السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نصب السوشيال ميديا

نصب السوشيال ميديا

أحمد مصطفى

”.. رغم ما تتعرض له شركات التكنولوجيا الكبرى مثل تويتر وفيسبوك وغوغل من ضغوط منذ العام الماضي، مع الاهتمام بقضية الأخبار الكاذبة على الانترنت، إلا أن تلك الشركات لا تستطيع فعل الكثير لتلافي عمليات النصب والتزييف وحتى انتهاكات الخصوصية بما قد يندرج تحت طائلة القانون. وليس ذلك بسبب صعوبة تكنولوجية ولا عدم القدرة أو الإمكانية، إنما لسبب غاية في البساطة….”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أثار التقرير المطول الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن شركات بيع المتابعين والمعجبين على مواقع التواصل موجة من ردود الفعل، وصلت إلى حد أن سلطات مدينة نيويورك تفكر في تحقيق جنائي على أساس مخالفة تلك الشركات للقانون الذي يجرم “انتحال الشخصية” بتزييفها حسابات الكترونية باسم أشخاص حقيقيين لا علاقة لهم بما يجري. ورغم أن مسألة شراء المتابعين ووجود ملايين الحسابات الوهمية على مواقع التواصل مثل فيسبوك وتويتر ليست جديدة، إلا أن التحقيق الاستقصائي الذي أجرته الصحيفة الأميركية كشف الكثير مما قد يثير دهشة مستخدمي تلك المواقع دون تدقيق أو تمحيص. فليس سرا أن جماعات وحتى حكومات ودول تستخدم تلك المواقع للترويج والتضليل وفي حروب الدعاية وتشكيل الرأي العام وذلك عبر ما تسمى “الحسابات الالكترونية الآلية”، أي انشاء مئات وربما آلاف الحسابات الوهمية التي تعمل بشكل منسق الكترونيا على نشر موضوع ما بطريقة يبدو بها أنه رأي أو موقف جماهيري.
وليس سرا أيضا أن هناك من يشتري متابعين ومعجبين على تويتر وفيسبوك، بل ويشتري إعادة تغريد والإعجاب ومشاركة ما يبثه على تلك المواقع، وكذلك على يوتيوب وساوندكلاود هناك من يشتري المشاهدات للفيديوهات ومقاطع الصوت التي يحملها. ويمكن ببساطة البحث على غوغل لتظهر لك عشرات المواقع التي توفر تلك الخدمات بأسعار “تنافسية” وباستخدام بطاقة الائتمان الخاصة بك يمكنك أن تصبح مشهورا على السوشيال ميديا. ورغم ما تتعرض له شركات التكنولوجيا الكبرى مثل تويتر وفيسبوك وغوغل من ضغوط منذ العام الماضي، مع الاهتمام بقضية الأخبار الكاذبة على الانترنت، إلا أن تلك الشركات لا تستطيع فعل الكثير لتلافي عمليات النصب والتزييف وحتى انتهاكات الخصوصية بما قد يندرج تحت طائلة القانون. وليس ذلك بسبب صعوبة تكنولوجية ولا عدم القدرة أو الامكانية، إنما لسبب غاية في البساطة وهو أن تلك الشركات التكنولوجية لن تفكر في تقليل الأرقام التي تعتمد عليها في تحديد قيمتها في السوق.
على سبيل المثال موقع تويتر، الذي لا يشترط أي خطوات للتحقق لتفتح حسابا عليه إذ يمكنك انشاء مئات عناوين البريد الالكتروني على مواقع البريد المجانية وانشاء حسابات وهمية على تويتر بذات العدد دون أي مشكلة. وبما أن قيمة موقع تويتر تتحدد على أساس عدد مستخدميه، فإن إزالة ملايين الحسابات الوهمية والمزيفة سيعني فقدان لنقل ثلث عدد المستخدمين الذي يعد معيارا أساسيا لتقييم شركة تويتر في السوق. وإذا كان تويتر يعترف بأن 15 في المئة على الأقل من المستخدمين الناشطين للموقع (حوالى 48 مليون) هي حسابات وهمية وزائفة فإن الخبراء يرون النسبة أكبر من ضعف ما هو معلن. ويوضح ذلك أن تويتر غير مستعد للتضحية بربع أو ثلث قيمة الشركة بتطهير الموقع من النصابين. أما غوغل وما لديه من مواقع تواصل وفيسبوك وغيرهما ـ وكذلك تويتر طبعا ـ فغير مستعدين للتضحية بعائدات الإعلانات بالمليارات التي تعتمد على أعداد المستخدمين ومشاركتهم ومشاهدتهم، بغض النظر عما إذا كان هؤلاء المستخدمين أشخاصا حقيقيين أم حسابات آلية أو وهمية ومزيفة.
المهم، ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا جمهور المستخدمين العاديين لتلك المواقع مثل تويتر وغوغل وفيسبوك؟ ببساطة ألا نقع في خية النصب على الانترنت التي يبلغ مداها على السوشيال ميديا أكثر بكثير مما نتصور. فقد كشف تقرير نيويورك تايمز، الذي تركز على شركة واحدة لبيع المتابعين على تويتر هي شركة ديفومي، أن الكل يشترون متابعين من سياسيين ومشاهير فن ورياضة إلى نشطاء وجماعات. وكذلك الأفراد، الذين يسعون ليكونوا ضيوفا على وسائل الإعلام (حيث تقاس أهميتهم بعدد متابعيهم) أو الباحثين عن عمل مع اتجاه أصحاب الأعمال إلى اعتبار نشاط المتقدم لوظيفة على السوشيال ميديا أحد معايير الاختيار. إنما الأخطر في الواقع هم تلك الفئة من مستخدمي السوشيال ميديا التي تعرف باسم “المؤثرين” ويتهافت عليهم الجميع لالقاء المحاضرات أو الترويج لقضايا وأفكار وحملات دعاية مقابل مبالغ طائلة. وكشف تحقيق الصحيفة كيف أن هؤلاء المؤثرين يشترون المتابعين المزيفين في عمليات نصب على السوشيال ميديا لا تقل خطورة عن تلك العادية ان لم تكن أخطر.
من الأمثلة الفجة أختان صغيرتان (أقل من 15 سنة) كتبت عنهما صحيفة صن البريطانية قبل فترة وكيف يجنيان ما يزيد عن 100 ألف دولار سنويا من العمل مع شركات كبرى مثل أمازون وناينتندو وغيرهما. وكشف تقرير الصحيفة كيف انهما يشتريان المتابعين، وان كان ليس مباشرة بل بواسطة أمهما أو من يعملون معهما (حتى لا تنكشف الحيلة على أنهما نصابتان). والموضوع في غاية البساطة، فالشركات ووكالات التسويق والعلاقات العامة تدفع ما يصل إلى ألفي دولار مقابلة تغريدة من مؤثر لديه 100 ألف متابع على تويتر. تلك المئة ألف متابع لا تكلف المؤثر ألف دولار لشرائها من شركات الحسابات المزيفة. أما من لديه مليون متابع فيمكن أن يحصل من الشركات والوكالات على 20 ألف دولار مقابل تغريدة واحدة. ولا يمكن هنا استبعاد شركات التكنولوجيا ذاتها من ذلك النصب على السوشيال ميديا، فهي مستفيدة سواء من عائد إعلانات أو من زيادة قيمتها في السوق.
ما العمل إذا؟ ببساطة، لا تصدق كل ما تقرأ وتشاهد على السوشيال مديا، ولا تنخدع بهؤلاء المؤثرين لأن “تأثرك” بهم هو ما يدر عليهم أموالا طائلة بلا جهد سوى مهارة النصب.

إلى الأعلى