الأربعاء 24 أكتوبر 2018 م - ١٥ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العفو والصفح (3)

العفو والصفح (3)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
العَفُو شِعارُ الصَّالِحينَ الأنقِيَاءِ ذوِي الحِلمِ والنَّفسِ الرَّضيَّةِ لأنَّهم آثَروا الآجِلَ على العَاجِلِ! غيرَ أنَّ العَفوَ لا يَقدِرُهُ إلاَّ الأقوياءَ الذينَ قَدَّموا رضا اللهِ على حُظُوظِ أنفُسِهم ،العفو مظهر من مظاهر حسن الخلق .. العفو دليل على سعة الصدر حسن الظن .. العفو يثمر محبة الله عزوجل ثم محبة الناس .. أمان من الفتن وعاصم من الزلل ودليل على كمال النفس وشرفها تهدئة المجتمع والنشء الصالح لحياة أفضل، طريق نورٍ وهداية لغير المسلمين يقول رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) ـ رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وأهل العفو هم الأقرب لتحقيق تقوى الله ـ جلّ وعلا، قال الله تعالى:(وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقرة ـ 237)، قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو العفو والصفح باب عظيم من أبواب الإحسان، قال الله تعالى:(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة ـ 13)، يتفاوت الناس في مكارم الأخلاق ومقامات الإحسان وجميل السجايا والخصال، وإن العفو عن المسئ وعن المقصر في أدب الصحبة وحقوق المخالطة والإغضاء عن زلته والتجافي عن هفوته والتغافل عن عثرته واحتمال سقطته من أجَلِّ الصفات وأنبل الخصال .. يقول ـ جلّ في علاه:(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران 133 ـ 134)، وقال ـ جلّ في علاه:(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى ـ 37)، وقال ـ جلَّ في علاه:(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ، وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى 39 ـ 43)، فشَرَعَ العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، قال إبراهيم النخعي:(كانوا يكرهون أن يستذلوا .. فإذا قدروا عفوا) ـ أخرجه البخاري.
والصفح أقرب للتقوى، والصفح أكرم في العقبى، والتجاوز أحسن في الذكرى .. فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدُ لله إلا رفعه) ـ أخرجه مسلم، وعن عقبة بن عامر الجهني ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا عقبة .. ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك) ـ أخرجه أحمد، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال وهو على المنبر:(ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم) ـ أخرجه أحمد، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(ما من عبد ظُلم بمظلمة فيُغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله به نصره) ـ أخرجه أحمد وأبو داود.
الصبر عن الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة مرتبةٌ عاليةٌ وخصلةٌ شريفةٌ لا يقدر عليها إلا الصابرون المهتدون الموفقون، يقول ـ جلَّ في علاه :(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت 34 ـ 35)، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال في صفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح) ـ أخرجه البخاري، فصلوات الله وسلامه عليه.
فوائد العفو والصفح: إن مكانة المؤمن أعزّ وأسمى مِن أن يتساوى في الظاهر مع ظالمه بل يعفو ويصفح، ويتجاوز ويتسامح، ويقابل الإساءة بالإحسان، لعلمه أن العفو خير .. فوائده عظيمة، ونتائجه جليلة، فبالعفو تنال العزة والشرف، ولا تظن أخي الكريم أن العفو يَنِمّ عن ضعف وعجز وهوان، وإنما هو عزة وانتصار على النفس ووساوس الشيطان، فقد أخرج الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَجُلاَ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟ قَالَ:(إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً)، قيل لأبي الدرداء: من أعز الناس؟ فقال: (الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى)، والعفو أقربُ للتقوى، والصَّفح أكرمُ في العُقبى، والتجاوُز أحسنُ في الذِّكرى، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى 36 ـ 37)، فاحرصوا رحمكم الله على العفو عمن أذنب، والصفح على من أساء، فإن لذة العفو أطيب من لذة التشفّي لأن لذة العفو يلحقها السرور وحَمْدُ العاقبة، ولذة التشفي يلحقها الندَمُ وذمّ العاقبة تقوم فيه المعاملة بين الأفراد على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الشرع، وحثّ عليه رب العالمين:(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت 34 ـ 35)، إنها لخصلة حميدة، وإنه لفوز عظيم لِمن دفع السيئة بالتي هي أحسن، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ) (فصلت ـ 35) بكظمِ الغيْظِ وَاحْتِمَالِ الأذى، صبروا على الإساءة فعَفوْا وتجاوزا ابتغاء الأجر والثواب، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت ـ 35) أي: لا يوفق لهذا الخلق الكريم وَهذه الْخَصْلَة الشَّرِيفَة إلا ذو نصيب وَافِرٍ مِنَ الْخَيْرِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: الْحَظُّ الْعَظِيمُ الْجَنَّةُ، وقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا عَظُمَ حَظٌّ قَطُّ دُونَ الْجَنَّةِ، وبالعفو والصفح تغفر الذنوب، وما أحوج العبدَ إلى مغفرة من الله الغفور الرحيم، يقول ربنا سبحانه:(وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن ـ 14)، ويقول اللَّه عز وجل:(وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وبالعفو يُنال الأجرُ والثواب، يقول سبحانه:(وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى ـ 40])، وبالعفو عمن أساء يُنال العفوُ من الله سبحانه، فالجزاء من جنس العمل، فمن عفا عَفا الله عنه، ومن صفحَ صفح الله عنه، ومن غفرَ غفر الله له، ومَن عامل العباد بما ينفعهم ولا يضرّهم، نال محبة الله ومحبة عباده. قال سبحانه:(إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً)، وتجاوَزوا عمَّن أساءَ إليكم؛ اجعلوا العفو والصَّفح شعاركم وخلقا لكم في بيوتكم وشوارعكم ونواديكم وأسواقكم، اخرُجوا من ضيق المناقَشة إلى فسحةِ المُسامحة، ومن مَشقة المُعاسَرة إلى سهولةِ المُعاشَرة، واطوُوا بساطَ التقاطُع والوحشة، وصِلوا حبلَ الأُخُوَّة، ورُوموا أسبابَ المودّة، واقبَلوا المعذِرة، فإن قبولَ المعذرة من محاسنِ الشِّيم، وإذا قدرتم على المُسيء فاجعَلوا العفوَ عنه شُكرًا لله للقدرة عليه.

إلى الأعلى