الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (8 ـ 10)

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (8 ـ 10)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
المبحث الرابع: آليات الرؤية الفقهية الجديدة
يقول الباحث: بيّنا فيما سبق الأسس التي تبنى عليها الرؤية الفقهية الجديدة في فقه المعاملات، وأسبابها ومصادرها، وفي هذا المبحث نحاول الوقوف على ألية تطبيق تلك الرؤية. وهي تتمثل في الإجتهاد والتقنين الذي يمكن الإستفادة فيه من الخبرات الإنسانية والفقهية المتخصصة ذات الصلة، وذلك في مطلبين على النحو التالي:
المطلب الأول: الإجتهاد: الإجتهاد في اللغة هو إستفراغ الوسع أو بذل الجهد في تحصيل شئ أو تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكفة والمشقة.
وأما في إصطلاح الأصوليين فهو: “إستفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية”: “بذل الجهد في إستنباط الأحكام من أدلتها بالنظر المؤدي إليها.
وحول الإجتهاد ضرورة شرعية لا تستغنى عنه الشريعة، ولا الأمة أوضح الباحث أن به يستوعب النص الشرعي ـ على قلته وعمومه ـ أحكام الحوادث والمستجدات عبر الزمان. ويستطيع الفقه الإسلامي أن يساير حركة الحياة المتطورة ووقائعها المتجددة. وبذلك يتحقق للشريعة كمالها وخلودها، كما أن الإجتهاد يُمكّن الأمة من سَنِّ التشريعات والقوانين التي تقتضيها المصلحة في كافة المجالات، على هدى من نصوص القرأن الكريم والسنة النبوية، ومن روح الشريعة ومقاصدها العامة، ويقابل الإجتهاد التقليد ثم الجمود، وهو منافٍ ومصادم لقانون النمو.والتناسل الفكري الطبيعي، كما أنه يسلب مزية الإنسان في الفكر والنظر والتمييز بين الحق والباطل والملائم وغير الملائم. ويهدر قيمة العقل الذي ميز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات وحثُه على إعماله في النظر والتدبير، ومن ثم الإبداع والتطور وعدم الجمود والتحجر، والأخطر من ذلك كله فهو أي الجمود يصادم حرية الفكر ويسلب الأمة حقها في النهوض والتقدم ويوقعها في الحرج والمشقة.
مؤكداً بأن منهج الإسلام في التشريع قد أفسح للعقل البشري مجالاً في إستنباط الأحكام الشرعية من النصوص مباشرة أو إستنباطا. فا النص الشرعي محتاج إلى العقل في فهمه وإنزاله على الواقع فقد يكون النص عاماً أو مجملاً أو ظنياً أو أن يتضمن المبادئ العامة دون التعرض للتفصيل وفي مثل هذه الحالات يتدخل العقل البشري لذلك يقول الإمام الشاطبي: الأدلة الشرعية ضربان: أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض وهذا بالنسبة إلى أصل الأدلة، وإلا فكل من الضربين مفتقر إلى الأخر لأن الإستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر كما أن الرأي لا يعتبر شرعاً إلا إذا استند إلى النقل أي: أن الشريعة بنصوصها لا تستغنى عن العقل والإجتهاد في ضوئها وعلى هديها لإستنباط الأحكام الشرعية منها.
