نشر سلوك الكراهية وبث بذور الفتنة عبر التقسيمات المذهبية والمناطقية والحزبية وإشغال الشباب والرأي العام بالرد على ما ينشر في شبكات التواصل الاجتماعي بعبارات تفتقد لأبسط الأخلاقيات وتبرز حالة ضعف الوعي، وانعكاس ذلك على حياة الأجيال القادمة ومشاهداتهم لممارسات هذا الجيل وطريقة تعامله مع ملفاته الاستراتيجية، في ظل انعدام الثقة وسلوك الرعونة الإعلامية والتذبذب الفكري والانحسار الأخلاقي وضعف الهوية وغيرها.
ولعل ما زاد الأمر سوءا اتجاه هذا الصراع الاستفزازي إلى الدخول في متاهات سلب حقوق الشعوب وتاريخها وتراثها وتعمد تزييف مفرداتها الثقافية والحضارية ودوها الإنساني الريادي على مر العصور عبر إعلام يبني مساره على سرقة آثار الشعوب وجوانب التميز بها وأفكار صبيانية تفتقد لروح المسؤولية، والاستنزاف لموارد الأجيال القادمة والاستغلال السلبي للثروات والتضييق على مساحات الاستثمار في رأس المال البشري بتوجيه هذه الموارد إلى شراء السلاح وتشجيع الفتن الداخلية وزعزعة استقرار الدول، وتأثير ذلك في حجم الموازنات الموجهة للاهتمام بمبادرات الأجيال وقيمهم وابتكاراتهم وابداعاتهم ومواهبهم.
وعليه فإن بناء صورة إيجابية للأجيال القادمة يستدعي اليوم عملا أمميا وجهدا عالميا يضع حدا لهذا التخبط والعشوائية والهمجية التي تعيشها السياسة الدولية المشحونة، يعيد إلى منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي مكانتها وللسياسة الدولية احترامها في ظل التزام بالمبادئ العليا والأخلاق السامية وإلزام بالتطبيق العادل والمتكافئ والمتوازن للشرعية الدولية يضمن للشعوب حقوقها واستحقاقاتها وللتنمية حضورها في واقع العمل العالمي، وللإعلام إنسانيته وأخلاقياته ورسالته الساعية إلى نشر السلام والحب والوئام، وإجماع على تلاشى حالة الازدواجية السلبية والسياسات العدائية التي تمارسها سياسات البعض، على أن ما يعانيه مستقبل الأجيال القادمة من حالات السخط والاحباط والسلبية وضعف مساحات التفكير وسرعة الاحكام العشوائية ، إنما هو نتاج لضمور العدالة وضعف مبدأ الثقة وانحراف العمل على المسار السليم الذي صنعه الأجداد والتزموا فيه مبادئ الأخوة والتضامن ليأتي اليوم من يترك على كاهل الأجيال تراكمات أيديولوجية وتركات مثقلة بالأوزار.
لن تغفر الأجيال القادمة صنيع المتسببين في عرقلة البناء الإنساني، الساعين إلى نشر بذور الفرقة، الداعين إلى ضياع الأوطان وسلب حقوق الإنسان، ليعيش الجيل القادم تحت وطأة الفقر والتشريد وفقدان الأبوين فلا وطن يحتويهم أو ثروات تمنحهم مساحات العيش أو نماذج وقدوات تبني فيهم روح الحب والتقارب والتعايش في مجتمع واحد لا يعترف بالمذهبية والطائفية والحزبية، فهل سينهض العالم المعتدل من سباته ليعيد للأجيال القادمة حقوقها وما الجيل المتمرد على إنسانيته من سلب كرامتها وانتهاك مواردها وثرواتها؟

إلى الأعلى