وحول ضوابط الإجتهاد قال: إذا كان الإسلام قد أفسخ للعقل مجالاً في الإجتهاد والإستنباط إلا أنه ليس مطلق العنان، بل مقيد بحدود الشريعة وضوابطها فلا يملك بمجرده أن يُشرٌع الأحكام أو يُسنٌ القوانين، إنما هو جهد عقلي مرتبط بنصوص الوحي يدور حولها ولا يتجاوزها، يقول الإمام الشاطبي: “العقل تابع للنقل، بمعنى أنه إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً ويتأخر العقل فيكون تابعاً، فالعقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحد، فهنالك ضوابط للإجتهاد سواء فيما يتعلق بالمجتهد أو من يقوم بالإجتهاد وهو من تتوافر فيه الشروط التي إشترطها العلماء من وجوب معرفته بالله تعالى أولاً وما يجب له سبحانه من الصفات ويستحق من الكمالات، وأن يكون مصدقاً بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وأن يكون عالما بالقرأن والسنة والمسائل المجمع عليها، وعالماً بقواعد الإستنباط واللسان العربي، وأن يكون عالماً بمدراك الأحكام الشرعية واقسامها وطرق إثباتها ووجوه دلالاتها على مدلولاتها .. وأن يكون حسن النية متجرداً في إجتهاده وهكذا على تفصيل للعلماء في بيان هذه الشروط المتعلقة بالمجتهد المطلق الذي يتصدى للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأما المجتهد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفاً بماله تعلق بتلك المسألة، كما يتحدد الإجتهاد من حيث ما يجوز فيه الإجتهاد، وهو مجال الإجتهاد، وهو محدد بما كان من الأحكام الشرعية دليلة ظني، أما ما كان دليله قطعي كالعبادات ونحوها فإنها ليست محلاً لإجتهاد، لأن المخطئ فيها يعد أثما، والمسائل الإجتهادية، مالا يعد المخطئ فيها بإجتهادة أنما. فالقطعي من الأدلة فلا مجال للنظر والإجتهاد فيه ويسميه الإمام الشاطبي بقسم الواضحات. كما يجوز الإجتهاد فيما لم يتناوله النص على سبيل التفصيل، أو لم يرد بشأنه نص أصلاً وهو بالنسبة للمسائل الجديدة التي تحدث وليس عليها نص بخصوصها غير أنه بالإجتهاد والنظر الصحيح يمكن التوصل إلى حكمها في ضوء النصوص أيضاً ومن خلال القواعد الكلية والمبادئ العامة والمقاصد الشرعية، على إعتبار أنه كما هو معلوم أن كل ما يحدث للأمة من مسائل ووقائع جديدة لابد ان يدخل حتماً تحت خطاب الله تعالى إما نصا وإما إستنباطاً.
منوهاً بقوله: ونظراً لأهمية الإجتهاد وضرورته على نحو ما أجملنا إجتهد النبي (صلى الله عليه وسلم) في بعض المسائل التي لم يكن قد نزل عليه وحي بخصوصها كإجتهاده (صلى الله عليه وسلم) في مسألة الظهار، وفي مسألة اللعان، وفي أسرى غزوة بدر حتى نزل الوحي مبيناً الحكم بشأنها. وإن كانت مسألة إجتهاده (صلى الله عليه وسلم) محل خلاف بين العلماء إلا أن الراجح أنه إجتهد وعلم أصحابه الإجتهاد مع ملاحظة أن الإجتهاد لم يكن مصدراً للأحكام في عصره (صلى الله عليه وسلم) فقد ثبت أنه إجتهد فعلاً، وأذن لأصحابه بالإجتهاد في حضرته فقد روى عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني ان يحكماً بين خصمين، وقال لهما: إن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة، كما روي أنه (صلى الله عليه وسلم):(حَكٌم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبى ذراريهم، فقال عليه السلام “لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)، كما أقر أصحابه على الإجتهاد في غيبته ودليل ذلك قصة معاذ بن جبل وعتاب بن اسيد عندما بعثهما قاضيين إلى اليمن، إذ قال لمعاذ: كيف تصنع إن عرض عليك قضاء؟ قال أقضي بما في كتاب الله قال: فإن يكن في كتاب الله قال: بسنة رسول الله قال فإن لم يكن في سنة رسول الله، قال إجتهد رأى لا ألو قال: فضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على صدره ثم قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب الله ورسوله أي: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) إجتهد وعلم أصحابه الإجتهاد في حضرته وفي غيبته وحثهم على الإجتهاد.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى